لم أدخل العمل العام بحثًا عن منصب أو شهرة، ولم أقترب منه طمعًا في مكسب شخصي، بل كانت البداية نابعة من إيمان حقيقي بأهمية المشاركة في خدمة المجتمع والمساهمة في إحداث أثر إيجابي في حياة الناس، ومع مرور الوقت أدركت أن العمل العام ليس مجرد نشاط اجتماعي أو سياسي، بل رحلة طويلة من التعلم والتجارب التي تصنع الإنسان وتكشف له الكثير من الحقائق.
علمني العمل العام أن الناس هم الثروة الحقيقية لأي مجتمع، فمن خلال اللقاءات والمبادرات والفعاليات المختلفة، تعرفت على قصص نجاح ملهمة، وشاهدت تحديات يعيشها آخرون بصمت، واكتشفت أن خلف كل وجه حكاية تستحق أن تُسمع، ومن هنا تعلمت أن الاستماع للناس قد يكون أحيانًا أهم من الحديث إليهم، وأن فهم احتياجاتهم ومشكلاتهم هو الخطوة الأولى نحو أي تغيير حقيقي.
كما علمني أن المسؤولية ليست كلمة تُقال، وإنما التزام يُمارس، فمن السهل أن تطلق الوعود، لكن الأصعب أن تحول هذه الوعود إلى واقع يشعر به الناس، ولذلك أدركت أن قيمة الإنسان في العمل العام تُقاس بما ينجزه على الأرض، لا بما يقوله أمام الكاميرات أو على منصات التواصل الاجتماعي، فالناس لا تتذكر الكلمات كثيرًا، لكنها لا تنسى المواقف الصادقة والأعمال التي أحدثت فارقًا في حياتها.
وعلمني العمل العام أن النجاح الحقيقي لا يُصنع بمجهود فرد واحد، فكل إنجاز وراءه فريق يعمل بإخلاص، وأشخاص يؤمنون بالفكرة نفسها ويسعون لتحقيقها، لذلك أصبحت أؤمن أن روح التعاون هي أساس أي تجربة ناجحة، وأن تقدير جهود الآخرين لا يقل أهمية عن تحقيق النتائج نفسها، فالعمل الجماعي لا يجمع الطاقات فقط، بل يصنع بيئة قادرة على الإبداع وتجاوز العقبات.
ومن أهم الدروس التي تعلمتها أن الاختلاف لا يعني الخلاف، ففي العمل العام تلتقي بأشخاص يحملون أفكارًا وآراءًا متنوعة، وقد تختلف معهم في الرؤية أو الأسلوب، لكن احترام هذا التنوع هو ما يجعل الحوار ممكنًا، ويجعل المجتمع أكثر قدرة على التقدم والنمو، تعلمت أن الاستماع للرأي الآخر لا ينتقص من قناعتي، بل يثريها ويجعلها أكثر نضجًا وواقعية.
كما علمني العمل العام الصبر، فليست كل المبادرات تنجح من أول محاولة، وليست كل الأفكار تجد طريقها إلى التنفيذ بسهولة، هناك عقبات وتأخير وانتقادات، لكن الاستمرار رغم كل ذلك هو ما يصنع الفارق بين من يحلم فقط، ومن يحول حلمه إلى واقع، فالنجاح في العمل العام لا يقاس بسرعة الوصول، بل بالقدرة على الاستمرار والثبات أمام التحديات.
وخلال هذه الرحلة أدركت أن بناء الثقة بين الإنسان ومجتمعه يحتاج إلى وقت طويل وجهد كبير، فالثقة لا تُطلب، وإنما تُكتسب من خلال الصدق والالتزام واحترام الكلمة، وكلما كان الإنسان قريبًا من الناس، حاضرًا بينهم في أوقات الفرح والأزمات، ازدادت هذه الثقة وترسخت جذورها.
كما تعلمت أن خدمة المجتمع لا ترتبط بعمر معين أو منصب محدد أو إمكانيات ضخمة، فكل إنسان يستطيع أن يترك أثرًا إيجابيًا في محيطه مهما كانت إمكانياته بسيطة، قد تكون الفكرة الجيدة بداية مشروع ناجح، وقد تكون الكلمة الطيبة سببًا في تغيير حياة شخص، وقد يكون الموقف الإنساني البسيط أكثر تأثيرًا من مئات الخطب والشعارات.
والأهم من كل شيء، أن العمل العام علمني معنى الانتماء الحقيقي، فحب الوطن لا يكون بالشعارات وحدها، بل بالعمل الجاد والسعي المستمر لخدمة الناس وتحسين حياتهم، والانتماء ليس مجرد شعور نردده في المناسبات، بل مسؤولية يومية تدفعنا إلى المشاركة والبذل والعطاء من أجل مستقبل أفضل للجميع.
لقد منحني العمل العام فرصة للتعرف على نماذج وطنية مخلصة تعمل في صمت بعيدًا عن الأضواء، وتبذل جهدها من أجل خدمة مجتمعها دون انتظار مقابل، ومن خلال هذه النماذج تعلمت أن أعظم الأعمال هي تلك التي تُنجز بإخلاص، وأن قيمة الإنسان الحقيقية تكمن فيما يقدمه للآخرين لا فيما يحصل عليه لنفسه.
وفي النهاية، أستطيع القول أن العمل العام لم يعلمني كيف أتعامل مع الناس فقط، بل علمني كيف أتعامل مع نفسي، علمني التواضع عندما أنجح، والصبر عندما أتعثر، والإصرار عندما تواجهني الصعوبات، علمني أن الطريق إلى التأثير الحقيقي يبدأ بخدمة الناس واحترامهم والإيمان بقدرتهم على صناعة التغيير.
ولهذا سيظل العمل العام بالنسبة لي مدرسة مفتوحة، أتعلم فيها كل يوم درسًا جديدًا، وأكتشف من خلالها أن أجمل ما يمكن أن يحققه الإنسان هو أن يكون نافعًا لمن حوله، وأن يترك أثرًا طيبًا يبقى في القلوب قبل أن يكتب في السطور، فالإنجازات قد تُنسى بمرور الزمن، لكن الأثر الإنساني الصادق يبقى شاهدًا على رحلة من العطاء والإخلاص والمسؤولية
