في قلب القطاع المصرفي المصري تقبع معضلة صامتة لا يتحدث عنها كثيرون بصراحة: بينما تتسابق البنوك على الحديث عن التحول الرقمي والابتكار وتحسين تجربة العميل لا تزال سياسات التوظيف في كثير من الأحيان تدور في فلك واحد ضيق – وهو الخبرة المصرفية السابقة ومحفظة العملاء الجاهزة. والنتيجة؟ سوق يعيد تدوير الموظفين أنفسهم بين البنوك بدلاً من أن يفتح ذراعيه لموجات جديدة من الكفاءات القادرة على إحداث فارق حقيقي.
هنا تأتي مبادرة "جسر" لتطرح سؤالاً جريئاً: ماذا لو كانت أفضل الكفاءات لتطوير المبيعات المصرفية وتجربة العميل موجودة بالفعل - لكن في شركات ومجالات أخرى لا في البنوك؟
فالفكرة لا تقوم على فتح أبواب البنوك أمام أي شخص بلا ضوابط ولا على التقليل من قيمة الخبرة المصرفية المتراكمة وإنما على سؤال مختلف:
لماذا لا نبحث أولاً عن المهارة ثم نمنح صاحبها المعرفة المصرفية التي يحتاج إليها؟
المشكلة ليست في الخبرة المصرفية... وإنما في اعتبارها الطريق الوحيد
في بعض مسارات التوظيف المصرفي وخاصةً المبيعات وخدمة العملاء قد يكون من الطبيعي أن يفضَّل المرشح الذي سبق له العمل في بنك ويمتلك معرفة بالمنتجات والإجراءات وربما شبكة علاقات أو خبرة مباشرة في السوق.
وهذا الاختيار له منطقه العملي لأنه قد يقلل فترة التعلم ويجعل الموظف قادراً على ممارسة العمل بصورة أسرع.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا الأسلوب من أحد مسارات الاختيار إلى المسار الوحيد تقريباً.
عندها قد نجد سوق العمل المصرفي يدور في دائرة مغلقة: موظف ينتقل من بنك إلى بنك ومعه خبرته وعلاقاته وعملاؤه ثم يأتي موظف آخر من بنك مختلف بالطريقة نفسها.
وبمرور الوقت قد يتحول جزء من المنافسة من خلق أسواق وعملاء جدد إلى إعادة توزيع العلاقات والعملاء الموجودين بالفعل.
وفي المقابل توجد في السوق المصرية خبرات كبيرة في شركات الاتصالات والتعهيد والمبيعات المباشرة والمبيعات الهاتفية وخدمة العملاء وتجربة المستخدم والتكنولوجيا وتحليل البيانات والتسويق الرقمي وإدارة العمليات.
هؤلاء قد لا يمتلكون الخبرة المصرفية الكاملة لكن بعضهم يمتلك مهارات أصبحت البنوك نفسها تحتاج إليها بشدة.
وهنا تظهر فكرة "جسر"
فمبادرة "جسر" لا تلغي الخبرة المصرفية... بل تضيف إليها
المبادرة المقترحة تقوم على مبدأ بسيط:
لا ننتقل بالإنسان من قطاع إلى البنك اعتماداً على سيرته الذاتية فقط ولا نرفضه لأنه جاء من قطاع آخر وإنما نقيس ما يستطيع فعله ثم نحدد ما يحتاج إلى تعلمه.
وهذا هو جوهر النموذج المقترح وهو اكتشاف المهارة، مطابقة الدور، تشخيص الفجوة، تأسيس مصرفي، محاكاة، شراكة مزدوجة، ممارسة محكومة، اعتماد تدريجي، قياس، ثم تعلم مؤسسي.
بمعنى آخر:
"جسر" لا يقول إن موظف الاتصالات أصبح مصرفياً لمجرد أنه تم تعيينه في بنك.
بل يقول إن لديه مهارات يمكن تحويلها إلى قيمة مصرفية بشرط أن يمر عبر منظومة تأهيل واختبار وممارسة واعتماد.
وهذا فارق جوهري.
لماذا أصبحت الفكرة أكثر أهمية الآن؟
لأن طبيعة العمل المصرفي نفسها تتغير.
فالبنك المركزي المصري أعلن في أغسطس 2026 أن معدل الشمول المالي في مصر وصل إلى %79 بنهاية يونيو 2026 مع وصول عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية إلى 56.4 مليون مواطن.
وهذا التوسع يعني أن قاعدة العملاء أصبحت أكبر وأكثر تنوعاً وأن البنك يحتاج إلى فهم شرائح جديدة من المجتمع وليس فقط إدارة العلاقة التقليدية مع العميل.
وفي الوقت نفسه يتحرك القطاع بقوة نحو الخدمات الرقمية.
ففي أغسطس 2026 أصدر البنك المركزي المصري قواعد خدمات الهوية المالية الرقمية والتحقق الإلكتروني من هوية العملاء eKYC بما يتيح مستقبلاً فتح الحسابات والحصول على منتجات وخدمات مصرفية عبر القنوات الرقمية دون الحاجة إلى زيارة الفروع في الحالات التي تنطبق عليها القواعد.
كما أطلق البنك المركزي خدمة قبول المدفوعات اللاتلامسية عبر الهواتف والأجهزة الذكية باستخدام حلول Soft POS في إطار التوسع في المدفوعات الإلكترونية والتحول إلى مجتمع أقل اعتماداً على النقد.
هذه التحولات لا تحتاج فقط إلى مصرفيين يعرفون المنتجات.
إنها تحتاج أيضاً إلى أشخاص يفهمون العميل والقناة الرقمية وسلوك المستخدم والبيانات والتواصل والمبيعات الحديثة والتكنولوجيا.
وهنا قد تكون شركات الاتصالات والتعهيد كنزاً غير مستغل.
لنفترض أن لدينا موظفاً قضى سنوات في مركز اتصال كبير.
قد يكون هذا الشخص تعامل يومياً مع مئات العملاء وتعلم إدارة الاعتراضات وقياس جودة الخدمة وفهم مؤشرات الأداء والتعامل مع أنظمة CRM وتحليل أسباب شكاوى العملاء والعمل تحت ضغط وربما يتحدث لغة أجنبية بطلاقة.
أو موظف مبيعات هاتفية تعلم كيف يحول مكالمة عادية جدا إلى فرصة بيع.
أو متخصص تجربة عميل يعرف كيف يرسم رحلة العميل ويكتشف نقاط الضعف.
أو محلل بيانات يستطيع قراءة سلوك العملاء وبناء نماذج تساعد على اتخاذ القرار.
أو متخصص تكنولوجيا اعتاد العمل مع أدوات الذكاء الاصطناعي والأتمتة.
هل يصبح هؤلاء عديمي القيمة بالنسبة للبنك فقط لأن آخر سطر في سيرتهم الذاتية لا يحمل اسم بنك؟
هنا تحديداً يمكن أن تعمل "جسر".
البنك المركزي نفسه يضع تنمية المواهب في قلب مستقبل القطاع.
هذه الفكرة لا تأتي في اتجاه معاكس لما يحدث في القطاع المصرفي المصري.
على العكس حيث أعلن البنك المركزي في سبتمبر 2026 إطلاق النسخة الرابعة من FinTech Got Talent وأكد أن الاستثمار في الكوادر الشابة وإعداد جيل يمتلك المعارف والمهارات والقدرات اللازمة لمواكبة التغيرات يمثل ركيزة في بناء مستقبل القطاع المصرفي والمالي.
كما تضم مبادرة FinYology حالياً 31 جامعة ونحو 1060 مشروعاً بمشاركة قرابة 24 ألف طالب مع دعم من نحو 27 بنكاً ومؤسسة مالية.
والرسالة هنا مهمة: فالقطاع المصرفي لم يعد يبحث فقط عن شخص يعرف العمل المصرفي وإنما عن شخص يستطيع العمل المصرفي في المستقبل.
وهذا المستقبل يحتاج إلى مهارات مختلفة.
فالبنك المركزي والمعهد المصرفي المصري أطلقا أيضاً برامج متخصصة في الذكاء الاصطناعي للقطاع المصرفي تستهدف ربط التكنولوجيا بالخبرة المصرفية والامتثال واتخاذ القرار وتجربة العميل.
كما أن المعهد المصرفي لديه بالفعل توجهات لتطوير القوى العاملة الرقمية وإعداد كوادر قادرة على التعامل مع متطلبات التكنولوجيا والمخاطر المرتبطة بها.
إذن السؤال لم يعد: هل نحتاج إلى مهارات جديدة؟
السؤال أصبح: كيف نستطيع الوصول إلى هذه المهارات بأفضل طريقة؟
وهنا تبدأ رحلة "جسر"
يمكن أن تبدأ المبادرة بتقييم المرشح قبل النظر إلى اسم القطاع الذي جاء منه.
أولاً: اكتشاف المهارة
من خلال عينة عمل ومقابلة منظمة ودراسة حالة ومحاكاة واختبارات للقدرة على التعلم وتحليل النتائج السابقة.
الهدف ليس أن نقول: "هذا الشخص مصرفي" أو "هذا الشخص غير مصرفي".
الهدف هو إنتاج خريطة مهارات حقيقية.
ثانياً: مطابقة المهارة مع الوظيفة
قد لا يصلح موظف خدمة العملاء مباشرة لوظيفة مصرفية معينة لكنه قد يكون ممتازاً في تجربة العميل.
وقد يكون موظف المبيعات الهاتفية أكثر ملاءمة لدور في المبيعات الرقمية.
وقد يكون المتخصص التكنولوجي مناسباً لوظائف التحول الرقمي أو الأتمتة أو تحليل البيانات.
إذن لا نفرض الشخص على الوظيفة بل نبحث عن أفضل نقطة إلتقاء بين المهارة واحتياج البنك.
ثالثاً: تشخيص الفجوة
هنا يجب أن نسأل: ماذا ينقصه؟
• هل هي معرفة بالمنتج؟
• أم بالامتثال؟
• أم المخاطر؟
• أم السرية المصرفية؟
• أم مكافحة الاحتيال؟
• أم حماية العميل؟
• أم إجراءات البنك؟
• أم الحكم المهني؟
ومن هنا يتم تصميم برنامج تأهيل فردي بدلاً من إخضاع الجميع لنفس التدريب.
رابعاً: التأسيس المصرفي
لا يمكن أن يدخل شخص قادم من قطاع آخر إلى البنك دون أن يفهم طبيعة المال والثقة والمخاطر وحقوق العملاء والامتثال.
لذلك يجب أن تشمل "جسر" أساسيات النظام المصرفي والمخاطر والامتثال وحماية العميل والسرية والاحتيال والمنتجات وأخلاقيات البيع والسياسات المرتبطة بالوظيفة.
خامساً: مختبر المحاكاة
وهذه ربما تكون من أهم مراحل المبادرة.
قبل أن يحصل الموظف على صلاحيات واسعة يجب أن يخوض مواقف تحاكي الواقع:
• عميل غاضب.
• طلب منتج لا يناسب العميل.
• حالة اشتباه.
• معلومة ناقصة.
• خطأ في إجراء.
• قرار يحتاج إلى تصعيد.
• حالة تتطلب حماية بيانات العميل.
وهنا لا نقيس فقط سرعة الموظف وإنما دقة المعلومة واحترام حقوق العميل وتطبيق الإجراءات واكتشاف المخاطر وجودة التوثيق وحدود الصلاحية وقرار التصعيد.
"الشراكة المزدوجة"... أهم ما في المبادرة
أحد أكثر عناصر "جسر" أهمية هو ألا يُترك الموظف الجديد وحده.
يكون معه: خبير مصرفي ينقل إليه قواعد ومنتجات وضوابط العمل المصرفي.
وفي الوقت نفسه: خبير في المجال الذي جاء منه يساعد المؤسسة على ألا تفقد المهارة التي استقطبت الموظف من أجلها أصلاً.
وهنا يتحول الأمر من محاولة "تغيير" الموظف إلى عملية تعلم متبادل.
المصرفي ينقل المعرفة المصرفية.
والقادم من خارج القطاع ينقل معرفة جديدة بالعميل أو التكنولوجيا أو المبيعات أو العمليات.
والبنك يحصل في النهاية على شيء أكبر من مجرد موظف جديد.
يحصل على مزيج جديد من الخبرات.
لكن "جسر" تحتاج إلى حواجز أمان.
نجاح المبادرة لا يعني فتح الباب بلا قيود.
على العكس.
كلما جاء الموظف من خارج القطاع زادت أهمية الاختبارات والصلاحيات المرحلية والرقابة.
ولهذا يقترح النموذج أن تكون الصلاحيات متدرجة: مهام محددة أو عمل تحت المراجعة أو منتجات محددة مع عدم السماح بالتعامل مع الحالات المعقدة قبل إثبات الجاهزية.
وهذه النقطة أساسية: الابتكار المصرفي لا يعني التهاون في المخاطر.
بل يعني تصميم طريقة أكثر ذكاءً لإدارة المخاطر.
ماذا سيضيف "جسر" إلى البنك؟
إذا طُبقت المبادرة بطريقة صحيحة فإن المكاسب المحتملة لا تتعلق بالتوظيف فقط.
قد يحصل البنك على:
• قاعدة أوسع من المواهب.
• خبرات جديدة في تجربة العميل.
• مهارات أقوى في المبيعات الرقمية.
• معرفة أكبر بسلوك العملاء.
• خبرات في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
• تنوع أكبر في طرق حل المشكلات.
• قدرة أفضل على تصميم خدمات تناسب شرائح جديدة.
• تقليل الاعتماد على تدوير بعض الخبرات داخل القطاع نفسه.
• إتاحة مسارات مهنية جديدة للانتقال بين القطاعات.
والأهم أن النجاح يجب ألا يقاس بعدد الأشخاص الذين تم تعيينهم.
بل بجودة الأداء ودقة التنفيذ والالتزام وانخفاض الأخطاء وإعادة المعالجة ورضا العملاء وسرعة التعلم والقدرة على حل المشكلات والاستمرار الوظيفي والمساهمات التي يقدمها الموظف لتحسين العمل.
لماذا يتوافق ذلك مع اتجاهات سوق العمل العالمي؟
لأن فكرة الانتقال بين المهارات والوظائف أصبحت أكثر أهمية عالمياً.
فتقرير Future of Jobs 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي يشير إلى أن المهارات التكنولوجية وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة من أسرع المهارات نمواً بالتوازي مع التفكير الإبداعي والمرونة والقدرة على التعلم المستمر.
كما يوضح التقرير أن المهارات الإنسانية مثل التفكير التحليلي والقيادة والتأثير الاجتماعي وخدمة العملاء تظل ذات أهمية كبيرة.
وهذا تحديداً هو المجال الذي تتحرك فيه "جسر": لا تستبدل الخبرة المصرفية بالخبرة الخارجية وإنما تحاول دمج الاثنين معاً.
من مبادرة توظيف إلى سياسة لإدارة المواهب.
إذا أثبتت التجربة نجاحها يمكن أن تتحول "جسر" من برنامج تجريبي محدود إلى إطار مهني أوسع يمكن للبنوك استخدامه وفق احتياجاتها.
وقد يبدأ التنفيذ بعدد محدود من الوظائف، مثل: خدمة العملاء – المبيعات الرقمية – تجربة العميل – مراكز الاتصال – العمليات – التحول الرقمي – تحليل البيانات – التسويق الرقمي – التكنولوجيا المالية.
ثم تقاس النتائج.
إذا نجح المسار، يتوسع.
وإذا ظهرت فجوة، تعدل.
وإذا ظهرت مخاطر، تعالج قبل التوسع.
وهذا يتفق مع جوهر النموذج المقترح: لا توسع في البرنامج قبل قياس نتائجه.
"جسر" ليست دعوة لإغلاق باب الخبرة المصرفية... بل لفتح باب آخر.
فالمصرفي صاحب الخبرة يظل عنصراً أساسياً في البنك.
والخبرة المصرفية لا يمكن اختصارها في دورة تدريبية.
لكن في المقابل ليس من المنطقي أن نعتبر كل خبرة خارج القطاع أقل قيمة لمجرد أنها اكتسبت في صناعة أخرى.
فالموظف القادم من الاتصالات قد يفهم العميل بصورة مختلفة.
والمتخصص في تجربة العميل قد يرى مشكلة لم يرها المصرفي التقليدي.
ومتخصص البيانات قد يقرأ سلوكاً لا يظهر في التقارير التقليدية.
وصاحب الخبرة في الذكاء الاصطناعي قد يرى فرصة لأتمتة عملية استغرقت سنوات وهي تُدار بالطريقة نفسها.
وهنا لا يصبح الاختلاف خطراً.
يصبح الاختلاف أصلاً من أصول المؤسسة.
والرسالة الأخيرة إلى البنوك
ربما آن الأوان لأن ننتقل من سؤال: "اشتغلت في بنك كام سنة"؟
إلى مجموعة أسئلة أكثر عمقاً: ماذا تستطيع أن تفعل؟
• ماذا تعرف؟
• ماذا تستطيع أن تتعلم؟
• ما الفجوة التي تحتاج إلى سدها؟
• وأين يمكن لمهارتك أن تصنع قيمة داخل البنك؟
ثم يأتي السؤال الأهم: هل يستطيع البنك أن يبني لك الجسر الذي يحول هذه المهارة إلى كفاءة مصرفية آمنة؟
هذه هي فلسفة "جسر".
لا تطلب من البنك أن يثق في الموهبة الخارجية بلا دليل.
ولا تطلب من الموهبة أن تعبر إلى القطاع المصرفي وحدها.
إنها تقترح طريقاً بين الطرفين:
• بين المهارة والسياق.
• بين الابتكار والانضباط.
• بين الخبرة الجديدة والخبرة المصرفية.
• بين الجرأة وإدارة المخاطر.
وفي النهاية فإن البنك الذي يستطيع أن يستقطب العقول المختلفة ويعلمها قواعده وفي الوقت نفسه يسمح لها بأن تضيف إليه شيئاً جديداً قد لا يكون فقط قد وظف موظفين جدد.
قد يكون قد بنى قدرة مؤسسية جديدة.
وربما تكون هذه هي الفكرة الحقيقية وراء "جسر": ألا يظل باب العمل المصرفي مغلقاً أمام إنسان يمتلك القدرة والشغف والمهارة لمجرد أن سطر خبرته السابقة يحمل اسم قطاع مختلف.
