جاء منتدى مصر 2026، تحت شعار «نظرة لليوم.. رؤية للغد»، ليطرح مساحة للحوار حول مسارات التنمية والشراكة، واستشراف مستقبل الدولة المصرية في ضوء التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، بما يعزز فرص المشاركة في صياغة رؤى تستجيب لتحديات الحاضر وتستثمر إمكانات المستقبل. وفي هذا السياق، حملت كلمة الرئيس السيسي رسالة محورية، حين أكد أن ما تحقق من استقرار خلال السنوات الماضية لم يأت دون تكلفة، وأن مصر قدمت الكثير من التضحيات والدماء.
وتضع هذه الرسالة قضية الاستقرار في قلب النقاش حول مستقبل الدولة؛ فالحفاظ على الأمن وتماسك المؤسسات كان ضرورة لحماية الوطن ومقدراته، بينما تتمثل المسؤولية الراهنة في البناء على ما تحقق، وتعزيز مسارات التنمية، وتحويل الاستقرار إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة يشعر المواطن بثمارها. ومن هنا، تبرز أهمية المنتدى باعتباره مناسبة للتأمل في مسيرة الدولة، واستخلاص دروس التجربة، وربط الحوار الوطني برؤية عملية للمستقبل، يكون الإنسان المصري وتحسين جودة حياته في صدارة أولوياتها.
إن الاستقرار ليس مجرد غياب للاضطرابات، بل هو أساس قدرة الدولة على التخطيط طويل الأجل، وجذب الاستثمارات، وتنفيذ المشروعات، وتطوير مؤسساتها، وتوفير بيئة تسمح للمجتمع بالعمل والإنتاج. وقد واجهت مصر خلال السنوات الماضية تحديات أمنية وإقليمية واقتصادية متشابكة، في منطقة شهدت صراعات ممتدة، واضطرابات سياسية، وتغيرات في موازين القوى، إلى جانب ضغوط اقتصادية عالمية انعكست على حياة المواطنين. وفي ظل هذه الظروف، تحملت الدولة والمجتمع أعباء متعددة، كما قدم أبناء القوات المسلحة والشرطة تضحيات كبيرة في مواجهة الإرهاب وحماية أمن البلاد. ويجب أن يكون دافعًا لمواصلة البناء وتحقيق نتائج ملموسة. فقيمة الاستقرار تتجلى في قدرته على فتح آفاق أوسع للتنمية، وتحسين مستوى الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وكلما ارتبط الاستقرار بتطور الدولة واجهزتها، أصبح أكثر رسوخًا في الوعي المجتمعي، وأكثر قدرة على دعم مسيرة التنمية على المدى الطويل.
وتؤكد التجارب التاريخية أن الحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها يمثل شرطًا مهمًا لتجنب مخاطر التفكك والصراعات الداخلية، خاصة في البيئات الإقليمية التي تتداخل فيها المصالح الدولية مع الأزمات المحلية. فالدولة التي تفقد استقرارها تواجه صعوبات كبيرة في حماية حدودها، وصون مقدراتها، واستمرار مؤسساتها، فضلًا عن تعثر خطط التنمية وإهدار فرص الأجيال القادمة. ومن ثم، فإن حماية الدولة المصرية والحفاظ على قدرتها على أداء وظائفها الأساسية يمثلان ركيزة ضرورية لأي مشروع وطني يستهدف المستقبل.
وفي المقابل، فإن استمرار الاستقرار يفرض مسؤولية متجددة تتمثل في تعظيم العائد من الجهود التي بذلتها الدولة، وتحقيق التكامل بين الأمن والتنمية، وبين المشروعات القومية واحتياجات المواطنين. فالمشروعات الكبرى في البنية التحتية والنقل والطاقة والموانئ والمناطق الصناعية تمثل أدوات مهمة لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية، لكن نجاحها يرتبط بقدرتها على جذب استثمارات منتجة، وخلق فرص عمل مستدامة، وزيادة الصادرات، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وتحسين كفاءة الخدمات.
ويبرز في هذا السياق الدور الاستراتيجي لقناة السويس والمناطق الاقتصادية المرتبطة بها، باعتبارها ذات أهمية كبرى في تعزيز موقع مصر داخل سلاسل الإمداد والتجارة العالمية. فالموقع الجغرافي وحده لا يصنع ميزة تنافسية مستدامة، وإنما تتعزز هذه الميزة من خلال تطوير الخدمات اللوجستية، وتوطين الصناعة، وتسهيل حركة التجارة، وجذب الشركات ذات القيمة المضافة، وربط الموانئ بالمناطق الصناعية ومراكز الإنتاج. وهنا تصبح الأولوية هي تحويل الإمكانات الجغرافية والبنية التحتية إلى نتائج اقتصادية قابلة للقياس.
ومن هذا المنطلق، فإن تقييم مسيرة التنمية يحتاج إلى مؤشرات واضحة تتجاوز حجم الإنفاق أو عدد المشروعات المنفذة، لتشمل معدلات نمو الصادرات، وحجم الاستثمارات الفعلية، ونسبة المكون المحلي في الصناعة، وعدد فرص العمل المستدامة، ومستوى تحسن الخدمات العامة، ومدى استفادة المواطنين من ثمار النمو. كما يتطلب الأمر متابعة دورية للنتائج، وتحديد المسؤوليات، وتطوير آليات التقييم والمساءلة، بما يضمن توجيه الموارد إلى الأولويات الأكثر تأثيرًا في حياة الناس وفي قدرة الاقتصاد على المنافسة.
ولا يمكن بناء المستقبل دون الاستثمار في الإنسان المصري، باعتباره العنصر الأساسي في نجاح أي استراتيجية وطنية. فالتعليم الجيد، والتدريب المستمر، والبحث العلمي، والابتكار، والتحول الرقمي، كلها أدوات ضرورية لإعداد أجيال قادرة على التعامل مع التغيرات المتسارعة في الاقتصاد والتكنولوجيا وسوق العمل. كما أن تمكين الشباب من المشاركة في الحوار وصناعة الأفكار وتحويل المبادرات إلى مشروعات عملية يمثل استثمارًا في رأس المال البشري، ويعزز الشعور بالمسؤولية والانتماء والمشاركة في بناء الدولة.
وتزداد أهمية هذه الأولويات في ظل التحولات الدولية الراهنة، حيث أصبحت المنافسة بين الدول مرتبطة بقدرتها على امتلاك المعرفة والتكنولوجيا، وتأمين سلاسل الإمداد، وتنويع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز مرونة مؤسساتها في مواجهة الأزمات. وتمتلك مصر فرصًا لتعزيز دورها الإقليمي والدولي بفضل موقعها الجغرافي، وشبكة علاقاتها الخارجية، ومكانتها في ملفات الأمن الإقليمي والتجارة والطاقة. غير أن تعظيم هذه الفرص يتطلب ربط التحركات الدبلوماسية بنتائج اقتصادية وتنموية واضحة، وتوسيع الشراكات القائمة على المصالح المتبادلة، وتحويل الاتفاقيات إلى برامج تنفيذية محددة الأهداف والجداول الزمنية.
وفي هذا الإطار، يمثل منتدى مصر 2026 فرصة لربط قراءة الواقع برؤية المستقبل، وتوسيع مساحة الحوار حول أولويات التنمية، وتعزيز الشراكة بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع، والاستفادة من الخبرات والأفكار التي يمكن أن تسهم في صياغة حلول عملية وتوصيات قابلة للتنفيذ، ومؤشرات واضحة لقياس التقدم، وآليات لمتابعة النتائج وتقييم أثرها على المجتمع. وحافز كبير لحماية مقدرات الوطن، وتسريع التنمية، وتوسيع فرص العمل، وتحسين جودة الحياة، وإتاحة المجال أمام الكفاءات والأفكار الجديدة للمشاركة في صناعة المستقبل.
إذا الرهان الحقيقي لمنتدى مصر 2026 يتمثل في الانتقال من الحوار إلى العمل، ومن الرؤية إلى التنفيذ، ومن الإمكانات إلى النتائج. مع التخطيط الواقعي، والعمل المؤسسي، والتقييم المستمر، والشراكة الفاعلة بين الدولة والمجتمع.
