لطالما شكّلت المرأة ركيزة أساسية في بناء المجتمعات وصناعة مسارات الحضارة، فلم يقتصر دورها على المجال الاجتماعي فحسب، بل امتد ليشمل ميادين الفكر والإدارة والقضاء وصنع القرار، وعلى امتداد التاريخ الإنساني، أثبتت المرأة قدرتها على تحمل المسؤولية والقيام بأدوار قيادية مؤثرة، ما جعل حضورها في مؤسسات الدولة أحد المؤشرات المهمة على تقدم المجتمعات وترسيخ مبادئ العدالة والمساواة.

جذور تاريخية لدور المرأة في القضاء

لم يكن حضور المرأة في مواقع العدالة أمرًا مستحدثًا في التاريخ الإسلامي، فقد شهدت فترات مبكرة من التاريخ نماذج نسائية لعبت أدوارًا مهمة في مجالات القضاء والحسبة وإدارة شؤون المجتمع.

وفي عهد الخليفة سيدنا عمر بن الخطاب، عُرفت الشفاء بنت عبد الله العدوية كواحدة من أبرز النساء اللاتي أسندت إليهن مهام رقابية وإدارية، حيث تولت الإشراف على شؤون السوق في المدينة المنورة، في تجربة عكست ثقة الدولة آنذاك في كفاءة المرأة وقدرتها على تحمل المسؤولية في إدارة الشأن العام.

كما تشير كتب السيرة والتاريخ إلى أن بعض الصحابيات شاركن في أعمال الحسبة وإبداء الرأي والمشورة في القضايا العامة، ما يعكس أن معيار الكفاءة كان حاضرًا منذ البدايات، بعيدًا عن التمييز القائم على النوع.

المرأة المصرية ومسيرة طويلة نحو منصة القضاء

وعلى امتداد التاريخ المصري الحديث، خاضت المرأة مسيرة طويلة من النضال من أجل الحصول على حقوقها القانونية والسياسية، حتى أصبحت اليوم شريكًا فاعلًا في مختلف مؤسسات الدولة.
وفي السنوات الأخيرة، شهدت مصر طفرة غير مسبوقة في ملف تمكين المرأة، خاصة في المجال القضائي، وذلك في ظل رؤية الدولة المصرية بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي وضعت قضية تمكين المرأة في صدارة أولوياتها.

استراتيجية وطنية لتمكين المرأة

جاءت هذه الجهود مدعومة بإطلاق استراتيجية تمكين المرأة المصرية 2030، التي اعتمدتها الأمم المتحدة كأول استراتيجية وطنية لتمكين المرأة تنبثق من أهداف التنمية المستدامة.

وقد أسهمت هذه الاستراتيجية في تعزيز حضور المرأة في مختلف مواقع صنع القرار، وترسيخ مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، بما يعكس رؤية الدولة لبناء مجتمع أكثر عدالة وتوازنًا.

القاضيات المصريات.. حضور متصاعد في المنظومة القضائية

وفي إطار هذا التوجه، فتحت الجهات والهيئات القضائية أبوابها أمام خريجات كليات الحقوق والشريعة والقانون، حيث التحقت دفعات من القاضيات بالعمل القضائي منذ بداية السلم القضائي في عدد من الجهات، من بينها مجلس الدولة المصري والنيابة العامة المصرية.

ومع مرور الوقت، أثبتت القاضيات المصريات كفاءة عالية في أداء مهامهن القضائية، وتقلدن مواقع مهمة داخل المنظومة القضائية، سواء في المحاكم المختلفة أو في الهيئات القضائية، مثل المحكمة الدستورية العليا المصرية وهيئة النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة المصرية.
وقد ارتفع عدد القاضيات في مصر ليصل إلى ما يقرب من أربعة آلاف قاضية يعملن في مختلف درجات القضاء، في مشهد يعكس حجم التطور الذي شهدته المنظومة القضائية خلال السنوات الأخيرة.

دعم مؤسسي لتطوير قدرات القاضيات

وفي هذا السياق، حرصت وزارة العدل المصرية على دعم القاضيات من خلال برامج تدريبية متخصصة تهدف إلى تنمية مهاراتهن القانونية والقضائية، ومواكبة التطورات الحديثة في مجال العدالة، بما يسهم في تسريع وتيرة الفصل في القضايا وتحقيق العدالة الناجزة.

المرأة على منصة العدالة في الجمهورية الجديدة

اليوم، أصبحت المرأة المصرية حاضرة بقوة على منصة القضاء في مختلف الجهات والهيئات القضائية، حيث تشغل مواقع قضائية متعددة في المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف، إضافة إلى مواقعها في القضاء الإداري والنيابة العامة والنيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة.
ويمثل هذا الحضور تتويجًا لمسار طويل من الجهود الرامية إلى ترسيخ مبدأ المساواة وإتاحة الفرصة أمام الكفاءات النسائية للمشاركة في تحقيق العدالة.

إنجاز يتجاوز حدود الوظيفة


إن ما تحقق للمرأة المصرية في المجال القضائي لا يمثل مجرد إنجاز وظيفي، بل يعد انعكاسًا لرؤية وطنية تسعى إلى بناء مجتمع قائم على العدالة وتكافؤ الفرص.

فالقاضية المصرية اليوم لا تمثل نفسها فقط، بل تعكس إرادة مجتمع يؤمن بدور المرأة وقدرتها على الإسهام في بناء الدولة وترسيخ سيادة القانون.

وفي ظل هذا الواقع، تواصل المرأة المصرية كتابة فصل جديد في تاريخ العدالة، لتؤكد أن تمكينها ليس هدفًا بحد ذاته، بل خطوة أساسية نحو بناء مستقبل أكثر توازنًا وإنصافًا للأجيال القادمة.