في مثل هذا اليوم، لم يكن الألم مجرد حدث عابر، بل لحظة غدت محفورة في الذاكرة الوطنية، أمهات خرجن صباحًا مطمئنات لعودة أبنائهن من المدرسة، لكن المفاجأة كانت مأساوية، إذ تحوّل يوم عادي إلى مأساة دفعت قلوبهن إلى اعتصار الفقد والألم.

وقعت مجزرة بحر البقر صباح الأربعاء 8 أبريل 1970، في الساعة التاسعة والثلث، عندما استهدفت الطائرات الإسرائيلية مدرسة بحر البقر الابتدائية المشتركة.

 الواقعة كانت بمركز الحسينية بمحافظة الشرقية (شمال شرق القاهرة، جنوب بورسعيد).

كانت المدرسة طابقًا واحدًا يضم ثلاثة فصول، ويبلغ عدد التلاميذ حوالي 150 طفلًا. وفي هذا اليوم المأساوي، قامت طائرات الفانتوم الإسرائيلية بقصف المدرسة بخمس قنابل وصاروخين، مما أدى إلى استشهاد 30 طفلًا وإصابة أكثر من 50 آخرين بجروح وإصابات بالغة.

التقارير الدولية والمحلية حول مجزرة بحر البقر :

ذكرت تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية في التاسع من أبريل 1970، أن طائرات تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي من طراز (F-4 Phantom) نفذت الغارة.
​ووفقاً لهذه التقارير، ألقت الطائرات قنابل متعددة شديدة الانفجار على مبنى المدرسة المكون من طابق واحد، مما أدى إلى تدمير شبه كلي في غضون ثوانٍ.

وأشارت التقارير الطبية الصادرة عن السلطات المحلية آنذاك إلى أن الضحايا عانوا من إصابات انفجارية حادة، ونُقل الناجون إلى مستشفى الحسينية المركزي، حيث خضع الكثيرون للعلاج من إصابات خلفت عجزاً طويل الأمد، بما في ذلك بتر الأطراف.

شهدت ايضا ​التصريحات الرسمية ​تضارب في ذلك الوقت، حيث صرح مسؤولون عسكريون إسرائيليون بأن الهدف كان يُعتقد أنه منشأة عسكرية. ومع ذلك، أفاد صحفيون أجانب زاروا الموقع في اليوم التالي بعدم وجود أدلة مرئية على وجود عسكري.

وأظهرت الصور الفوتوغرافية والملاحظات الميدانية التي نُشرت في الصحافة الدولية أدوات مدرسية مبعثرة تحت الأنقاض، شملت دفاتر ومقتنيات شخصية تخص الطلاب.

اما المؤرخون فوصفوا عدة تطورات رئيسية خلال هذه المرحلة منها : 
استراتيجية ضرب العمق:

حيث وسعت القوات الإسرائيلية عملياتها إلى ما وراء منطقة قناة السويس، مستهدفة البنية التحتية داخل الأراضي المصرية.

تعزيز الدفاع الجوي: حيث سرعت مصر من عملية نشر منظومات صواريخ "أرض-جو" بدعم سوفيتي، وهي الخطوة التي قلصت لاحقاً من التوغل الجوي.

انخراط الحرب الباردة: فقد عكس الصراع توترات جيوسياسية أوسع، حيث قدمت الولايات المتحدة دعماً عسكرياً لإسرائيل، بينما زود الاتحاد السوفيتي مصر بأنظمة دفاعية.

بحر البقر في الذاكرة والقلب 

​لا يزال سكان القرية ممن عاصروا الهجوم يستحضرون تفاصيل ذلك الصباح. وتصف إحدى الأمهات حالة أحد أطفالها "وضعت جثته الممزقة في (حجر جلابيتي)، ثم أعطيتها لأبيه كي يدفنها".
​وبحسب الشهادات الموثقة في الأرشيف المحلي، احتفظت عائلات كثيرة بمقتنيات أطفالها لعقود، مما يعكس الأثر النفسي العميق والمستمر للواقعة.

مبادرة روجرز : 

والجدير بالذكر ان هذا الهجوم جاء ضمن مسلسل من المجازر الإجرامية التي استهدفت العزل والأبرياء، وكان جزءًا من تصعيد الغارات الإسرائيلية على مصر بهدف الضغط لقبول إنهاء حرب الاستنزاف وقبول مبادرة روجرز.

ومع تصاعد الأعمال العدائية من الاحتلال الصهيوني علي المدنيين أدي ذلك في نهاية المطاف إلى قبول المبادرة في أغسطس 1970، والتي أرست وقفاً لإطلاق النار بين الجانبين.

واليوم، تُحفظ مقتنيات مدرسة بحر البقر في متحف محلي، لتكون بمثابة دليل موثق على عدوان الإحتلال الإسرائيلي الغاشم.