كشفت وكالة إرنا أن إيران أرسلت رسميًا ردها على المقترح الأمريكي المطروح لإنهاء الحرب واحتواء التصعيد العسكري في منطقة الخليج، وذلك عبر وساطة تقودها باكستان، في خطوة تعكس استمرار المساعي السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع قد تهدد استقرار الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.
وبحسب ما نقلته الوكالة الإيرانية، فإن المرحلة الأولى من الخطة المطروحة تركز على وقف الأعمال العدائية بين الأطراف المختلفة، إلى جانب ضمان “الأمن البحري” في الخليج العربي ومضيق هرمز، الذي يُعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتجارة النفط والطاقة في العالم.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه المخاوف الدولية من اتساع رقعة المواجهات العسكرية بين إيران والولايات المتحدة، خاصة بعد سلسلة الاشتباكات البحرية والتوترات العسكرية التي شهدها مضيق هرمز خلال الأيام الماضية، وما ترتب عليها من اضطرابات في حركة الملاحة العالمية وارتفاع أسعار النفط والطاقة.
باكستان تنقل الرد الإيراني إلى واشنطن
وأكد مصدر دبلوماسي باكستاني لقناة الجزيرة العربية أن الرد الإيراني تم نقله بالفعل إلى الجانب الأمريكي عبر الحكومة الباكستانية، في إطار وساطة حساسة تشارك فيها أطراف إقليمية ودولية متعددة.
وأشار المصدر إلى أن إسلام آباد تحاول تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، والدفع نحو صيغة تفاهم تسمح بخفض التصعيد العسكري وتجنب انهيار اتفاق وقف إطلاق النار القائم حاليًا.
وتحظى باكستان بعلاقات جيدة مع إيران من جهة، كما تحتفظ بقنوات تواصل قوية مع الإدارة الأمريكية من جهة أخرى، وهو ما يمنحها دورًا محوريًا في جهود الوساطة الحالية.
تفاصيل المقترح الأمريكي المكون من 14 بندًا
وكانت الولايات المتحدة قد قدمت إلى إيران خلال الأيام الماضية مقترحًا يتضمن 14 بندًا، يهدف إلى إنهاء الحرب الحالية وإعادة إطلاق المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني وأمن الملاحة في الخليج.
ووفقًا للتقارير المتداولة، فإن أبرز بنود المقترح الأمريكي تشمل:
- وقف فوري لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
- إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية.
- وقف تخصيب اليورانيوم الإيراني لفترة طويلة قد تصل إلى 12 أو 15 عامًا.
- تسليم مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يُقدر بنحو 440 كيلوجرامًا مخصبًا بنسبة 60%.
- التزام إيراني بعدم تطوير سلاح نووي.
- بدء مفاوضات موسعة للوصول إلى اتفاق دائم بشأن الملف النووي والأمن الإقليمي.
وفي المقابل، تتعهد واشنطن برفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران، والإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة، إضافة إلى إنهاء الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية.
تصعيد عسكري رغم استمرار وقف إطلاق النار
ورغم إعلان وقف إطلاق النار منذ الثامن من أبريل، شهدت منطقة الخليج ومضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة مواجهات عسكرية متقطعة بين القوات الإيرانية والبحرية الأمريكية، شملت تبادل إطلاق النار وعمليات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة.
وكانت طهران قد أعلنت أن القوات الأمريكية استهدفت ناقلة نفط إيرانية، فيما ردت البحرية الإيرانية بهجمات على سفن حربية أمريكية في المنطقة. وفي المقابل، أكدت واشنطن أنها نفذت ضربات على مواقع إيرانية على الساحل الجنوبي لإيران ردًا على ما وصفته بـ”الهجمات غير المبررة” ضد القوات الأمريكية.
كما تبادلت واشنطن وطهران الاتهامات بشأن استهداف مواقع مدنية وتهديد الملاحة الدولية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من خروج الوضع عن السيطرة.
ترامب: إيران تنهار ماليًا بسبب الحصار
ويرى دونالد ترامب أن الضغوط الاقتصادية والحصار البحري الأمريكي المفروض منذ 13 أبريل تسبب في خسائر مالية ضخمة لإيران، مؤكدًا أن طهران “تنهار اقتصاديًا” نتيجة القيود المفروضة على صادرات النفط الإيرانية.
لكن محللين وخبراء في الشؤون الإيرانية أكدوا أن إيران ما زالت تمتلك القدرة السياسية والاقتصادية على الصمود، خاصة في ظل استمرار بعض قنوات التبادل التجاري مع دول حليفة وشركاء استراتيجيين.
إيران تربط أي هدنة برفع الحصار البحري
من جانبه، أكد محمد باقر قاليباف، والذي يقود فريق التفاوض الإيراني في محادثات وقف إطلاق النار، أن أي اتفاق دائم أو هدنة شاملة لن يكون ممكنًا ما لم يتم رفع الحصار البحري الأمريكي بشكل كامل.
وأشار إلى أن استمرار القيود الأمريكية على الموانئ الإيرانية وحرية الملاحة يمثل تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الإيراني، مؤكدًا أن بلاده لن تقدم تنازلات استراتيجية دون الحصول على ضمانات حقيقية.
وردًا على الإجراءات الأمريكية، قامت إيران بإغلاق مضيق هرمز أمام السفن الأجنبية، واحتجزت عددًا من السفن التجارية التي ترفع أعلامًا أجنبية، بعدما كانت تسمح سابقًا بمرور بعض السفن التابعة لدول تعتبرها “صديقة”.
مخاوف عالمية من تداعيات أزمة مضيق هرمز
وتثير الأزمة الحالية مخاوف اقتصادية واسعة، خاصة أن مضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط العالمية.
وأكد مراسل الجزيرة في إسلام آباد، كمال حيدر، أن هناك شعورًا متزايدًا بالإلحاح للتوصل إلى اتفاق سريع، بسبب التأثيرات المباشرة للأزمة على الاقتصاد العالمي، وارتفاع أسعار الوقود والطاقة في العديد من الدول، من بينها باكستان.
وأضاف أن دولًا مثل قطر والسعودية وتركيا والصين تشارك أيضًا في جهود الوساطة، وسط محاولات لتفادي اندلاع مواجهة إقليمية شاملة.
خبراء: الرد الإيراني يحمل ملاحظات وليس رفضًا
بدوره، أوضح الباحث الإيراني عباس أصلاني، الزميل في مركز دراسات الشرق الأوسط الاستراتيجية، أن الرد الإيراني لا يمثل رفضًا مباشرًا للمقترح الأمريكي، بل يتضمن ملاحظات وتوضيحات بشأن بعض البنود المطروحة.
وأشار إلى أن التوصل إلى اتفاق أولي قد يسهم في بناء الثقة وخلق أجواء إيجابية بين الجانبين، لكنه حذر من أن إصرار الولايات المتحدة على شروط مثل تصدير اليورانيوم عالي التخصيب أو وقف التخصيب لفترات طويلة قد يؤدي إلى إفشال أي اتفاق محتمل.
وأكد أن نجاح المفاوضات سيتوقف على مدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة، خاصة في ظل التعقيدات السياسية والعسكرية الحالية في المنطقة.
