شهدت العلاقات بين رومانيا وروسيا تصعيدًا جديدًا بعد إعلان السلطات الرومانية، الجمعة، طرد القنصل العام الروسي واعتباره شخصًا غير مرغوب فيه، مع اتخاذ قرار بإغلاق القنصلية الروسية في مدينة كونستانتا، وذلك على خلفية سقوط طائرة مسيّرة على الأراضي الرومانية بالقرب من الحدود مع أوكرانيا، في حادث أثار حالة واسعة من القلق داخل أوروبا وحلف شمال الأطلسي “الناتو”.

ويأتي هذا التطور في ظل التوترات المستمرة الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، والتي ألقت بظلالها على العديد من دول شرق أوروبا، خاصة الدول القريبة من الحدود الأوكرانية، وسط مخاوف متزايدة من توسع نطاق الحرب أو امتداد آثارها العسكرية إلى دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.

حادث المسيّرة يشعل التوتر بين موسكو وبوخارست

وبدأت الأزمة بعدما أعلنت السلطات الرومانية سقوط طائرة مسيّرة على مبنى سكني بمدينة غالاتي شرقي البلاد، ما تسبب في اندلاع حريق وإصابة شخصين بجروح طفيفة، في واقعة وصفتها وزارة الخارجية الرومانية بأنها “تصعيد خطير وغير مسؤول” من جانب روسيا.

وأكد مسؤولون رومانيون أن الحادث تسبب في حالة من الذعر بين السكان، خاصة أن المسيّرة سقطت داخل منطقة مأهولة بالسكان، وهو ما اعتبرته بوخارست تهديدًا مباشرًا لأمن المواطنين وسلامة الأراضي الرومانية.

وقال الرئيس الروماني نيكوسور دان، في كلمة مصورة، إن روسيا تتحمل المسؤولية الكاملة عن الحادث، مؤكدًا أن بلاده لن تتهاون مع أي تهديد يمس أمنها القومي أو سلامة مواطنيها.

وأضاف الرئيس الروماني أن الحكومة قررت اعتبار القنصل العام الروسي في كونستانتا شخصًا غير مرغوب فيه، مع إغلاق القنصلية الروسية، في خطوة تعكس حجم التوتر المتصاعد بين البلدين.

رومانيا تستدعي السفير الروسي وتلوّح بخطوات أوروبية

وفي إطار التصعيد الدبلوماسي، استدعت وزارة الخارجية الرومانية السفير الروسي في بوخارست لإبلاغه رسميًا باحتجاج الحكومة الرومانية على الحادث، إضافة إلى إخطاره بالإجراءات الدبلوماسية التي تم اتخاذها ضد القنصلية الروسية.

وقالت وزيرة الخارجية الرومانية أوانا تويو إن بلادها ستعمل بالتنسيق مع شركائها الأوروبيين على دراسة خطوات إضافية تتعلق بالعقوبات ضد موسكو، معتبرة أن ما حدث يمثل تجاوزًا خطيرًا يستوجب ردًا واضحًا من المجتمع الدولي.

وأكدت الوزارة أن رومانيا أبلغت حلف شمال الأطلسي “الناتو” وكبار المسؤولين الأوروبيين بتفاصيل الواقعة، مطالبة بتعزيز قدرات الدفاع الجوي ومكافحة الطائرات المسيّرة داخل الأراضي الرومانية، خاصة في المناطق القريبة من الحدود الأوكرانية.

روسيا تتوعد برد سريع على قرار الطرد

وعلى الجانب الآخر، سارعت موسكو إلى التنديد بالإجراءات الرومانية، مؤكدة أنها تستعد لاتخاذ خطوات رد مماثلة خلال الفترة المقبلة.

وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا إن موسكو “لن تتأخر” في الرد على قرار رومانيا طرد القنصل الروسي وإغلاق القنصلية العامة في كونستانتا، معتبرة أن ردود الفعل الغربية تجاه حادث المسيّرة تمثل “ضجيجًا سياسيًا” ومحاولة لتصعيد الأزمة.

وأضافت زاخاروفا أن روسيا تتابع الموقف عن كثب، مشيرة إلى أن موسكو ستعلن قريبًا عن إجراءاتها الدبلوماسية المضادة، في وقت تتزايد فيه حدة التوتر بين روسيا وعدد من الدول الأوروبية بسبب الحرب في أوكرانيا.

قلق داخل الناتو من اتساع دائرة الحرب

وأثار الحادث حالة من القلق داخل حلف شمال الأطلسي، خاصة أنه يُعد المرة الأولى التي تسقط فيها طائرة مسيّرة داخل منطقة سكنية في رومانيا وتتسبب في إصابات بشرية، وهو ما دفع العديد من المسؤولين الأوروبيين إلى التحذير من خطورة تطور الأوضاع الأمنية شرق أوروبا.

وترى دوائر غربية أن تكرار حوادث اختراق المسيّرات الروسية لأجواء دول مجاورة لأوكرانيا قد يؤدي إلى تصعيد غير محسوب، خاصة إذا تسبب مستقبلًا في خسائر بشرية أكبر أو أضرار واسعة داخل أراضي دول أعضاء في حلف الناتو.

كما حذر مسؤولون داخل الحلف من أن استمرار الحرب الروسية الأوكرانية بهذا الشكل قد يفتح الباب أمام مواجهات أوسع في المنطقة، في ظل حالة الاستنفار العسكري المتزايدة على الحدود الشرقية لأوروبا.

رومانيا في قلب التوترات الإقليمية

وتحظى رومانيا بأهمية استراتيجية كبيرة داخل حلف الناتو، نظرًا لموقعها الجغرافي القريب من أوكرانيا، حيث تمتلك حدودًا برية طويلة مع كييف تصل إلى نحو 650 كيلومترًا، ما يجعلها من أكثر الدول الأوروبية تأثرًا بالتطورات العسكرية المرتبطة بالحرب.

وخلال الفترة الماضية، شهدت رومانيا عدة حوادث مرتبطة بالحرب الأوكرانية، من بينها سقوط شظايا ومسيّرات قرب حدودها، الأمر الذي دفع الحكومة إلى تعزيز إجراءات الأمن والدفاع الجوي بالتعاون مع حلفائها الغربيين.

ويرى مراقبون أن الأزمة الأخيرة قد تؤدي إلى مزيد من التوتر في العلاقات الروسية الأوروبية، خاصة مع تزايد الدعوات داخل أوروبا لتشديد العقوبات على موسكو وتعزيز الوجود العسكري لحلف الناتو في شرق القارة الأوروبية.