منذ تعثر إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كانت مقررة في 24 ديسمبر 2021، لا تزال ليبيا تدور في حلقة مفرغة من الانقسام السياسي والمؤسسي، وسط إخفاق متكرر في التوصل إلى تسوية تنهي المرحلة الانتقالية الممتدة منذ أكثر من عقد. وبينما تتوالى المبادرات المحلية والدولية لإعادة توحيد مؤسسات الدولة وتهيئة الطريق نحو الانتخابات، تظل الخلافات بين القوى السياسية، إلى جانب التحديات الأمنية، عقبة رئيسية أمام أي اختراق حقيقي.

وفي الأسابيع الأخيرة، برزت ثلاثة مسارات متوازية؛ أمريكي، وليبي، وأممي، تحمل جميعها هدفًا واحدًا يتمثل في إنهاء الانقسام وفتح الطريق أمام الاستحقاق الانتخابي، لكنها تختلف في آليات التنفيذ وأولويات المرحلة المقبلة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول فرص نجاح أي منها في ظل المشهد الليبي المعقد.

أزمة ممتدة منذ تعثر انتخابات 2021

دخلت ليبيا مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي عقب إعلان المفوضية الوطنية العليا للانتخابات تعذر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية نهاية عام 2021 بسبب ما وصفته بـ"القوة القاهرة"، ليتجدد الخلاف حول القاعدة الدستورية والقوانين المنظمة للعملية الانتخابية.

واستمرت حكومة الوحدة الوطنية، المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف، في ممارسة مهامها برئاسة عبد الحميد الدبيبة، فيما واصل المجلس الرئاسي، برئاسة محمد المنفي وعضوية موسى الكوني وعبد الله اللافي، أداء مهامه.

وفي المقابل، سحب مجلس النواب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية، وكلف حكومة جديدة برئاسة أسامة حماد تتخذ من بنغازي مقرًا لها، ما أدى إلى تكريس الانقسام بين شرق البلاد وغربها، ووجود سلطتين تنفيذيتين تتنازعان الشرعية.

وخلال السنوات الماضية، فشلت مختلف المبادرات السياسية في ردم الهوة بين الأطراف المتنافسة، في ظل استمرار الخلاف بشأن ترتيب الاستحقاقات الانتخابية؛ إذ تتمسك قوى سياسية في غرب ليبيا بإجراء الانتخابات البرلمانية أولًا، بينما تصر قوى رئيسية في الشرق على إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن.

المبادرة الأمريكية.. إعادة هندسة السلطة التنفيذية

في أحدث التحركات الدولية، طرح كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، مبادرة تستهدف إعادة توحيد السلطة التنفيذية عبر تشكيل حكومة موحدة يقودها رئيس من غرب ليبيا، يقابلها مجلس رئاسي جديد برئاسة شخصية من شرق البلاد، في محاولة لتحقيق توازن سياسي بين المنطقتين وتهيئة المناخ لإجراء الانتخابات.

وتقوم المبادرة على إعادة هيكلة مؤسسات السلطة التنفيذية باعتبارها مدخلًا لإنهاء الانقسام، قبل الانتقال إلى المرحلة الانتخابية، وهو ما يمنحها طابعًا سياسيًا أكثر من كونها مجرد خارطة طريق انتخابية.

ولاقت المبادرة قبولًا واسعًا لدى عدد من القبائل والمكونات السياسية في شرق ليبيا، التي اعتبرت أن إعادة هيكلة السلطة التنفيذية تمثل خطوة ضرورية لتجاوز الانقسام الحالي والإسراع في تنظيم الانتخابات.

في المقابل، أبدت مكونات سياسية واجتماعية في غرب البلاد تحفظها على المقترح، مؤكدة أنها لا ترفض أي مبادرة تستهدف توحيد ليبيا، لكنها تشدد على ضرورة أن تقوم أي تسوية على مبدأ الشراكة الوطنية والتمثيل المتوازن لجميع القوى والمناطق، بعيدًا عن أي ترتيبات قد تكرس الإقصاء أو تخل بتوازن المشهد السياسي.

المبادرة الثلاثية.. توافق ليبي وخارطة زمنية

بالتوازي مع التحرك الأمريكي، أعلنت المجالس الليبية الثلاثة؛ مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، التوصل إلى تفاهمات مبدئية تقضي بإجراء الانتخابات البرلمانية في فبراير 2027، ضمن مسار ليبي ـ ليبي يهدف إلى تقليص مساحة التدخلات الخارجية.

ولا تقتصر هذه المبادرة على تحديد موعد انتخابي، بل تتضمن برنامجًا لإعادة توحيد المؤسسات السيادية والتنفيذية، ومعالجة ازدواجية الحكومات والمؤسسات المالية والأمنية، إضافة إلى الاتفاق على قاعدة دستورية وقوانين انتخابية تسمح بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.

كما تتضمن تشكيل حكومة موحدة أو إدارة تنفيذية انتقالية تتولى إدارة المرحلة المؤقتة، وتهيئة الظروف السياسية والأمنية، إلى جانب دعم جهود المصالحة الوطنية.

ورغم تقاطعها مع المبادرة الأمريكية في الهدف النهائي، فإن المبادرة الثلاثية تركز بصورة أكبر على وضع إطار زمني وخريطة طريق واضحة للمرحلة الانتقالية، بينما تمنح المبادرة الأمريكية الأولوية لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية باعتبارها مدخلًا للحل.

الأمم المتحدة.. البحث عن توافق شامل

وفي موازاة هذه التحركات، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها لدفع العملية السياسية عبر مسار تشاوري موسع، شاركت فيه 120 شخصية ليبية، إضافة إلى آلاف المواطنين الذين ساهموا في مشاورات امتدت ستة أشهر.

وتركز البعثة الأممية على الوصول إلى توافق بشأن القوانين الانتخابية وآليات تنفيذها، مع العمل على معالجة العقبات التي حالت دون إجراء الانتخابات خلال السنوات الماضية.

وتواصل اللجنة المشتركة "4+4" مناقشة آليات تنظيم الانتخابات استنادًا إلى قوانين توافقية، بالتوازي مع بحث إعادة هيكلة مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات واختيار رئيس جديد للمفوضية.

كما تلوح الأمم المتحدة بخيار تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة تتولى بحث هيكلة السلطة التنفيذية والتوافق على القوانين الانتخابية، إذا تعثرت أعمال اللجنة الحالية، في محاولة للحفاظ على زخم العملية السياسية ومنع دخولها مرحلة جديدة من الجمود.

الجنوب الليبي.. تحديات أمنية موازية

ولا تنفصل التحركات السياسية عن المشهد الأمني، إذ شهد الجنوب الغربي الليبي خلال الأيام الأخيرة تصاعدًا في العمليات العسكرية والتوترات الأمنية، في منطقة تعد من أكثر المناطق هشاشة بسبب امتدادها الحدودي مع تشاد والنيجر ومالي.

وتؤكد القيادة العامة للقوات المسلحة الليبية أنها تواصل، بالتعاون مع القبائل والمكونات الاجتماعية، تنفيذ عمليات لملاحقة الجماعات المسلحة وشبكات تهريب الوقود والاتجار بالبشر، في إطار مساعٍ لتعزيز الأمن وفرض السيطرة على المناطق الحدودية.

ويمثل استقرار الجنوب أحد الشروط الأساسية لإنجاح أي عملية سياسية، إذ إن استمرار نشاط الجماعات المسلحة والجريمة المنظمة يهدد بتقويض أي ترتيبات انتخابية مستقبلية ويؤثر في قدرة الدولة على فرض سلطتها على كامل الأراضي الليبية.

هل تنجح المبادرات في إنهاء الانقسام؟

ورغم تعدد المبادرات المطروحة، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في صياغة مبادرات جديدة، بل في قدرة الأطراف الليبية على الالتزام بتنفيذها وتقديم تنازلات متبادلة تضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات السياسية الضيقة.

كما يتطلب نجاح أي مسار توفير ضمانات محلية ودولية تضمن تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه، واستكمال توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والتنفيذية، بما يهيئ البيئة اللازمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة تحظى بقبول مختلف الأطراف.

وفي ظل استمرار الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، تبدو ليبيا أمام فرصة جديدة لاختبار قدرتها على الانتقال من مرحلة المبادرات إلى مرحلة التنفيذ، وهي الخطوة التي ستحدد ما إذا كانت البلاد تقترب بالفعل من إنهاء سنوات الانقسام، أم أنها ستظل أسيرة دورة جديدة من التوافقات المؤجلة.

الأردن يبحث مع البحرين والكويت تطورات التصعيد وضمان أمن هرمز

وزير خارجية إيران يكشف مؤشرات اختراق أمني قبل اندلاع الحرب