أعادت واقعة المحامية سالي الجباس، المتهمة بقتل والدتها وتقطيع جثمانها داخل شقتها بمنطقة سيدي بشر في الإسكندرية، فتح ملف شائك ظل لسنوات يُطرح ثم يُطوى سريعًا مع كل موجة تعاطف أو استنكار: جرائم القتل التي يرتكبها أفراد الأسرة بحق بعضهم البعض، سواء كان الجاني ابنًا يقتل أمه أو أباه، أو أبًا يتخلص من أبنائه، أو أمًا تُنهي حياة أطفالها. الواقعة، التي تفاصيلها لا تقل قسوة عن سابقاتها، ليست حادثًا استثنائيًا في المشهد المصري، بل حلقة جديدة في سلسلة ممتدة من الجرائم الأسرية التي تتكرر بوتيرة تثير قلق الباحثين في علم النفس والاجتماع على حد سواء، وتطرح سؤالًا أعمق من مجرد التوصيف الإجرامي: ما الذي يدفع إنسانًا إلى قتل أقرب الناس إليه؟

واقعة الإسكندرية.. تفاصيل جريمة هزت الرأي العام

بدأت القضية حين تلقت أجهزة الأمن بلاغًا من الجيران عن رائحة كريهة تنبعث من شقة سكنية في منطقة سيدي بشر شرق الإسكندرية، لتكشف التحريات عن جريمة قتل واختفاء قسري لسيدة في السبعينيات من عمرها. وبعد عمليات بحث استمرت أيامًا، تمكنت الأجهزة الأمنية من تحديد مكان اختباء المتهمة الرئيسية، وهي ابنة الضحية، واعتقالها في شقة بمنطقة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، قبل ترحيلها إلى الإسكندرية لعرضها على النيابة العامة.

وأقرت المتهمة خلال التحقيقات بأن الجريمة وقعت إثر مشادة كلامية حادة بينها وبين والدتها، تطورت إلى اعتداء بالضرب ثم خنق أودى بحياة الأم، تلتها عملية تقطيع للجثة استمرت على مدار يومين باستخدام سلاح أبيض، في محاولة لطمس معالم الواقعة قبل الفرار. وأشارت المتهمة إلى وجود خلافات أسرية متراكمة ناجمة، بحسب أقوالها، عن سوء معاملة الأم لها، فيما كشفت مصادر مقربة عن سياق أوسع للأزمة النفسية التي عاشتها المتهمة، بدءًا من وفاة والدها في سن مبكرة، مرورًا بفقدانها ابنتها في عام 2023، وصولًا إلى خلافات مالية حادة تفجرت بعد زواج والدتها في سن متأخرة من رجل اتُّهم بالاستحواذ على أموالها.

وأثار المقطع المصور القديم الذي كانت المتهمة قد تحدثت خلاله عن ضرورة بر الوالدين واحترام مكانة الأم، والذي عاد للتداول عقب اعترافها، موجة استغراب واسعة، إذ رأى كثيرون فيه تناقضًا صارخًا بين الخطاب والفعل، بينما حذّر متخصصون من قراءة هذا التناقض بسطحية، إذ إن الانهيار النفسي الحاد لا يُعبَّر عنه دائمًا بخطاب متسق، بل قد يتجاور مع قناعات معلنة تظل بلا أثر عملي حين تصطدم بأزمة داخلية غير محتواة.

ليست الأولى.. سلسلة من جرائم الأبناء ضد آبائهم

على عكس الانطباع الذي قد توحي به موجة التفاعل مع واقعة الإسكندرية، فإن قتل الأبناء لآبائهم أو أمهاتهم ليس حادثًا نادرًا في السجل الجنائي المصري خلال السنوات الأخيرة. فقبل أيام قليلة من واقعة سالي الجباس، شهدت إحدى القرى المصرية جريمة مشابهة حين أقدم شاب على قتل والدته المسنة شنقًا داخل منزل العائلة، قبل أن يتوجه بنفسه إلى قسم الشرطة ويسلّم نفسه للتحقيق.

وقبل ذلك بأسابيع، شهدت إحدى قرى محافظة المنيا جريمة وُصفت بالبشعة، حين طعن شاب والدته حتى الموت في الشارع العام أمام أعين الأهالي، إثر خلاف مالي وأسري تصاعد قبل الواقعة بيومين. وفي محافظة الجيزة، سبق أن ألقت الشرطة القبض على شاب عاطل عن العمل خنق والدته المسنة حتى فارقت الحياة، وسط إشارات إلى تعاطيه المخدرات كعامل مرجّح في ارتكاب الجريمة.

هذا التكرار دفع مختصين في الطب النفسي إلى التعليق على الظاهرة من زاوية أوسع من الحادث الفردي، إذ يرى أستاذ الطب النفسي بجامعة القاهرة الدكتور جمال فرويز أن جريمة قتل الابن لأبيه أو أمه تعكس ما وصفه بانهيار في منظومة القيم الأسرية والدينية والاجتماعية مجتمعة، مشيرًا إلى أن بعض الأبناء باتوا يتعاملون مع آبائهم وكأنهم أقران لهم، وهو ما يفتح الباب أمام إساءة المعاملة حين تغيب الحدود التقليدية للاحترام. ويضيف فرويز أن وراء هذا النوع من الجرائم أسبابًا نفسية بحتة في كثير من الأحيان، إذ إن المريض العقلي، سواء كان يعاني من الذهان أو الهوس أو الفصام أو حتى الاكتئاب الحاد، قد يرتكب فعل القتل في لحظة انفصال عن الواقع، على أن حالات الاكتئاب غالبًا ما تنتهي بمحاولة الجاني الانتحار عقب الجريمة، خلافًا لحالات الذهان التي قد لا يعقبها هذا الشعور بالذنب بالصورة نفسها.

حين يكون الأب أو الأم هما الجناة.. مذابح متكررة تهز المجتمع

في الاتجاه المعاكس، تحتل جرائم قتل الآباء والأمهات لأبنائهم مساحة أوسع في الذاكرة الجماعية للرأي العام المصري، بما تحمله من مفارقة صادمة: الشخص الذي يُفترض أن يكون الحامي الأول يتحول إلى الجاني المباشر. ومن أبرز هذه الوقائع مذبحة عائلية وقعت في قرية بمحافظة أسيوط، حين تخلص أب من ثلاثة من أبنائه وأصاب رابعًا باستخدام ساطور، في واقعة سبقتها بأشهر قليلة جريمة مشابهة راح ضحيتها أربعة أبناء لأب آخر في محافظة القليوبية.

كما شهدت محافظة الدقهلية جريمة مروعة أقدم خلالها أب على طعن أبنائه الثلاثة حتى الموت وإصابة زوجته بجروح بالغة، قبل أن ينعى أبناءه عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي ثم يلقي بنفسه أمام قطار منتحرًا. وفي واقعة أخرى بمحافظة القليوبية، أقدمت زوجة على وضع السم في طعام زوج والدها وأبنائه الأربعة، فيما شهدت منطقة فيصل بمحافظة الجيزة جريمة تجويع ممنهج لثلاثة أطفال على يد أمهم عقب خلافات زوجية، انتهت بوفاة أحدهم وانهيار الحالة الجسدية للآخرين.

هذه الوقائع، بحسب مختصين في علم الاجتماع، تعكس أبعادًا مركبة تتجاوز التفسير النفسي الفردي إلى سياق اجتماعي واقتصادي أوسع. إذ يشير أستاذ علم الاجتماع بمعهد البيئة في جامعة عين شمس الدكتور مصطفى عوض إلى أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع الأسعار تُعد من العوامل الرئيسية التي تدفع الأب إلى الانفجار الغاضب الذي قد يتصاعد إلى جريمة قتل، إلى جانب اليأس الشديد من العجز عن حل المشكلات المعيشية، وأنماط التنشئة الاجتماعية غير المتوازنة التي تجعل بعض الآباء يلجأون إلى العنف بوصفه أسلوبًا "طبيعيًا" للتربية أو العقاب.

من جانبها، تربط أستاذة علم النفس ورئيسة مؤسسة الإيمان للإرشاد النفسي إيمان عبدالله بين هذا النوع من الجرائم وما يُعرف بـ"القتل العائلي الانتحاري"، موضحة أن دوافعه المتعددة تتقاطع فيها الأمراض النفسية والعقلية مع تعاطي المخدرات، مؤكدة أن العنف سلوك متعلَّم ينتقل داخل الأسرة من جيل إلى جيل، وأن الأسر الأكثر فقرًا وحرمانًا تكون أكثر عرضة لتفريغ مشاعر القهر في صورة عنف موجّه ضد أضعف الحلقات الأسرية.

بين المرض العقلي والانهيار الاجتماعي.. قراءة في الأسباب

يتفق غالبية المتخصصين الذين تناولوا هذه الظاهرة على أن تفسيرها لا يمكن حصره في عامل واحد، بل هو نتاج تقاطع معقد بين عدة مستويات من الأسباب. فعلى المستوى النفسي البحت، تشير الأبحاث إلى أن نسبة معتبرة من مرتكبي جرائم القتل داخل الأسرة يعانون من اضطرابات عقلية حادة، تتراوح بين الذهان والفصام والاكتئاب الشديد، وهي حالات قد تُفقد الجاني القدرة على التمييز الكامل بين الفعل وعواقبه في لحظة ارتكاب الجريمة. كما يضاف إلى ذلك عامل الإدمان، الذي يظهر في عدد من الوقائع كمحفز مباشر يُضعف الكوابح السلوكية والأخلاقية لدى الجاني.

على المستوى الاجتماعي، يبرز غياب أنماط التربية السليمة وأساليب التواصل الأسري كعامل متكرر في تحليلات المختصين، إذ يرى بعضهم أن الآباء الذين يمارسون العنف ضد أبنائهم غالبًا ما يكونون قد تعرضوا هم أنفسهم لعنف أسري أو إهمال في مرحلة الطفولة والمراهقة، فيعيدون إنتاج النمط ذاته دون وعي كامل بأثره. وفي المقابل، يشير مختصون إلى أن غياب القدوة داخل الأسرة، وتراجع منظومة القيم الدينية والاجتماعية التي كانت تقوم تقليديًا بضبط العلاقة بين الأجيال، يسهم في تفكك الحدود التي كانت تحول دون وصول الخلافات الأسرية إلى حد العنف الجسدي القاتل.

أما على المستوى الاقتصادي، فتحتل الضغوط المعيشية، من غلاء الأسعار إلى تفاقم الديون والبطالة، مكانة بارزة في تفسير كثير من هذه الجرائم، بوصفها عاملًا يرفع منسوب التوتر داخل الأسرة إلى درجة الانفجار، خاصة في الحالات التي تتقاطع فيها الأزمة المادية مع خلافات الميراث أو المال، كما ظهر بوضوح في عدد من الوقائع الأخيرة التي كان الخلاف حول الأموال أحد محركاتها المباشرة.

وتلفت مصادر قضائية إلى ملاحظة لافتة مفادها أن الجرائم الأسرية في مصر شهدت خلال العقد الأخير "قفزة" ليست فقط في العدد، بل في مستوى التخطيط والتنكيل بالضحايا، وهو ما يطرح تساؤلات أعمق حول التحولات النفسية والاجتماعية التي يمر بها المجتمع، بعيدًا عن قراءة كل واقعة بمعزل عن سياقها الأوسع.

خلاف فقهي وقانوني حول عقوبة قتل الأصول والفروع

أثارت هذه النوعية من الجرائم أيضًا جدلًا فقهيًا وقانونيًا قديمًا متجددًا حول عقوبة القاتل حين تكون صلة الدم هي الرابط بين الجاني والضحية. ففي حالات قتل الآباء لأبنائهم، ذهب بعض الفقهاء إلى عدم وجوب القصاص من الأصل إذا قتل الفرع، استنادًا إلى اجتهادات فقهية تقليدية، بينما اعتبر فقهاء آخرون، من بينهم من استند إلى مذهب الإمام مالك، أن القصاص واجب من الأب أو الأم في حال ثبوت العمد، تأسيسًا على عمومية النص القرآني في مشروعية القصاص باعتباره حياة للمجتمع لا انتقامًا فرديًا.

أما في الاتجاه المعاكس، حين يكون الجاني هو الابن والضحية أحد الوالدين، فإن القانون المصري لا يفرّق من حيث المبدأ في العقوبة عن أي جريمة قتل عمد أخرى، إذ يخضع الفعل لذات النصوص العقابية التي قد تصل إلى الإعدام أو السجن المؤبد بحسب ظروف الواقعة وتوافر سبق الإصرار والترصد من عدمه، وإن كانت صلة القرابة قد تُؤخذ في الاعتبار كظرف مشدد لدى بعض القضاة نظرًا لخصوصية الجريمة وفداحة انتهاكها لأقدس الروابط الإنسانية.

جرح مجتمعي يتجاوز الحادثة الفردية

تبقى واقعة سالي الجباس، بكل تفاصيلها الصادمة، مرآة لظاهرة أوسع من حادثة عابرة، وتذكيرًا بأن جرائم الدم داخل الأسرة الواحدة لم تعد استثناءً نادرًا في المشهد المصري، بل خيطًا متكررًا يستدعي مقاربة تتجاوز الاستنكار الآني إلى فهم أعمق للعوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية المتشابكة التي تنتج مثل هذه الجرائم. وبين من يرى في هذه الوقائع دليلًا على أزمة صحة نفسية تحتاج إلى منظومة رعاية ووقاية أوسع، ومن يربطها بانهيار قيمي واجتماعي أشمل، ومن يشدد على البعد الاقتصادي كمحرك أساسي للتوتر الأسري، يظل الثابت الوحيد أن كل جريمة من هذا النوع تحمل في طياتها فشلًا جماعيًا في احتواء أزمة كان يمكن رصدها والتدخل فيها قبل أن تتحول إلى مأساة لا رجعة فيها.