تقف منظومة الدعم التمويني في مصر على أعتاب أكبر تحول تشهده منذ عقود، مع اتجاه الحكومة إلى استبدال نظام الدعم العيني القائم منذ أربعينيات القرن الماضي بمنظومة دعم نقدي مشروط، في خطوة تصفها الحكومة بأنها ضرورة اقتصادية لترشيد الإنفاق ووقف الهدر، بينما يحذر خبراء واقتصاديون من أن التوقيت والظروف الاقتصادية الراهنة قد يحولان الإصلاح المنشود إلى عبء إضافي على كاهل الفئات الأكثر احتياجًا. وبين وعود حكومية بالحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين، ومخاوف من تآكل قيمة الدعم أمام موجات التضخم المتلاحقة، يبقى السؤال الأهم معلقًا: هل تملك الدولة الأدوات الكافية لإدارة هذا التحول دون المساس بشبكة الأمان الاجتماعي التي تحمي عشرات الملايين من المصريين؟

من الخبز إلى المحفظة الإلكترونية: ملامح المنظومة الجديدة

تعمل وزارة التموين والتجارة الداخلية على وضع اللمسات الأخيرة على منظومة دعم نقدي مشروط، تمهيدًا لتطبيقها تدريجيًا اعتبارًا من العام المالي 2026 - 2027. ووفق ما أوضحه المسؤولون، فإن التحول المرتقب لا يعني صرف مبالغ نقدية مباشرة للمواطنين بالمعنى التقليدي، وإنما إنشاء محفظة دعم إلكترونية مرتبطة ببطاقة التموين ذاتها، تحتوي على قيمة الدعم المستحقة لكل فرد أو أسرة وفق شرائح احتياج اقتصادي واجتماعي محددة، على أن يحصل المستفيد من خلالها على السلع الأساسية بحرية اختيار أكبر، بدلًا من الإلزام بأصناف بعينها كما هو الحال في النظام الحالي.

وتقوم فلسفة النظام الجديد على تصنيف المستحقين إلى شرائح متفاوتة بحسب مستوى الدخل والحالة الاجتماعية، بحيث توجَّه القيمة الأكبر من الدعم إلى الأسر الأشد فقرًا، في مقابل تقليص أو استبعاد الشرائح الأعلى دخلًا التي كانت تحصل على الدعم بالتساوي مع غيرها في ظل النظام العيني القديم.

لماذا تتجه الحكومة إلى الدعم النقدي؟

يرى المسؤولون أن الانتقال إلى الدعم النقدي يستهدف في المقام الأول تحقيق مصلحة المواطن عبر منحه حرية اختيار السلع التي تلبي احتياجاته الفعلية بما يتناسب مع قيمة الدعم المخصصة له، دون إلزامه بصرف أصناف بعينها قد لا تناسب احتياجات أسرته، وهو ما تعتبره الحكومة تحسينًا في كفاءة الإنفاق الاجتماعي مقارنة بمنظومة السلع المدعمة التي تحمّل الموازنة العامة أعباء تخزين ونقل وتوزيع مرتفعة.

كما تندرج الخطوة ضمن مسار أوسع لإعادة هيكلة منظومة الدعم بالكامل، بما يشمل تحديث قواعد بيانات المستفيدين وربط الدعم بمعدلات الاحتياج الفعلي بدلًا من الشمول التلقائي، في محاولة لوقف تسرب الدعم إلى غير مستحقيه وتوجيهه إلى من هم في أمسّ الحاجة إليه.

التنقية القسرية: من خرج من دائرة الدعم؟

توازيًا مع الإعداد للتحول النقدي، واصلت وزارة التموين مراجعة وتنقية قواعد بيانات المستفيدين من بطاقات التموين والخبز المدعم، وفق معايير عدة تشمل: أصحاب الأجور والمعاشات المرتفعة، ومالكي السيارات الحديثة أو مرتفعة القيمة، وأصحاب الشركات التي تتجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه، وملاك الحيازات الزراعية التي تزيد مساحتها على عشرة أفدنة، إضافة إلى أولياء أمور الطلاب الملتحقين بمدارس تتجاوز مصروفاتها السنوية عشرين ألف جنيه، ومن صدرت بحقهم أحكام نهائية في مخالفات بناء أو تعدٍّ على أراضٍ زراعية.

وبحسب تقديرات رسمية، خرج نحو اثني عشر مليون مواطن من منظومة الخبز المدعم، وأكثر من ثلاثة عشر مليونًا من منظومة الدعم السلعي خلال السنوات الخمس الأخيرة، ضمن موجات متعاقبة من التنقية. ويحذر مراقبون من أن هذه العملية، رغم استهدافها توجيه الدعم لمستحقيه، لم تضع دائمًا في الحسبان تبدل الظروف المعيشية للأسر التي قد يتقاعد عائلها أو يفقد مصدر دخله لاحقًا، ما يجعل مسار العودة إلى منظومة الدعم بعد الاستبعاد تحديًا بحد ذاته رغم إتاحة آليات للتظلم والاستعلام عن حالة البطاقة.

لماذا تأجل التطبيق حتى الآن؟

رغم الإعلان عن اتجاه الحكومة للتحول منذ أشهر، قررت وزارة التموين تأجيل تطبيق منظومة الدعم النقدي والاستمرار في صرف المقررات وفق نظام الدعم العيني الحالي دون تغيير حتى شهر يوليو 2026، مع تجديد التعاقد مع الجهات المشغلة لمنظومة البطاقات الذكية لمدة عام إضافي يمتد حتى نهاية يونيو 2027. ويعكس هذا التمديد إقرارًا حكوميًا ضمنيًا بأن نجاح التحول النقدي مرهون أساسًا بامتلاك قاعدة بيانات دقيقة ومحدثة عن المستفيدين، وهو ما يفسر استمرار أعمال المراجعة والتدقيق قبل الإعلان عن جدول زمني نهائي وملزم للتطبيق الكامل.

مخاوف الخبراء: هل يبتلع التضخم قيمة الدعم؟

يحذر عدد من الاقتصاديين من أن التحدي الأكبر أمام نجاح المنظومة الجديدة لا يكمن في آليات التصنيف فحسب، بل في قدرة القيمة النقدية للدعم على الصمود أمام موجات التضخم المتتالية. فبينما تشير تقديرات إلى وجود ما بين ثمانية عشر وعشرين مليون عامل في القطاع غير الرسمي، من الباعة الجائلين والحرفيين والسائقين، خارج منظومة التأمينات الاجتماعية، تصبح عملية تصنيفهم ضمن شرائح الاستحقاق بدقة مهمة بالغة التعقيد.

كما يشدد أكاديميون متخصصون في الاقتصاد على أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الأخيرة أدى بالفعل إلى تراجع القيمة الحقيقية للدعم القائم، ما يثير تساؤلات جدية حول قدرة أي نظام نقدي جديد على الحفاظ على القوة الشرائية للمستفيدين ما لم يُربط بمعدلات التضخم الفعلية بشكل دوري ومنتظم. ويرى محللون أن التحول دون السيطرة على التضخم وإصلاح موازٍ لمنظومة الأجور والحماية الاجتماعية قد يفضي إلى تآكل القوة الشرائية وزيادة الضغوط المعيشية بدلًا من تخفيفها، بينما يدعو آخرون إلى التريث في الإعلان عن النموذج النهائي حتى تتضح للمواطنين كافة التفاصيل المتعلقة بالكميات والأسعار وآلية التنفيذ والآثار الجانبية المحتملة، باعتبار أن الشفافية شرط أساسي لتقبل المواطنين للتغيير دون قلق أو غموض.

حسابات الموازنة: كم تنفق الدولة على الدعم؟

وفق وثائق الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 - 2027، خصصت الحكومة نحو 170 مليار جنيه لدعم الخبز والسلع التموينية، مقارنة بنحو 160 مليار جنيه في موازنة العام السابق. وتؤكد الحكومة أن هذه الزيادة الاسمية تأتي في إطار الحفاظ على شبكة الحماية الاجتماعية، إلا أن أساتذة اقتصاد يشيرون إلى أن الزيادة الاسمية في المخصصات لا تعني بالضرورة تحسنًا في القيمة الحقيقية للدعم، ما دامت معدلات التضخم تفوق وتيرة نمو هذه المخصصات، وهو ما يجعل الفجوة بين الدعم الاسمي والقدرة الشرائية الفعلية للمستفيدين محل جدل مستمر بين الجهات الرسمية والمتخصصين.

بين ترشيد الإنفاق وحماية الفئات الأولى بالرعاية

تتقاطع في ملف الدعم التمويني اليوم رؤيتان لا تبدوان بالضرورة متعارضتين من حيث الهدف، وإن اختلفتا جذريًا في تقييم المخاطر. فالحكومة تنظر إلى التحول النقدي باعتباره خطوة إصلاحية ضرورية لوقف نزيف الهدر داخل منظومة تراكمت عليها عقود من التشوهات، ومنح المواطن حرية أكبر في إدارة احتياجاته الأساسية. في المقابل، يرى مراقبون واقتصاديون أن نجاح هذا التحول مرهون بشروط لم تكتمل بعد، أبرزها دقة قواعد البيانات، ووجود آلية رقابية صارمة تمنع استبعاد مستحقين فعليين، وربط القيمة النقدية بمعدلات التضخم بصورة دورية، إلى جانب استكمال شبكة حماية اجتماعية أوسع تشمل التأمين الصحي والاجتماعي الشامل بموازاة الدعم النقدي، وليس كبديل عنه.

ويبقى التوقيت أحد أكثر عناصر الجدل حساسية؛ إذ يرى منتقدون أن طرح نظام جديد في ظل موجة غلاء ممتدة وضغوط تضخمية لم تخف بعد، يحمل مخاطرة مضاعفة على الفئات الأولى بالرعاية، بينما تصر الحكومة على أن التطبيق التدريجي والتجريبي المرتقب، إلى جانب استمرار أعمال التنقية والتحديث، كفيلان بتفادي أي صدمة اجتماعية مفاجئة. وبين هذين الموقفين، يظل الاختبار الحقيقي لنجاح المنظومة الجديدة مرهونًا بما ستكشفه التجربة الفعلية على أرض الواقع، حين يبدأ التطبيق التدريجي المرتقب مطلع العام المالي المقبل.