في أقل من 24 ساعة، انتقلت منطقة الشرق الأوسط من الاقتراب من واحدة من أخطر المواجهات العسكرية منذ سنوات إلى مرحلة ترقب حذر فرضتها الدبلوماسية في اللحظات الأخيرة، بعدما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق هجوم واسع كان يستهدف إيران، في قرار جاء بينما كانت الاستعدادات العسكرية بلغت ذروتها، وسط تحذيرات دولية من اتساع رقعة الصراع واحتمال إغلاق المجال الجوي في المنطقة.
وخلال الساعات الماضية، بدا أن واشنطن تمضي نحو تنفيذ عملية عسكرية واسعة ضد أهداف داخل إيران، بعدما أكد ترامب، في منشور عبر منصته "تروث سوشيال"، أن الولايات المتحدة مستعدة لضرب الجمهورية الإسلامية "بمستويات من الإرهاب العسكري والقوة لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية"، في رسالة اعتُبرت تمهيدًا لعملية عسكرية كبيرة.
وتزامن ذلك مع تقارير إعلامية أمريكية نقلت عن مسؤولين في واشنطن أن الولايات المتحدة وإسرائيل وضعتا اللمسات الأخيرة على خطة لتنفيذ واحدة من أعنف حملات القصف ضد البنية التحتية للطاقة في إيران، مع توقعات بانطلاقها خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وفي موازاة تلك التحركات، رفعت عدة دول مستوى تحذيراتها الأمنية، إذ دعت الولايات المتحدة وأستراليا وعدد من الدول الأوروبية رعاياها إلى مغادرة منطقة الشرق الأوسط أو الاستعداد لذلك، تحسبًا لتوسع رقعة المواجهة وإمكانية إغلاق بعض المجالات الجوية، الأمر الذي عزز المخاوف من اندلاع مواجهة إقليمية واسعة.
ترامب يغيّر مسار التصعيد
وبينما كانت المنطقة تستعد لسيناريو الحرب، أعلن ترامب بصورة مفاجئة تعليق الهجوم الذي كان قد أذن بتنفيذه، مؤكدًا أنه أصدر أوامره بوقف الضربات العسكرية، لكنه ربط استمرار هذا التعليق بسرعة التوصل إلى اتفاق مع طهران يتضمن، بحسب تصريحاته، فتحًا فوريًا وكاملًا لمضيق هرمز، وإنهاء التهديد النووي الإيراني.
وأشار الرئيس الأمريكي إلى أن قراره جاء بعد طلبات من إيران وعدد من دول المنطقة، إضافة إلى ظهور ما وصفه بـ"ملامح صفقة" يمكن البناء عليها لتجنب التصعيد العسكري.
ورغم أن تصريحات ترامب أوحت بإمكانية تحقيق انفراجة، فإنها لم تبدد الشكوك بشأن مستقبل الأزمة، في ظل استمرار الخطاب التصعيدي من الجانبين.
طهران: التهديدات لن تغيّر حساباتنا
الرد الإيراني جاء سريعًا وحمل رسائل حاسمة. فقد أكد القائم بأعمال وزارة الدفاع الإيرانية، سيد مجيد ابن الرضا، أن التصريحات الأمريكية تندرج ضمن الحرب النفسية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن طهران تتعامل مع كل تهديد باعتباره تهديدًا حقيقيًا يستوجب رفع مستوى الجاهزية العسكرية وتعزيز القدرات الدفاعية والردعية.
كما حذرت إيران من أن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستواجه برد قاسٍ، مؤكدة أن قواتها المسلحة مستعدة للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة.
تضارب بشأن مضيق هرمز
وظل ملف مضيق هرمز أحد أبرز نقاط الخلاف خلال الساعات الماضية، بعدما تداولت تقارير إعلامية معلومات عن مقترح لإعادة فتح الممر الملاحي ضمن تفاهمات تقودها وساطة قطرية.
غير أن وكالة "فارس" الإيرانية نقلت عن مصدر عسكري مطلع نفيًا قاطعًا لهذه التقارير، مؤكدًا أنها "عارية تمامًا من الصحة"، وأن المضيق سيظل مغلقًا ما دامت العمليات العدائية الأمريكية مستمرة.
وأضاف المصدر أن أي سفينة لن يسمح لها بالعبور دون إذن من إيران، محذرًا من أن أي محاولة لتجاوز التعليمات الإيرانية ستُقابل برد "حاسم وفوري" من القوات المسلحة، مشيرًا إلى أن ثلاث ناقلات نفط أُوقفت خلال الساعات الماضية بسبب مخالفتها التعليمات المنظمة لحركة الملاحة.
في المقابل، ذكرت القناة 12 الإسرائيلية، نقلًا عن دبلوماسيين مطلعين، أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وافق مبدئيًا على مقترح تسوية صاغه وسطاء قطريون لتنظيم إعادة فتح مضيق هرمز، وأن هذا التطور كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت ترامب إلى تعليق الهجوم.
وبحسب القناة، ينص المقترح على مرور السفن المتجهة إلى الخليج عبر المياه الإقليمية الإيرانية، بينما تعبر السفن المغادرة عبر المياه الإقليمية العمانية، مع استمرار المشاورات لضمان موافقة الحرس الثوري الإيراني على التفاهمات المقترحة.
ارتباك داخل إسرائيل
في إسرائيل، كشفت تقارير إعلامية عن حالة من الإحباط داخل دوائر صنع القرار عقب إعلان ترامب تعليق الضربات، بعدما كانت تل أبيب تستعد للمشاركة في العملية العسكرية.
وأكد وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين أن إسرائيل تمتلك القدرة على التحرك منفردة إذا اقتضت الضرورة، حتى دون تنسيق مع الولايات المتحدة.
وتشير تقديرات إسرائيلية إلى أن التراجع الأمريكي أضعف فرص توجيه ضربة حاسمة للبرنامج النووي الإيراني، وهو ما تعتبره تل أبيب هدفًا استراتيجيًا لم يتحقق حتى الآن، الأمر الذي يعكس تباينًا متزايدًا في الرؤى بين الحليفين بشأن إدارة الأزمة.
وساطات مكثفة لمنع الانفجار
بالتزامن مع التطورات العسكرية، نشطت الاتصالات الدبلوماسية بصورة لافتة، إذ أفادت شبكة "سي إن إن" بأن قطر وباكستان وعددًا من الدول الوسيطة كثفت اتصالاتها مع واشنطن وطهران خلال الساعات الأخيرة، في محاولة لمنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة.
وفي السياق ذاته، تلقى الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، اتصالًا هاتفيًا من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تناول تطورات الأوضاع في المنطقة وانعكاساتها على الأمنين الإقليمي والدولي.
وأكد ولي العهد السعودي، خلال الاتصال، أهمية تغليب الحوار وخفض التصعيد، مشددًا على ضرورة بذل كل الجهود الممكنة للوصول إلى تهدئة تفتح الباب أمام حلول دبلوماسية، وتحول دون اتساع دائرة الصراع بما يهدد أمن واستقرار المنطقة والعالم.
كما استعرض الجانبان مسارات التعاون القائمة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة وسبل تعزيزها في مختلف المجالات.
هدوء مؤقت.. وأزمة مفتوحة
ورغم تعليق الضربات الأمريكية، فإن المشهد الإقليمي لا يزال بعيدًا عن الاستقرار. فالتباين الحاد في المواقف بين واشنطن وطهران بشأن مضيق هرمز، واستمرار التهديدات العسكرية المتبادلة، إلى جانب التحفظات الإسرائيلية على مسار التهدئة، كلها عوامل تشير إلى أن ما جرى يمثل هدنة مؤقتة أكثر منه تسوية نهائية.
وبين ضغوط القوة ومساعي الوساطة، تبقى المنطقة أمام اختبار جديد، إذ قد تعيد أي خطوة ميدانية أو تعثر في الاتصالات السياسية الأزمة إلى نقطة الصفر، في وقت يترقب فيه العالم ما إذا كانت الدبلوماسية ستنجح في تثبيت التهدئة، أم أن شبح المواجهة سيعود ليفرض نفسه مجددًا.
وزير الدفاع اللبناني: الجيش العمود الفقري للدولة وحامي السياد...
من الإصلاح إلى النمو.. كيف يستعد الاقتصاد المصري لمواجهة صدما...
