الاقتصاد المصري يسير نحو التعافي التدريجي رغم التحديات.. وزيادة الكهرباء قد ترفع أسعار بعض السلع.. والذهب يظل ملاذًا آمنًا للاستثمار طويل الأجل
أكد الدكتور كرم عبد الرؤوف سلام، الخبير الاقتصادي الدولي، أن الاقتصاد المصري يمر حاليًا بمرحلة دقيقة تتشابك فيها التحديات الداخلية مع المتغيرات الاقتصادية العالمية، مشيرًا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية بالتوازي مع تعزيز الحماية الاجتماعية، حتى يتمكن الاقتصاد من تحقيق معدلات نمو مستدامة دون تحميل المواطنين أعباء إضافية.
خبير اقتصادي يوضح مصير الاقتصاد المصري في الفترة المقبلة
وأوضح الخبير الاقتصادي في تصريح خاص لـ "خمسة سياسة"، أن الاقتصاد المصري تعرض منذ عام 2022 لضغوط استثنائية نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالميًا، إلى جانب التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على معدلات التضخم، وسعر الصرف، وتكلفة الإنتاج، وأسعار العديد من السلع والخدمات.
المؤشرات الاقتصادية الحالية
وأضاف أن المؤشرات الاقتصادية الحالية تعكس بداية مرحلة من التعافي التدريجي، حيث تشير تقديرات العديد من المؤسسات الاقتصادية الدولية إلى أن الاقتصاد المصري يسير في اتجاه أكثر استقرارًا، مدعومًا باستمرار برنامج الإصلاح الاقتصادي، وزيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي، وتحسن أداء عدد من القطاعات الإنتاجية والخدمية.
التوقعات الدولية للاقتصاد المصري
وأشار إلى أن التوقعات الدولية ترجح تحقيق الاقتصاد المصري معدل نمو يتراوح بين 4.3% و4.6% خلال عام 2026، مع إمكانية ارتفاعه إلى نحو 4.8% خلال عام 2027 إذا استمرت الدولة في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية بنفس الوتيرة الحالية.
وفي المقابل، أكد أن التضخم لا يزال يمثل التحدي الأكبر أمام الاقتصاد والمواطن المصري، حيث تشير تقديرات البنك المركزي إلى أن متوسط معدلات التضخم خلال عام 2026 قد يدور بين 16% و17%، نتيجة استمرار الضغوط المرتبطة بأسعار الطاقة وبعض السلع الأساسية.
هل ترتفع الأسعار مجددًا بعد زيادة الكهرباء؟
قال الدكتور كرم سلام إن الإجابة الأقرب للواقع هي نعم، ولكن بصورة متفاوتة، وليس بنفس الحدة التي شهدتها مصر خلال عامي 2023 و2024.
وأوضح أن تأثير زيادة أسعار الكهرباء لا يقتصر على فاتورة الاستهلاك المنزلي فقط، وإنما يمتد إلى مختلف حلقات النشاط الاقتصادي، بداية من تكلفة تشغيل المصانع، مرورًا بالنقل والتخزين والتبريد، وانتهاءً بتكلفة تقديم الخدمات، وهو ما يدفع بعض المنتجين والتجار إلى تحميل جزء من تلك الزيادات على أسعار السلع والخدمات.
وأضاف أن أكثر القطاعات المتوقع تأثرها بزيادة أسعار الكهرباء تشمل:
- الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
- الصناعات الغذائية والمواد الغذائية المصنعة.
- خدمات النقل واللوجستيات.
- بعض الخدمات التجارية والطبية والتعليمية الخاصة.
وأكد أن هذه الزيادات المتوقعة لن تكون بنفس حجم القفزات السعرية التي شهدتها الأسواق خلال السنوات الماضية، وذلك في ظل عدة عوامل إيجابية، أبرزها استقرار سعر الصرف بصورة نسبية، وتحسن توافر النقد الأجنبي، واستمرار جهود الدولة في الرقابة على الأسواق ومنع الممارسات الاحتكارية.
الاقتصاد المصري إلى أين؟
وأشار الخبير الاقتصادي الدولي إلى أن مستقبل الاقتصاد المصري خلال العامين المقبلين يعتمد بصورة كبيرة على استمرار تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة الاستثمارات الصناعية والتصديرية، وتحسين مناخ الاستثمار.
وأوضح أن الاقتصاد يمتلك عدة عناصر قوة، من أبرزها:
- زيادة الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
- التوسع في المشروعات الصناعية.
- استمرار نمو قطاع السياحة.
- مواصلة تطوير البنية التحتية.
- زيادة الصادرات غير البترولية.
وفي المقابل، لا تزال هناك تحديات تتطلب التعامل معها بجدية، أهمها:
- ارتفاع تكلفة المعيشة.
- استمرار الضغوط التضخمية.
- ارتفاع تكلفة التمويل.
- تأثر الاقتصاد بالتوترات الإقليمية والعالمية.
وأكد أن الاقتصاد المصري لا يتجه نحو أزمة اقتصادية جديدة، وإنما يمر بمرحلة انتقالية تتطلب استكمال الإصلاحات الاقتصادية، مع تعزيز برامج الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر تأثرًا.
لماذا تراجع الذهب رغم استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي؟
وأوضح الدكتور كرم سلام أن الاعتقاد السائد بأن الذهب يرتفع دائمًا مع الأزمات الاقتصادية ليس صحيحًا بصورة مطلقة، إذ إن حركة الذهب ترتبط بمجموعة من العوامل العالمية.
وأشار إلى أن انخفاض أسعار الذهب خلال الأيام الماضية جاء نتيجة تراجع سعر الأوقية عالميًا، بعد تغير توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الأمريكية، الأمر الذي دفع العديد من المستثمرين إلى جني الأرباح والتحول إلى أدوات استثمارية أخرى، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الذهب في السوق المصرية.
وأضاف أن استقرار سعر الدولار داخل السوق المحلية ساهم كذلك في تقليل الضغوط على أسعار الذهب، رغم استمرار التوترات الاقتصادية العالمية.
هل يستمر انخفاض الذهب خلال الفترة المقبلة؟
أكد أن من الصعب الجزم باتجاه الذهب على المدى القصير، نظرًا لارتباطه بعدة متغيرات رئيسية، من أهمها:
- قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة.
- حركة الدولار عالميًا.
- تطورات الأوضاع الجيوسياسية.
- حجم الطلب العالمي على الذهب.
ولذلك فمن المرجح أن يشهد الذهب خلال الفترة المقبلة حالة من التذبذب بين الصعود والهبوط، أكثر من دخوله في اتجاه هابط أو صاعد بشكل مستمر.
هل الوقت مناسب لشراء الذهب؟
أوضح الدكتور كرم سلام أن الإجابة تختلف وفقًا لهدف المستثمر.
فإذا كان الهدف هو الاستثمار طويل الأجل لمدة عامين أو أكثر، فإن شراء الذهب على دفعات يظل من أفضل الوسائل لتقليل مخاطر تقلب الأسعار، بدلًا من استثمار كامل المبلغ دفعة واحدة.
أما إذا كان الهدف هو المضاربة وتحقيق أرباح سريعة، فمن الأفضل الانتظار حتى تتضح اتجاهات السوق بصورة أكبر، خاصة في ظل التقلبات المتوقعة خلال الأسابيع المقبلة.
وأكد أن الذهب سيظل أحد أهم أدوات حفظ القيمة في أوقات التضخم وعدم اليقين، لكنه ليس استثمارًا يحقق أرباحًا مضمونة على المدى القصير، وإنما يحتاج إلى رؤية استثمارية طويلة الأجل.
توصيات
وفي ختام تصريحه، طرح الدكتور كرم عبد الرؤوف سلام عددًا من التوصيات التي من شأنها تعزيز استقرار الاقتصاد المصري والحد من آثار الضغوط التضخمية، أبرزها:
- تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية والزيادات غير المبررة في الأسعار، خاصة بعد تعديل أسعار الكهرباء والطاقة.
- توسيع مظلة الحماية الاجتماعية من خلال زيادة دعم الفئات الأكثر احتياجًا، ورفع كفاءة برامج الدعم النقدي، بما يحافظ على القوة الشرائية للأسر محدودة ومتوسطة الدخل.
- دعم الإنتاج المحلي والصناعة الوطنية عبر تقديم حوافز للمصانع، وتشجيع توطين الصناعات وتقليل الاعتماد على الواردات، بما يسهم في خفض تكلفة الإنتاج واستقرار الأسعار.
- زيادة الصادرات وجذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة لتوفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي، وتعزيز استقرار سعر الصرف، والحد من الضغوط التضخمية.
- الاستمرار في تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية مع تحقيق التوازن بين الإصلاح المالي وحماية الفئات الأكثر تأثرًا، بما يضمن نموًا اقتصاديًا مستدامًا وشاملًا.
- التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة لتقليل تكلفة الإنتاج على المدى المتوسط والطويل، والحد من تأثير زيادات أسعار الكهرباء.
- رفع الوعي المالي والاستثماري لدى المواطنين، وتشجيع ثقافة الادخار والاستثمار، مع توضيح مزايا ومخاطر كل أداة استثمارية، بما في ذلك الذهب.
- بالنسبة للمستثمرين في الذهب، يُفضل عدم اتخاذ قرارات شراء أو بيع بدافع القلق أو الشائعات، والاعتماد على استراتيجية الشراء التدريجي، مع متابعة المؤشرات الاقتصادية العالمية والمحلية، والنظر إلى الذهب باعتباره وسيلة لحفظ القيمة على المدى الطويل أكثر من كونه أداة للمضاربة السريعة.
- تنويع المحافظ الاستثمارية وعدم الاعتماد على الذهب وحده، بل توزيع الاستثمارات بين الذهب، والودائع، وأذون الخزانة، والأسهم أو الصناديق الاستثمارية، وفقًا لقدرة كل مستثمر على تحمل المخاطر.
واختتم الدكتور كرم عبد الرؤوف سلام تصريحه بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات قوية تؤهله لتحقيق معدلات نمو أفضل خلال السنوات المقبلة، إلا أن ذلك يتطلب استمرار الإصلاحات الاقتصادية، وزيادة الإنتاج، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز العدالة الاجتماعية.
وأوضح أن الاقتصاد المصري يسير بالفعل نحو تعافٍ تدريجي، لكنه لا يزال يواجه تحديات حقيقية، في مقدمتها التضخم وارتفاع تكلفة الإنتاج، مشيرًا إلى أن زيادة أسعار الكهرباء قد تؤدي إلى ارتفاع محدود في أسعار بعض السلع والخدمات، دون أن يعني ذلك العودة إلى موجات التضخم الحادة التي شهدتها البلاد خلال السنوات الماضية.
كما أكد أن التراجع الأخير في أسعار الذهب يعود في الأساس إلى عوامل عالمية، وليس إلى تطورات الاقتصاد المصري، وأن أداء المعدن الأصفر خلال الفترة المقبلة سيظل مرتبطًا بتطورات الاقتصاد العالمي وأسعار الفائدة الأمريكية، بينما يبقى الشراء التدريجي الخيار الأكثر أمانًا للمستثمرين الراغبين في الحفاظ على قيمة مدخراتهم.
