لم تتوقف تداعيات الاختراق الأمني الذي تعرضت له إيران عند اغتيال قادة عسكريين أو استهداف منشآت حساسة، بل انتقلت تدريجيًا من غرف القيادة إلى الشوارع، حيث وسعت السلطات الإيرانية دائرة الاشتباه والرقابة، وحولت المدن إلى جبهة أمنية مفتوحة عنوانها نقاط التفتيش والدوريات المسلحة ومراقبة الهواتف وملاحقة التصوير والنشاط الإلكتروني، بحسب تقارير نشرتها الصحافة الإيرانية المعارضة ومنظمات دولية.

كشفت الحرب قدرة إسرائيل على الوصول إلى مستويات حساسة داخل البنية العسكرية والأمنية الإيرانية

وبينما كشفت الحرب قدرة إسرائيل على الوصول إلى مستويات حساسة داخل البنية العسكرية والأمنية الإيرانية، بدا رد طهران الداخلي مختلفًا من خلال نشر الحواجز والاعتقالات وتوسيع صلاحيات الحرس الثوري والباسيج، في محاولة لمنع تكرار الاختراقات واحتواء أي اضطرابات داخلية قد تتزامن معها.

ولم تبدأ هذه السياسة مع الحرب الحالية، فقد وبدأت بعد حرب الـ12 يوم في يونيو 2025 ، إذ انتقلت السلطات الإيرانية سريعًا من مواجهة إسرائيل إلى حملة أمنية داخلية، شملت انتشارًا عسكريًا واعتقالات واسعة، ولا سيما في المناطق الكردية، وسط مخاوف لدى السلطة من تحول آثار الحرب إلى احتجاجات داخلية. 

لكن ما كان حملة أمنية بعد حرب 2025 ، تحول خلال المواجهة الجديدة إلى نموذج أكثر اتساعًا. فمع اندلاع الحرب في فبراير 2026، انتشرت نقاط تفتيش ودوريات تابعة للحرس والباسيج في طهران ومدن أخرى، بالتوازي مع حملات لملاحقة أشخاص تتهمهم السلطات بالتصوير أو نقل المعلومات أو التعاون مع إسرائيل.

وفي 17 مايو، أعلن قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان ، اعتقال أكثر من 6500 شخص وصفهم بـ"الخونة والجواسيس" منذ 28 فبراير، فيما وثقت منظمة العفو الدولية اعتقالات في طهران ، وما لا يقل عن 18 محافظة أخرى، بينها أصفهان وفارس وخوزستان وكرمان وأذربيجان الغربية وقم ويزد.

وهكذا اتسعت جغرافية "مكافحة الاختراق" ، لتشمل مساحة كبيرة من البلاد، ولم يعد الاشتباه مرتبطًا فقط بالعاملين في منشآت حساسة، بل امتد إلى صحفيين ومحامين ونشطاء وأفراد من أقليات ومواطنين ، متهمين بأنشطة تعتبرها السلطات تهديدًا للأمن القومي. 

وتكشف طبيعة الاتهامات تحولًا أكثر عمقًا في مفهوم الأمن الإيراني، إذ بات التصوير والنشر والنشاط عبر الإنترنت جزءًا من المعركة الداخلية ، وبحسب تقارير حقوقية وإعلامية، ترافقت نقاط التفتيش مع عمليات تدقيق في المركبات والهواتف والوثائق، فيما استُخدمت تهم التجسس والتعاون مع دول معادية ضد أشخاص متهمين بنقل صور أو معلومات.

وتقول منظمة العفو الدولية إن السلطات استغلت ما تسميه "ظروف الحرب" لتوسيع الاعتقالات وتسريع الإجراءات القضائية، بما فيها ملفات يمكن أن تقود إلى أحكام بالإعدام. ووثقت المنظمة أكثر من 6000 اعتقال تعسفي منذ بداية الهجمات الأمريكية و الإسرائيلية في 28 فبراير ، إلى جانب مصادرة أموال وأحكام قاسية وإجراءات قضائية سريعة.

ويعيد ذلك إلى الواجهة تجربة حرب 2025 ، عندما أعلنت إيران اعتقال نحو 21 ألف شخص خلال 12 يومًا فقط، في مؤشر مبكر إلى الطريقة التي تنظر بها السلطات إلى الجبهة الداخلية باعتبارها امتدادًا للمواجهة العسكرية.

في هذا السياق، قال الخبير الاستراتيجي محمد يوسف النور : إن اتساع الحواجز ليس دليلًا بالضرورة على نجاح المنظومة الأمنية، بل قد يكشف حجم المعضلة التي تواجهها، لأن الاختراقات التي أصابت إيران لم تعتمد حصرًا على حركة عملاء ظاهرين في الشوارع، وإنما على شبكات استخباراتية وقدرات تقنية وبشرية وصلت إلى مستويات حساسة.

ويرى النور أن تحويل المدن إلى مساحات مراقبة يمكن أن يرفع تكلفة العمل الاستخباراتي، لكنه لا يعالج بالضرورة نقاط الضعف داخل المؤسسات نفسها، بينما يؤدي توسيع الاشتباه إلى استنزاف الأجهزة وإغراقها بآلاف البلاغات والمشتبه بهم. 

من جهته، يقرأ الخبير الأمني الأردني عامر السبايلة ما يحدث باعتباره انتقالًا من مفهوم حماية المنشآت إلى مفهوم "حماية النظام"، حيث لا تعود الجبهة محددة بموقع عسكري أو حدود جغرافية، وإنما تشمل المجال المدني والإعلامي والرقمي.

ويشير إلى أن الخطر الذي تخشاه طهران مزدوج؛ اختراق خارجي قادر على الوصول إلى قياداتها، وغضب داخلي يمكن أن يستثمر ظروف الحرب والأزمة الاقتصادية. ولذلك تصبح السيطرة على الشارع والمعلومة جزءًا من الاستراتيجية الدفاعية نفسها.

لكن المفارقة تكمن، في أن الدولة التي عجزت شبكاتها الأمنية عن منع خصومها من اختراق مستويات شديدة الحساسية باتت تبحث عن الخطر في سيارة عابرة أو هاتف مواطن أو صورة دخان فوق مدينة. وبذلك لا تبدو الجبهة الداخلية الإيرانية مجرد أثر جانبي للحرب، بل واحدة من ساحاتها الرئيسة. 

للمذيد "حجب الثقة البناء".. آلية تسمح بإطاحة مبكرة لحكومة نتنياهو 

للمذيد الإظلام التام في السودان .. كيف يُجابه السودانيون انقطاع الكهرباء؟