بعد أكثر من 4 سنوات ونصف على الحرب بين روسيا وأوكرانيا، أصبحت الاتصالات الفضائية معركة خفية وجزءًا حاسمًا وعاملًا مؤثرًا في موازين الحرب على الأرض.
وبينما تعتمد أوكرانيا في هذا المجال على واشنطن وإيلون ماسك، مالك "سبيس إكس"، تسارع موسكو لتطوير منظومتها المنافسة "راسفيت"، سعيًا إلى بناء شبكة اتصالات فضائية خاصة تقلل اعتمادها على الأنظمة الغربية.
وفي زيارته الأخيرة إلى واشنطن نهاية شهر يوليو الماضي، طالب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من نظيره الأمريكي دونالد ترامب بصواريخ "باتريوت" لحماية سماء بلاده، وكذلك السماح بتوسيع استخدام "ستارلينك" ليشمل الأراضي الروسية، بما يساعد في توجيه المسيّرات بعيدة المدى.
مطالب زيلينسكي جاءت بعد تفاخر ماسك في شهر مارس 2025 بقوله: "نظام ستارلينك الخاص بي هو العمود الفقري للجيش الأوكراني ، و سينهار لو أطفأته".
العبارة كانت تحذيرًا بقدر ما كانت تفاخرًا، فمنذ بداية الحرب، يتأرجح موقف المليارديّر بين الدعم والتحفظ، دون أن يتضح ما إذا كان موقفه أيديولوجيًا أم حرصًا على مصالحه الاقتصادية.
وعام 2022، قطع الوصول الأوكراني إلى "ستارلينك" لمنع هجوم على شبه جزيرة القرم خشية التصعيد، وحاليًا يبدو معارضًا لتوسيع استخدام النظام فوق الأراضي الروسية.
بدورها، حذّرت موسكو من أن أي أنظمة، ولو كانت خاصة، ستصبح "أهدافًا مشروعة" إن سمحت بشن هجمات.
ويقول مصدر أوكراني لصحيفة "لوفيغارو": "السماح بالاتصالات الفضائية في روسيا خط أحمر"، مشيرًا إلى أن الغربيين يخشون تصعيدًا قد يمتد إلى الفضاء نفسه، ولبلوغ أهدافها الأرضية، تعتمد المسيّرات الأوكرانية على أنظمة توجيه ذاتية.
ووفقًا للصحيفة الفرنسية، فإن الاتصالات الفضائية، لنقل الأوامر أو إحداثيات الأهداف، باتت قدرة أساسية في القتال الحديث. فمنذ أكثر من 4 سنوات، تعلّم الجيشان الأوكراني والروسي "تهجين" شبكاتهما، أي استخدام أنظمة عسكرية ومدنية معًا.
و"ستارلينك" تحديدًا أرخص وأوسع تغطية وأصعب اعتراضًا من الاتصالات اللاسلكية التقليدية، امتلاكها أكثر من 10 آلاف قمر صناعي يضمن معدل مرور متكرر فوق أي منطقة، وتوفر ستارلينك تغطية شاملة، ولا يحتاج المستخدم سوى هوائي متوفر تجاريًا للاتصال.
ومطلع الحرب، استخدمها الطرفان معًا بينما كانت الاتصالات اللاسلكية التقليدية تتعرض للتشويش الميداني، ومنذ شهر فبراير الماضي، قُيّد الوصول للخدمة وبات الأوكرانيون وحدهم القادرين على استخدامها داخل أوكرانيا، بعدما رضخ ماسك للضغوط.
وباتت القوات الأوكرانية تحتاج إدخال مفتاح اتصال لا يملكه خصومها لتشغيل أجهزتها، بعد أن فقدوا التنظيم، تكبدوا انتكاسات ميدانية في الربيع الماضي.
ويقول مصدر عسكري فرنسي: "الروس أُصيبوا بالعمى"، مضيفًا "الأوكرانيون أطلقوا أيضًا حملة سيبرانية أشبه بالتصيّد الاحتيالي. أرسلوا رسائل تعرض إعادة تفعيل اتصالات ستارلينك مقابل مشاركة الموقع. ومهما بدا الأمر مستغربًا، نجحت الحيلة أحيانًا. تمكن الأوكرانيون من استهداف وتحييد عدد من مراكز القيادة الروسية".
ووفق الاستخبارات الأوكرانية، تُسرّع موسكو إطلاق نسختها الخاصة من "ستارلينك"، ومن المتوقع وضع نحو 300 قمر صناعي من منظومة "راسفيت" المستقبلية في المدار العام المقبل.
والنظام، الذي طوّره "المكتب 1440"، يضم بالفعل 16 قمرًا صناعيًا عاملًا، وفق ما صرّح به اللواء فاديم سكيبيتسكي لوسيلة إعلام أوكرانية مطلع شهر أغسطس ، ومن المخطط أن يصل العدد إلى 924 قمرًا بحلول 2035.
وأضاف سكيبيتسكي أنه "بمجرد أن تنشر روسيا منظومتها الكاملة، سيعمل النظام مثل ستارلينك تمامًا. نحن نفكر بالفعل في كيفية مواجهتها". وفي حزمة العقوبات الحادية والعشرين التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي في شهر يوليو، استهدف شركات روسية مرتبطة بتطوير نظام "راسفيت".
ويُخفف مصدر عسكري فرنسي من حدة المقارنة، حيثُ قال : "من حيث عدد الأقمار والقدرة، ستبقى روسيا بعيدة جدًا عن ستارلينك"، لافتًا إلى أن بضع مئات من الأقمار لن تُنافس عشرة آلاف، لكن "راسفيت" ستكون سيادية بينما تبقى أوكرانيا رهينة قرارات ماسك.
وحتى لو مثّلت هذه الاتصالات إيرادًا ماليًا مهمًا لشركة "سبيس إكس"، لا شيء يضمن أن المليارديّر لن يستخدم هذه الورقة لأغراض سياسية، وتُجرّب روسيا أيضًا أنظمة اتصال بديلة مثل "المسيّرات الستراتوسفيرية" التي تعمل كمُرحّلات إرسال، و"البالونات عالية الارتفاع".
إلى جانب حرمان أوكرانيا من الأقمار الصناعية، يحاول الجيش الروسي تعطيل عملها ميدانيًا عبر التشويش المباشر. فهو ينشر في الميدان أجهزة متخصصة، مثل منظومة "فولنا كوبول غارانت"، مهمتها قطع الاتصال بين الأجهزة الأرضية والأقمار الصناعية فوقها، وتغطي كل منظومة مساحة تقارب 20 كيلومترًا مربعًا حول موقعها.
هذا النوع من التشويش صعب تقنيًا، لأن إشارة القمر الصناعي موجّهة بدقة نحو نقطة محددة في السماء، ما يجعل اعتراضها أصعب من تشويش إشارة أرضية عادية. ومع ذلك، فإن هذه المنظومات نفسها تُصبح هدفًا سهلًا بمجرد تشغيلها: بثّها القوي يجعلها قابلة للرصد، وقد حدّد الأوكرانيون بالفعل ما لا يقل عن عشرة مواقع لها في الميدان ونجحوا في تدمير ثلاثة منها حتى الآن.
وهذا احتمال مطروح للنقاش، لكنه شديد الصعوبة تقنيًا. فمنظومة "ستارلينك" تضم عشرة آلاف قمر صناعي، وأي محاولة لشلّها فعليًا تستلزم تعطيل عدد ضخم منها دفعة واحدة، وهو أمر بعيد المنال حاليًا.
مع ذلك، فإن روسيا ليست بلا نشاط في الفضاء، فهي تملك برنامجًا لتطوير أسلحة فضائية أثار قلق الدول الغربية منذ أكثر من عامين، وتُراقَب تحركات أقمارها العسكرية من كثب.
فمثلًا في شهر مايو الماضي، وضعت روسيا 4 أقمار صناعية عسكرية (كوزموس 2610، 2611، 2612، 2613) على مقربة من مدار قمر صناعي تابع لشركة "آيسآي"، وهو القمر الذي تعتمد عليه أوكرانيا لأغراض استخباراتية، في خطوة تُقرأ على أنها مراقبة أو استعداد محتمل لاستهدافه.
للمذيد "الدفاع السعودية" : اكتمال الترتيبات العملية للتحالف البحري الدفاعي الذي تقوده
للمذيد الإظلام التام في السودان .. كيف يُجابه السودانيون انقطاع الكهرباء؟
