أكد د. أحمد موسى، أمين شباب حزب الغد، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، أن مشروع مدينة العدالة بالعاصمة الإدارية الجديدة يمثل أحد المشروعات الوطنية الكبرى التي تعكس رؤية الدولة المصرية لبناء الجمهورية الجديدة، وتعزيز سيادة القانون، وتطوير مؤسسات العدالة على أسس مؤسسية وتقنية متطورة، بما يحقق عدالة أكثر كفاءة، وتقاضيًا أسرع، وخدمات قضائية أكثر قربًا من المواطن واحتياجاته.

وأوضح موسى أن مدينة العدالة، وفقًا لما تم الإعلان عنه، تقام على مساحة تقدر بنحو 51 فدانًا، وتضم مجمعًا متكاملًا لعدد من المحاكم والجهات والهيئات القضائية، من بينها محكمة النقض، والمحكمة الدستورية العليا، ومجلس الدولة، والمجلس الأعلى للجهات والهيئات القضائية، وهيئة قضايا الدولة، وهيئة النيابة الإدارية، وهيئة القضاء العسكري، إلى جانب أكاديمية للقضاة، ومحكمة الأسرة والطفل، والمحكمة الاقتصادية، ومأمورية استئناف القاهرة، والمركز الدولي للتحكيم، كما تعتمد منشآت المدينة على بنية تحتية رقمية وتكنولوجية حديثة.

وأشار إلى أن المشروع لا يمثل مجرد انتقال مكاني للمحاكم والهيئات، بل يجسد تحولًا شاملًا في فلسفة إدارة العدالة، من خلال جمع المؤسسات القضائية في نطاق جغرافي متكامل، وتطوير آليات التنسيق وتبادل المعلومات، وربط الإجراءات والملفات والبيانات وفق أعلى معايير الحوكمة والأمن السيبراني، مع الحفاظ الكامل على استقلال الجهات القضائية واختصاصاتها.

فرص واعدة للمشروع

وقال د. أحمد موسى إن مدينة العدالة تفتح أمام مصر مجموعة واسعة من الفرص الوطنية والتنموية، من أبرزها توحيد البنية المؤسسية والتقنية للجهات القضائية، بما يحد من تكرار الإجراءات ويساعد على سرعة تداول الملفات والمعلومات، إلى جانب تيسير وصول المتقاضين والمحامين إلى جهات العدالة ذات الصلة، وتقليل الوقت والجهد اللازمين لإنجاز الخدمات.

وأضاف أن المشروع يمكن أن يسهم في تسريع الفصل في المنازعات من خلال ميكنة إدارة القضايا، وتبادل المستندات إلكترونيًا، وتطوير منظومة الجلسات والإعلانات والمتابعة، فضلًا عن تقديم خدمات قضائية جديدة، مثل الاستعلام الإلكتروني عن القضايا، وتقديم الطلبات عن بُعد، وسداد الرسوم إلكترونيًا، والحصول على صور الأحكام والشهادات الرقمية وفق الضوابط القانونية.

وأكد أن تعزيز التحكيم والوسائل البديلة لتسوية المنازعات يمثل أحد الفرص المهمة التي يمكن أن يوفرها المشروع، بما يدعم بيئة الاستثمار ويزيد من جاذبية مصر كمركز إقليمي للأعمال والخدمات القانونية.

وأشار إلى أهمية تطوير التدريب القضائي عبر أكاديمية متخصصة تستفيد من التقنيات الحديثة وتدعم التأهيل المستمر للقضاة وأعضاء الهيئات والكوادر المعاونة، موضحًا أن وجود المدينة بالقرب من الحي الحكومي ومجلسي النواب والشيوخ يمكن أن يرفع كفاءة العمل الحكومي ويعزز التكامل بين السلطات ومؤسسات الدولة، مع الاحترام الكامل لاستقلال كل سلطة.

وأضاف أن المشروع يتيح كذلك بناء منظومة عدالة قابلة للتوسع، تستوعب الزيادة المستقبلية في حجم القضايا والخدمات، وتواكب التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في حدود ما تسمح به القواعد الدستورية والقانونية.

تحديات تستلزم التخطيط

وأوضح موسى أن نجاح المشروع لا يرتبط بالإنشاءات وحدها، وإنما بقدرته على تقديم أثر ملموس ومستدام، مشيرًا إلى أن من أبرز التحديات التي ينبغي التعامل معها بجدية ضمان التكامل الحقيقي بين الأنظمة الإلكترونية المختلفة للجهات القضائية، وتجنب إنشاء منصات منفصلة لا تتبادل البيانات بكفاءة.

وشدد على ضرورة حماية بيانات المتقاضين وملفات القضايا من خلال منظومات متقدمة للأمن السيبراني، وخطط واضحة للتعافي من الأعطال والطوارئ، إلى جانب تدريب القضاة والموظفين والمحامين والمتعاملين مع المنظومة على الخدمات الرقمية الجديدة، مع توفير بدائل مساعدة لمن يواجهون صعوبة في استخدام التكنولوجيا.

وأكد أهمية الحفاظ على سهولة الوصول الجغرافي إلى المدينة، من خلال وسائل نقل جماعي منتظمة، ومواقف كافية، وإرشادات واضحة، وخدمات لاستقبال ذوي الإعاقة وكبار السن، بما يضمن عدم تحول مقر المدينة إلى عبء على المواطنين.

وطالب بوضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، مثل متوسط زمن إنجاز الخدمة، ومعدلات الفصل في القضايا، ونسب استخدام الخدمات الإلكترونية، ورضا المتقاضين، بما يسمح بتقييم النتائج بصورة مستمرة.

وأشار كذلك إلى ضرورة إدارة عملية الانتقال من المقار القديمة إلى المدينة دون تعطيل مصالح المواطنين أو التأثير على انتظام الجلسات والإجراءات، مع توفير التمويل اللازم للتشغيل والصيانة والتحديث المستمر، مؤكدًا أن التحول الرقمي لا ينجح بمجرد افتتاح المباني، بل يحتاج إلى استثمار دائم في الأنظمة والأفراد.

وشدد موسى على ضرورة توفير المواصلات المناسبة من قلب القاهرة إلى مقر المدينة بما لا يمثل عبئًا على المواطنين، مع وضع حلول نقل فعالة تضمن سهولة الوصول إلى مختلف الخدمات القضائية.

وأكد أهمية وضع ضوابط دقيقة لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بحيث يكون أداة مساعدة في البحث وإدارة البيانات وتحسين الكفاءة، دون أن يحل محل التقدير القضائي أو يمس ضمانات المحاكمة العادلة.

التنفيذ بأعلى المعايير

وقال د. أحمد موسى إن التنفيذ الأمثل لمدينة العدالة يتطلب إدارة مركزية واضحة للمشروع، وتنسيقًا دائمًا بين وزارة العدل والجهات والهيئات القضائية والجهات الفنية والتكنولوجية، مع الالتزام الصارم بالجداول الزمنية ومعايير الجودة والسلامة.

وأضاف أنه يتعين أن يبدأ العمل، بالتوازي مع استكمال الإنشاءات، في إعداد خريطة تحول رقمي موحدة تشمل توحيد معايير قواعد البيانات والربط الإلكتروني، ورقمنة الملفات التاريخية وفق أولويات واضحة، وإطلاق بوابة موحدة للخدمات القضائية، وتفعيل الإخطار والإعلان الإلكتروني حيث يسمح القانون، ودعم التقاضي عن بُعد في الإجراءات المناسبة.

كما شدد على أهمية إنشاء مراكز خدمة ومساعدة داخل المدينة وعبر المنصات الرقمية، وتطبيق أنظمة لإدارة الحشود والمواعيد لمنع التكدس، إلى جانب قياس النتائج ونشر تقارير دورية عن مستوى الإنجاز وجودة الخدمة.

المواطن محور المنظومة الجديدة

وأكد موسى أن المواطن يجب أن يكون محور هذه المنظومة، موضحًا أن المعيار الحقيقي لنجاح مدينة العدالة ليس فخامة المباني، وإنما قدرة المواطن على إنجاز معاملته بسهولة، ومعرفة موقف قضيته بوضوح، والوصول إلى حقوقه في إطار من السرعة والشفافية والاحترام.

وأشار إلى أن نجاح المشروع يقاس بمدى تأثيره المباشر على تجربة المتقاضي، من خلال تقليل الوقت والجهد، وتيسير الإجراءات، وتحسين مستوى الخدمات، وتوفير المعلومات بصورة واضحة ودقيقة.

رسالة ختامية

واختتم الدكتور أحمد موسى تصريحاته الخاصة لـ«خمسة سياسة» بالتأكيد على أن مدينة العدالة تمثل فرصة تاريخية لتأسيس نموذج مصري متقدم في إدارة العدالة، يجمع بين قوة المؤسسات، وحداثة التكنولوجيا، واستقلال القضاء، واحتياجات المجتمع.

وأكد أن تنفيذ المشروع على أعلى المستويات ليس خيارًا إداريًا فحسب، بل التزام وطني يرسخ سيادة القانون، ويدعم الاستثمار، ويحمي الحقوق، ويعزز الثقة في مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن ربط كافة الهيئات القضائية والمحاكم، وتحديث إجراءات التقاضي، وتقديم خدمات قضائية رقمية ومتكاملة، يجب أن يقترن بضمانات العدالة الناجزة، وحماية حقوق الدفاع، وصون سرية البيانات، وتيسير الوصول إلى العدالة لكل مواطن.

وأكد د. أحمد موسى أن «مدينة العدالة ليست مجرد تجمع للمحاكم، بل منصة وطنية لعدالة أكثر سرعة وكفاءة وإنسانية؛ وعدالة مصرية تواكب المستقبل وتحافظ على أصالة رسالتها».