وفاة الممرضة نعمة مهران عقب جراحة المرارة تفتح ملف الإهمال الطبي في الإسكندرية

وفاة نعمة مهران.. لم يعد الحديث عن الإهمال الطبي مجرد شكاوى متفرقة يطلقها مرضى أو ذويهم بعد فقدان عزيز، بل أصبح ملفًا يمس جوهر المنظومة الصحية وثقة المواطن في المكان الذي يفترض أن يكون ملاذه الأخير طلبًا للعلاج والنجاة. والأكثر إثارة للقلق أن تداعيات هذا الملف لا يبدو أنها تتوقف عند المواطن العادي، وإنما تمتد وفق ما ترويه أسرة المتوفاة إلى العاملين داخل المنظومة الصحية نفسها.

وفاة نعمة مهران تفتح باب التساؤلات عن ما يحدث داخل المستشفيات 

وفي واقعة تفتح الباب أمام العديد من علامات الاستفهام، رحلت الممرضة نعمة مهران عقب خضوعها لجراحة لاستئصال المرارة بأحد المستشفيات في الإسكندرية، لتجد أسرتها نفسها أمام سلسلة من التساؤلات حول ما جرى داخل المستشفى، ومسار التعامل مع حالتها، وملابسات وفاتها، وما ورد في الأوراق الرسمية من أسباب للوفاة.

القضية هنا لا تتعلق فقط بوفاة ممرضة كانت جزءًا من مؤسسة الصحة، وإنما تطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: إذا كانت واحدة ممن أفنوا سنوات من عمرهم في خدمة المرضى لم تكن بمنأى عن مخاطر الإهمال الطبي وفق رواية أسرتها فماذا عن المواطن الذي يدخل المستشفى وهو لا يملك معرفة طبية تمكنه من الدفاع عن نفسه أو اكتشاف ما يحدث له؟.

وبحسب رواية إحدى قريبات «نعمة»، وهي تعمل في مجال التمريض، دخلت المتوفاة المستشفى لإجراء عملية استئصال المرارة بالمنظار، ولم تُبلغ الأسرة بأن العملية كانت صعبة وأن الفريق الطبي اضطر إلى التحول من المنظار إلى الجراحة المفتوحة.

وتقول الأسرة إن «نعمة» خرجت من غرفة العمليات في حالة لم تكن مستقرة، وإنها تعرضت خلال ساعات الليل لنزيف، وتم إبلاغ الطبيب المناوب، بينما استمرت حالتها في التدهور.

وتضيف الأسرة أن طبيبًا حضر في صباح اليوم التالي، وأشار ، بحسب روايتهم إلى الحاجة لإجراء أشعة مقطعية وربما تدخل جراحي استكشافي، إلا أن حالة المريضة تدهورت، وفارقت الحياة بعد ساعات قليلة.

أسئلة حول سبب الوفاة

أحد أبرز الأمور التي تطالب الأسرة بالتحقيق فيها هو سبب الوفاة المثبت في الأوراق الرسمية.

وبحسب رواية الأسرة، تضمن التقرير الأولي للوفاة سببًا يتعلق بـ«ضيق في التنفس»، دون الإشارة – وفق قولهم – إلى خضوع المتوفاة لجراحة قبل وفاتها بساعات أو إلى المضاعفات التي تقول الأسرة إنها ظهرت عليها.

وتؤكد الأسرة أن مراجعة الإجراءات الخاصة باستخراج تصريح الدفن شهدت تطورًا لافتًا، بعدما أبدى طبيب تابع لجهة صحية تحفظات على التقرير، وطلب مراجعة الحالة والملف الطبي، معتبرًا – وفق رواية الأسرة – أن هناك ما يستوجب التحقيق.

وهنا تبرز أسئلة لا يمكن حسمها إلا من خلال تحقيق رسمي وفحص طبي متخصص: ماذا حدث أثناء جراحة المنظار؟، ولماذا تحولت العملية إلى جراحة مفتوحة؟، وهل وقعت مضاعفات أثناء العملية؟، وهل تعرضت المريضة لنزيف بعد الجراحة؟، وهل اتخذت الإجراءات الطبية اللازمة في الوقت المناسب؟، وهل كانت حالتها تستوجب نقلها إلى العناية المركزة؟، وهل يتطابق سبب الوفاة المثبت في الأوراق مع حقيقة ما حدث طبيًا؟.

هذه الأسئلة لا تعني إدانة مسبقة لأي طبيب أو مستشفى، لكنها أسئلة مشروعة تفرضها رواية الأسرة وتحتاج إلى إجابات رسمية واضحة.

الأسرة: نريد الحقيقة وليس التشهير

وتقول الأسرة إنها لم تكن تبحث في البداية عن مواجهة أو تصعيد، وإنها وافقت على استكمال إجراءات الدفن تحت وطأة الصدمة، قبل أن تتغير مشاعرها بعد رؤية جثمان المتوفاة أثناء إجراءات الغُسل.

وبحسب رواية الأسرة، فإن ما شاهدوه على الجثمان جعلهم يشعرون بأن هناك أسئلة لم تجد إجابات، وأن حق نعمة في معرفة الحقيقة لا ينبغي أن يضيع.

وتؤكد الأسرة أن هدفها ليس التشهير بأحد، وإنما الوصول إلى الحقيقة، ومحاسبة أي شخص تثبت التحقيقات مسؤوليته، وضمان عدم تكرار ما حدث مع مريض آخر.

ممرضة أفنت سنوات عمرها في خدمة المرضى

المأساة لا تتوقف عند كون نعمة مريضة دخلت المستشفى لإجراء جراحة، وإنما تتعلق – بحسب أسرتها – بسيدة أفنت سنوات طويلة من عمرها في مجال التمريض وخدمة المرضى.

وتقول الأسرة إن نعمة كانت تعمل في مجال التمريض منذ سنوات طويلة، وحصلت على شهادات وتكريمات خلال مسيرتها المهنية، وكانت تقترب من سن المعاش بعد رحلة طويلة داخل المنظومة الصحية.

وتضيف الأسرة أن رحيلها ترك أبناءها وأفراد عائلتها أمام صدمة كبيرة، خصوصًا أن العملية التي دخلت لإجرائها كانت – بحسب وصفهم – جراحة مرارة كان الجميع يأمل أن تعود بعدها إلى منزلها.

هل تحتاج الواقعة إلى تحقيق أوسع؟

ما يزيد من أهمية الواقعة هو أن صاحبة الشكوى نفسها من العاملين في القطاع الصحي، وتقول الأسرة إن ما حدث معها يثير مخاوف بشأن مستوى الرعاية التي يحصل عليها المرضى داخل بعض المنشآت الصحية.

وهنا لا بد من التأكيد أن الحديث عن الإهمال الطبي يجب ألا يتحول إلى اتهام جماعي للأطباء أو أطقم التمريض؛ فآلاف الأطباء والممرضين يعملون يوميًا في ظروف صعبة لإنقاذ المرضى.

لكن في الوقت نفسه، فإن أي واقعة وفاة تكتنفها علامات استفهام تستحق تحقيقًا جادًا وشفافًا، خصوصًا عندما تتحدث الأسرة عن اختلاف بين ما عاشته المريضة خلال ساعاتها الأخيرة وبين ما ورد في الأوراق الرسمية.

مطالب إلى وزارة الصحة والجهات المختصة

وتطالب أسرة «نعمة مهران» بفتح تحقيق عاجل ومحايد في الواقعة، ومراجعة الملف الطبي كاملًا، بما يشمل تقرير العملية والتخدير والتمريض والأدوية والأشعات والفحوص التي أجريت للمريضة.

كما تطالب بتحديد السبب الطبي الحقيقي للوفاة، ومراجعة الإجراءات التي اتخذت عقب ظهور علامات تدهور الحالة، والتحقق من مدى الالتزام بالبروتوكولات الطبية المتبعة.

وتطالب الأسرة كذلك بمراجعة أسباب اختلاف البيانات الواردة في الأوراق الرسمية – إذا ثبت وجود اختلاف بالفعل – والاستماع إلى جميع الأطراف التي تعاملت مع الحالة، وصولًا إلى نتيجة واضحة تعلن للأسرة وللرأي العام.