مع اقتراب صرف منحة المولد النبوي الشريف بقيمة 1500 جنيه للعمالة غير المنتظمة، يعود إلى الواجهة سؤال يتكرر مع كل مناسبة: هل تصمد قيمة ثابتة لم تتغير منذ سنوات أمام موجات الغلاء المتلاحقة، أم أن الفجوة بين حجم الدعم وحجم الأعباء المعيشية باتت أوسع من أن تسدّها منحة تُصرف مرة واحدة كل بضعة أشهر؟

تضخم يتسارع من جديد بعد فترة تباطؤ

بعد شهور من التباطؤ النسبي، عاد معدل التضخم السنوي العام في مصر إلى التسارع ليسجل 13% في يوليو الماضي، مقارنة بنحو 12.2% في يونيو، بينما قفز التضخم في المدن، وهو المؤشر الذي يستهدفه البنك المركزي، إلى قرابة 15%. وتشير توقعات مؤسسات دولية إلى احتمال تصاعد التضخم في مصر إلى ما يقارب 17% خلال النصف الثاني من العام الجاري، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة وتراجع قيمة الجنيه وتأثيرات سنة الأساس، وهو ما قد يؤخر عودة المؤشر إلى المستوى المستهدف رسمياً لعام كامل.

بنود أساسية تلتهم دخل الأسرة قبل أن تصل المنحة

الأخطر من الرقم الإجمالي للتضخم هو توزيعه على بنود الإنفاق الأساسية التي لا غنى للأسر عنها. فقد سجل قطاع السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود زيادة سنوية تجاوزت 31%، فيما قفزت تكلفة خدمات التعليم بنحو 20% مقارنة بزيادة لم تتجاوز 10% في العام السابق، أي أن معدل ارتفاعها تضاعف خلال عام واحد فقط. أما قسم الطعام والمشروبات فقد سجل ارتفاعاً سنوياً قارب 8%، مدفوعاً بزيادة أسعار الحبوب والخبز واللحوم والدواجن والأسماك، حتى وإن شهدت بعض السلع الغذائية تراجعاً طفيفاً على أساس شهري.

بعبارة أخرى، فإن الأسرة التي تعتمد على دخل غير منتظم تواجه في الوقت ذاته ارتفاعاً حاداً في فاتورة السكن والطاقة، وأعباء تعليمية متصاعدة، إلى جانب أسعار غذاء لا تزال أعلى بكثير من مستوياتها قبل عام، بينما تظل قيمة المنحة الموسمية ثابتة عند 1500 جنيه دون أي آلية ربط بمعدل التضخم أو تكلفة المعيشة.

دخل يومي لا يبلغ الحد الأدنى أصلاً

تزداد المفارقة وضوحاً عند مقارنة قيمة المنحة بمستوى الدخل الفعلي لهذه الفئة. فمتوسط الأجر اليومي لعدد من الأنشطة التي تستوعب نسبة كبيرة من العمالة غير المنتظمة، مثل الخدمة المنزلية والزراعة وبعض الأنشطة الصحية والاجتماعية، يتراوح بين 168 و215 جنيهاً، وهو ما يعني أن المنحة بأكملها لا تعادل سوى أجر نحو سبعة إلى تسعة أيام عمل فقط، في مقابل مناسبة تتكرر كل شهرين إلى ثلاثة أشهر. كما أن هذه المتوسطات اليومية تقل، في غالبية الحالات، عن الحد الأدنى للأجر بالساعة الذي حدده المجلس القومي للأجور للعاملين المؤقتين.

فئة واسعة ومنحة محدودة الأثر

يتجاوز عدد العاملين خارج المنشآت في مصر 7.4 مليون شخص، يتركزون بشكل رئيسي في قطاعي التشييد والبناء والنقل والتخزين، وهما من أكثر الأنشطة تأثراً بتقلبات الأسعار وتكاليف الوقود والمواد الخام. ومع ذلك، فإن أعداد المستفيدين الفعليين من كل منحة موسمية لا تتجاوز عادة بضع مئات الآلاف موزعة على مختلف المحافظات، بما يعكس أن نسبة معتبرة من هذه الفئة الواسعة تظل، لأسباب تتعلق بالتسجيل والاستيفاء الشروط، خارج دائرة الاستفادة حتى من هذا الدعم المحدود أصلاً.

دعم مناسباتي في مواجهة أزمة معيشية مستمرة

تكشف هذه المقارنة عن خلل في التوقيت والمنطق أكثر منه في مبدأ الدعم ذاته. فالمنحة تُصرف في مناسبة محددة، بينما الضغط على ميزانية الأسرة يومي ومستمر لا يتوقف عند حدود عيد أو مناسبة دينية. وإذا كانت فاتورة الكهرباء والغاز والمواصلات والتعليم ترتفع شهراً بعد شهر بمعدلات تفوق التضخم العام نفسه، فإن قيمة ثابتة تُصرف مرة كل بضعة أشهر تفقد جزءاً متزايداً من قدرتها الشرائية مع كل موجة غلاء جديدة تسبق موعد صرفها التالي.

فهل يظل الحل في زيادة قيمة المنحة الموسمية بما يواكب معدلات التضخم الفعلية، أم أن معالجة أزمة العمالة غير المنتظمة تتطلب أدوات أكثر استدامة، من قبيل دعم نقدي دوري أو تأمين ضد تقلبات الأسعار، بما يحمي هذه الفئة من كون دعمها الوحيد رهيناً بتوقيت المناسبات بدلاً من تزامنه مع حجم الأعباء الفعلية التي تواجهها على مدار العام؟