دفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران حكومات في أوروبا وآسيا إلى تسريع خطط التوسع في الطاقة المتجددة، في محاولة لتقليص الاعتماد على واردات الوقود الأحفوري، في وقت أدى فيه اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى زيادة المخاوف بشأن أمن إمدادات النفط والغاز عالميًا.
ومع مرور ستة أشهر على الحرب، بدأت تداعيات أزمة الطاقة تتجاوز ارتفاع الأسعار واضطراب الإمدادات، لتدفع دولًا وشركات ومستهلكين إلى إعادة النظر في مصادر الطاقة التي يعتمدون عليها، خصوصًا مع تصاعد المخاطر المرتبطة بالوقود المستورد.
وتعهدت حكومات، من كوريا الجنوبية وتايلاند وصولًا إلى الاتحاد الأوروبي، بزيادة تمويل مشروعات الطاقة المتجددة، بالتزامن مع تصاعد إنتاج الكهرباء من المصادر النظيفة، وسط توقعات الوكالة الدولية للطاقة بأن تصبح الطاقة المتجددة أكبر مصدر للكهرباء عالميًا للمرة الأولى خلال العام الجاري.
الطاقة الشمسية في صدارة البدائل
وأثبتت الطاقة الشمسية، ولا سيما الأنظمة المثبتة على أسطح المنازل، قدرة كبيرة على جذب المستهلكين منذ اندلاع الحرب، مستفيدة من سرعة تركيبها وانخفاض تكلفتها مقارنة ببعض البدائل.
وفي الفلبين، دفعت الزيادة في أسعار الكهرباء الناتجة عن ارتفاع تكلفة الوقود المستورد الأسر والشركات إلى التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، بينما أسهم برنامج لدعم البطاريات في أستراليا في تنشيط تركيب أنظمة الطاقة الشمسية المنزلية.
كما ارتفع الطلب الأوروبي على أنظمة الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل منذ بدء الحرب، في مؤشر على أن أزمة الطاقة لا تدفع الحكومات فقط إلى إعادة صياغة سياساتها، بل تغير أيضًا سلوك المستهلكين في أسواق الكهرباء.
ورغم هذا التحول، لا تزال الطاقة المتجددة تواجه تحديًا رئيسيًا يتمثل في قدرتها المحدودة على توفير الكهرباء بصورة مستقرة على مدار الساعة، وهو ما يبقي مصادر الوقود التقليدية حاضرة بقوة في مزيج الطاقة العالمي.
الفحم يعود رغم نمو الطاقة النظيفة
ومع اضطراب حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ارتفع الطلب على الفحم، في ظل استمرار الحاجة إلى مصادر يمكنها توفير الكهرباء بصورة مستقرة عندما لا تكون الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح متاحة.
وتتوقع الوكالة الدولية للطاقة نمو إنتاج الطاقة المتجددة بنسبة 8.5% خلال العام الجاري، وهي زيادة تفوق بكثير النمو المتوقع في إنتاج الكهرباء من الفحم، البالغ نحو 1.4%.
وفي الولايات المتحدة، ورغم موقف الرئيس دونالد ترامب المعارض للطاقة الخضراء، ارتفع إنتاج الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة بنسبة 10% خلال النصف الأول من العام مقارنة بالفترة نفسها من عام 2025.
لكن نمو الطاقة النظيفة لم يكن كافيًا لمنع ارتفاع الانبعاثات، إذ تتوقع الوكالة الدولية للطاقة زيادة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 1.1% هذا العام، لتصل إلى مستوى قياسي يقدر بنحو 14.2 مليار طن.
وتشير توقعات الوكالة إلى أن إنتاج الفحم قد ينخفض بنسبة 0.7% في عام 2027، بينما يرتفع إنتاج الكهرباء من الغاز بنسبة 1.5% مقارنة بمستويات العام الحالي، ما يعكس استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري خلال المرحلة الانتقالية.
وتؤكد هذه التطورات أن تسريع التحول في قطاع الطاقة لا يرتبط فقط بزيادة قدرات توليد الكهرباء من المصادر المتجددة، وإنما يحتاج أيضًا إلى استثمارات ضخمة في شبكات الكهرباء وأنظمة تخزين الطاقة، بما يسمح بدمج مصادر الطاقة المتقطعة في منظومة كهرباء أكثر استقرارًا.
أزمة النفط تسرّع التحول إلى السيارات الكهربائية
ولم تؤد الحرب إلى انهيار الطلب العالمي على النفط، إلا أنها غيرت مسار النمو الذي كان متوقعًا قبل اندلاعها، خاصة في قطاع النقل الذي يستهلك الجزء الأكبر من النفط العالمي لتشغيل السيارات والشاحنات والسفن والطائرات.
وساهمت الأسعار المرتفعة للوقود، إلى جانب تراجع السفر الجوي وضعف الاستهلاك في الصين وتسارع انتشار السيارات الكهربائية، في دفع الاستهلاك النفطي لقطاع النقل إلى مستويات أدنى من التوقعات السابقة للحرب.
وتقدر مؤسسة «جولدمان ساكس» أن الطلب المرتبط بالبنزين انخفض بنحو 20% عند ذروة الاضطرابات في أبريل، بينما قدرت شركة «جي إل» للاستشارات أن التراجع اقترب من 15%.
ومع ارتفاع تكلفة الوقود، اتجه مزيد من السائقين نحو السيارات الكهربائية، في وقت تجاوزت فيه قيمة صادرات السيارات الكهربائية الصينية 10 مليارات دولار للمرة الأولى خلال العام الجاري، لتواصل الصين تعزيز موقعها كأكبر منتج للسيارات الكهربائية في العالم.
وفي يونيو، شكلت السيارات الكهربائية 63% من مبيعات التجزئة لسيارات الركوب في الصين، مقابل 53% خلال الشهر نفسه من العام الماضي، وفقًا لمحللي بنك أوف أمريكا، الذين قدروا أن التحول إلى السيارات الكهربائية يفسر نحو ثلث الانخفاض في واردات الصين من النفط الخام منذ بداية العام.
وامتد هذا التحول إلى أوروبا أيضًا، حيث ارتفعت مبيعات السيارات الكهربائية بقوة منذ بدء الحرب، مدفوعة جزئيًا بارتفاع أسعار النفط وزيادة تكلفة التزود بالوقود بالنسبة للمستهلكين.
أمن الطاقة يعيد رسم الأولويات
وتكشف هذه التطورات أن الحرب لم تؤد فقط إلى اضطراب أسواق النفط والغاز، وإنما سرعت إعادة تقييم مفهوم أمن الطاقة عالميًا. فالدول التي تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الوقود أصبحت أمام حافز إضافي لتطوير مصادر محلية للطاقة، سواء عبر الطاقة الشمسية أو الرياح أو تخزين الكهرباء، إلى جانب السيارات الكهربائية.
وفي المقابل، يكشف استمرار نمو الفحم والغاز عن صعوبة التخلي السريع عن الوقود الأحفوري، خصوصًا في ظل الحاجة إلى إمدادات كهرباء مستقرة وعدم قدرة مصادر الطاقة المتجددة وحدها، حتى الآن، على تلبية جميع احتياجات الشبكات على مدار الساعة.
وبذلك، تبدو أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب عاملًا مزدوجًا؛ فهي من جهة تعيد الاعتبار إلى الوقود الأحفوري باعتباره مصدرًا سريعًا وموثوقًا للإمدادات في أوقات الأزمات، لكنها من جهة أخرى تمنح الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية دفعة قوية باعتبارهما أدوات لتقليل التعرض لصدمات أسواق النفط والغاز.
ومع استمرار الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة وتخزين الكهرباء وتطوير شبكات أكثر مرونة، قد تتحول تداعيات الحرب إلى نقطة تسارع في مسار تحول الطاقة العالمي، حتى وإن ظل الوقود الأحفوري جزءًا أساسيًا من مزيج الطاقة خلال السنوات المقبلة.
بريطانيا وأستراليا وكندا تطالب بمحاسبة المسؤولين عن هجوم «الم...
