في كل موسم سياسي تقريبًا، تعلن الأحزاب المصرية عن لجنة جديدة: لجنة للاتصال السياسي، لجنة لخدمة المواطنين، لجنة لمتابعة الأداء التشريعي، أو لجنة لتنظيم الصفوف استعدادًا لاستحقاق انتخابي مقبل. لكن السؤال الذي يتكرر معه بإلحاح أكبر هو: هل تتحول هذه الهياكل من مجرد تشكيلات على الورق إلى أذرع فعلية تلمس احتياجات المواطن اليومية، أم تظل حبيسة قاعات الاجتماعات وبيانات الصحافة؟ مع اقتراب البرلمان من إقرار قانون جديد للإدارة المحلية، وبروز انتخابات المجالس الشعبية كاستحقاق مرتقب، تجد الأحزاب نفسها أمام اختبار مزدوج: إثبات قدرتها التنظيمية من جهة، وإثبات جدواها في حياة الناس من جهة أخرى.
خريطة اللجان الجديدة.. تعدد الأدوات وسؤال الفاعلية
شهدت الأشهر الأخيرة تحركًا لافتًا داخل عدد من الأحزاب لإنشاء أو تفعيل لجان تُعنى مباشرة بالتواصل مع المواطنين. ففي فبراير 2026، أصدر رئيس حزب الوفد قرارًا بتشكيل لجنة للاتصال السياسي وخدمة المواطنين، مهمتها استقبال الشكاوى والطلبات الإنسانية والحزبية من مختلف المحافظات عبر مندوبين ميدانيين، ثم دراستها وإحالتها إلى الوزارات والهيئات المعنية ومتابعتها حتى انتهائها. هذا النموذج، القائم على وجود حلقة وصل مباشرة بين المقر المركزي وأبناء المحافظات، يمثل أحد أكثر المحاولات وضوحًا لترجمة الهيكل التنظيمي إلى خدمة فعلية قابلة للقياس.
في المقابل، تتجه أحزاب أخرى إلى تكثيف عمل لجانها النوعية داخل البرلمان، حيث تناقش الهيئات البرلمانية لبعض الأحزاب الأداء التشريعي لنوابها في اللجان النوعية المختلفة، وتربط هذا الأداء بملفات تمس المواطن مباشرة مثل الموازنة العامة للدولة وأعباء المعيشة. وبقدر ما تعكس هذه التحركات وعيًا حزبيًا متزايدًا بأهمية الحضور الميداني، فإنها تطرح في الوقت ذاته سؤالًا عن الفارق بين وجود اللجنة كإطار تنظيمي معلن، ووجودها كأداة تعمل فعليًا وتُحدث أثرًا يشعر به المواطن في قريته أو حيه.
اختبار الشارع.. بين الإنجاز الحقيقي وصورة العمل الحزبي
تتكرر داخل الأوساط السياسية والصحفية ملاحظة مفادها أن جانبًا واسعًا من النشاط الحزبي لا يزال يُقاس بعدد الاجتماعات المعقودة والصور الموثقة، أكثر مما يُقاس بأثر فعلي في حياة الناس. وحين يتحول الهدف إلى إرضاء القيادات بدلًا من خدمة المواطنين، تتسع الفجوة بين الحزب والشارع، ويفقد المواطن تدريجيًا ثقته في جدوى الانتماء الحزبي أو حتى متابعة نشاطه.
هذه الفجوة تحديدًا هي ما تحاول اللجان الجديدة سدها، لكن نجاحها مرهون بعوامل عملية: هل تملك اللجنة موارد بشرية ومالية كافية لمتابعة الشكاوى حتى نهايتها؟ هل يمتد حضورها إلى القرى والمراكز البعيدة عن العاصمة أم يقتصر على المقار الرئيسية؟ وهل تُقاس كفاءتها بعدد الطلبات التي أُنجزت فعليًا أم بعدد الطلبات التي استُقبلت فقط؟ في غياب مؤشرات واضحة للمتابعة والمساءلة الداخلية، تبقى اللجان عرضة لأن تتحول إلى واجهة تنظيمية أكثر منها أداة تغيير.
انتخابات المحليات.. الاختبار العملي الأكبر
يكتسب هذا الجدل زخمًا إضافيًا مع تقدم مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد في أروقة البرلمان تمهيدًا لإقراره وتحديد موعد لاحق لإجراء الانتخابات. ويتضمن المشروع نظامًا انتخابيًا مختلطًا يمنح 25% من المقاعد للنظام الفردي و75% لنظام القوائم المغلقة المطلقة، إلى جانب اشتراطات لتمثيل الفئات الدستورية تشمل 25% للشباب و25% للمرأة، وما لا يقل عن 50% للعمال والفلاحين، فضلًا عن تمثيل للمسيحيين وذوي الإعاقة. كما يستحدث القانون هياكل جديدة، من بينها وزارة لدعم اللامركزية، وأكاديمية لتأهيل قيادات الإدارة المحلية، ومجلس أعلى للإدارة المحلية برئاسة رئيس الوزراء، إلى جانب تفعيل أدوات رقابية كالسؤال وطلب الإحاطة والاستجواب ولجان تقصي الحقائق.
هذا الإطار التشريعي الجديد يضع الأحزاب أمام استحقاق مضاعف: فمن جهة، عليها أن تُعد قوائم مؤهلة تلتزم بالنسب المستحدثة وتضم كفاءات قادرة فعليًا على العمل داخل المجالس، ومن جهة أخرى، تُطرح دعوات داخل الأوساط الحزبية نفسها إلى ضرورة تدشين دورات تدريبية لأعضاء المحليات المرتقبين، تشرح لهم طبيعة العمل المطلوب والتحديات السياسية والاقتصادية المحيطة به، باعتبار أن غياب الاستعداد الجاد قد يفرغ التمثيل المحلي من مضمونه حتى قبل أن يبدأ. وتذهب بعض القراءات إلى أن الاستعداد لهذا الاستحقاق يمثل فرصة حقيقية أمام الأحزاب لإثبات حضورها عبر دفع قيادات شابة وكفاءات ميدانية، وتحويل العمل الحزبي من نشاط موسمي مرتبط بمواعيد الانتخابات إلى عمل مؤسسي دائم متجذر في الشارع.
سؤال مفتوح
بين لجان مركزية تعد بحل مشكلات المواطن، وبرلمان يناقش إطارًا تشريعيًا جديدًا للإدارة المحلية، تقف الأحزاب المصرية عند مفترق طرق فعلي لا شعاراتي. فالمجالس المحلية المرتقبة ستكون، في نهاية المطاف، الاختبار العملي الذي يكشف ما إذا كانت اللجان التي شُكّلت في المقار المركزية قد نجحت في الوصول إلى القرية والمركز والحي، أم أنها ستظل- كما كانت من قبل- إطارًا تنظيميًا ينتظر استحقاقًا انتخابيًا جديدًا ليعاد تفعيله شكليًا. فهل تراجع الأحزاب فعلًا أدواتها الداخلية وتعيد ترتيب أولوياتها بما يقرّبها من المواطن، أم تبقى المسافة بين اللجان والشارع كما هي، تتسع كلما اقترب موعد صندوق الانتخابات؟.
