أفاد مصدر أمني عراقي أن حكومة علي الزيدي تعمل على بلورة آلية جديدة للتعامل مع الفصائل المسلحة الرافضة لحصر السلاح.

وأضاف المصدر ، أن الآلية لا تكتفي بجمع ترسانة الفصائل المسلحة أو نقلها إلى مخازن الدولة، بل تذهب إلى تفكيك بنيتها البشرية والتنظيمية، عبر استيعاب المقاتلين الراغبين في البقاء ضمن المؤسسات الرسمية بصورة فردية، وتوزيعهم على تشكيلات ومناطق مختلفة.

وقال المصدر : إن التصور المطروح يقوم على "الفصل بين المقاتل والفصيل"، بحيث يمكن الاحتفاظ بآلاف العناصر ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية، ولكن بعد قطع ارتباطهم بالتشكيلات والقيادات التي كانوا يعملون تحت إمرتها، ومنع انتقال أي فصيل بكامل هيكله إلى داخل الدولة.

وأضاف أن المخاوف تتركز على أن يؤدي دمج الفصائل كوحدات متكاملة إلى نقل المشكلة إلى المؤسسات الرسمية بدلًا من إنهائها، ولذلك تتضمن الأفكار المطروحة تفريق العناصر على وحدات ومحافظات مختلفة ووضعهم تحت قيادة ضباط من الجيش العراقي والأجهزة الرسمية.

وبحسب المصدر، فإن الهدف هو الوصول عمليًا إلى صيغة "مقاتلين بلا فصائل"؛ يحتفظ فيها العنصر بوظيفته وحقوقه، بينما يفقد الفصيل القدرة على تحريك أفراده ككتلة عسكرية مستقلة.

وقال الباحث السياسي العراقي الدكتور مهند الجنابي : إن المشكلة الأساسية باتت تتعلق بالآلية أكثر من مبدأ حصر السلاح نفسه، لافتًا إلى أن المتحدث باسم الحكومة تحدث صراحة عن وجود اختلاف بين بغداد والفصائل حول الآلية، وعن نقاشات تستهدف إزالة مخاوف الأخيرة من نوايا الحكومة.

وأضاف الجنابي : أن بغداد منذ إطلاق خطة حصر السلاح، لم تكن واضحة بما يكفي بشأن الآلية التي تعاملت بها مع الفصائل التي استجابت مبكرًا، مثل عصائب أهل الحق وكتائب الإمام علي وغيرها، إذ أعلنت هذه الجماعات فك ارتباطها بالحشد الشعبي وانتقلت إلى العمل السياسي، من دون أن يكون واضحًا للرأي العام كيف جرى تفكيك تشكيلاتها وماذا حدث لعناصرها.

أما الفصائل التي ما تزال ترفض حصر السلاح، بحسب الجنابي، فإن الحكومة لم تحسم حتى الآن الآلية النهائية للتعامل معها، رغم أن "المتطلبات الوطنية تقتضي أن تفرض الحكومة الآلية التي تراها مناسبة"، حتى مع اعتراض الفصائل أو حلفائها داخل الإطار التنسيقي.

ويكتسب الجدل أهمية إضافية مع ظهور مؤشرات على تراجع صرامة مهلة 30 سبتمبر ، بالتوازي مع تغير المصطلحات المستخدمة في بغداد.

ويلفت الجنابي إلى أن الحديث بدأ يتحول من "حصر السلاح" إلى "تنظيم السلاح"، وهو تعبير بات يصدر، وفق قوله، عن أطراف حكومية وأخرى مقربة منها، وكذلك عن قوى تمثل الأجنحة السياسية للفصائل داخل الإطار التنسيقي.

وتحدثت تقارير عراقية عن مقترحات تتضمن تجميد النشاط العسكري لبعض الفصائل لمدة عامين بدلًا من حلها فورًا، فيما تتمسك جماعات رافضة لحصر السلاح بالحفاظ على تشكيلاتها وعدم تحويل مقاتليها إلى أفراد منفصلين داخل المؤسسات الرسمية.

ويرى الجنابي أن تفريق المقاتلين على الجيش والداخلية وبقية الأجهزة يمكن أن يشكل أحد أكثر الخيارات فاعلية لإنهاء الوجود المستقل للفصائل، مستعيدًا تجربة منظمة بدر بعد عام 2003، عندما أُدخلت أعداد كبيرة من عناصرها إلى وزارة الداخلية.

وأشار إلى أن إدخال عناصر بدر ضمن تشكيلات مترابطة ترك آثارًا خطيرة في السنوات الأولى، ظهرت خلال أحداث العنف الطائفي بين عامي 2005 و2007، قبل أن تتمكن الدولة تدريجيًا من إحكام سيطرتها على الوزارة.

وأوضح أن درس اليوم هو عدم تكرار التجربة بالطريقة نفسها: لا تدخل الكتائب إلى الدولة، بل يدخل أفرادها، موزعين على تشكيلات مختلفة وتحت سلاسل قيادة رسمية.

ويعتبر الجنابي أن الجيش العراقي بات مؤسسة قادرة على استيعاب عناصر الجماعات المسلحة عندما ينضمون إليه بصورة فردية، وأن توزيعهم يقلل مخاطر تحولهم إلى كتل فصائلية داخل الأجهزة الرسمية.

من جهته، يرى الباحث السياسي العراقي فراس إلياس، أن نجاح الآلية سيتوقف على طريقة الدمج أكثر من مبدأ الدمج نفسه.

وقال إلياس : إن التعامل مع المقاتلين كأفراد وتوزيعهم على مؤسسات وتشكيلات ومناطق مختلفة سيكون أكثر فاعلية من دمج الفصائل كوحدات متكاملة، لأن الخيار الثاني "يعني عمليًا نقل الفصيل بهيكله وقيادته وعلاقاته الداخلية إلى داخل الدولة، وليس إنهاءه".

وحذر إلياس من أن تفكيك الهيكل العسكري لا يؤدي تلقائيًا إلى تفكيك شبكة الولاء، فإذا احتفظ العناصر بعلاقاتهم السابقة بقيادات الفصائل، واستمر تأثير هذه القيادات عليهم ماليًا وسياسيًا وعقائديًا، فقد تنتقل المشكلة من تشكيلات مسلحة خارج المؤسسات إلى شبكات منظمة داخلها، وهو سيناريو أكثر تعقيدًا على المدى البعيد.

وحدد إلياس ثلاثة شروط لنجاح المشروع: تفكيك التسلسل القيادي السابق، وقطع الارتباط التنظيمي والمالي بين المقاتل والفصيل، وإخضاع الجميع لسلسلة أوامر وانضباط مؤسسي واحدة، إضافة إلى توزيع العناصر بطريقة تمنع إعادة تكوين الكتل القديمة داخل الوحدات الرسمية.

وبحسب إلياس، فإن المطلوب ليس فقط "نقل المقاتل من الفصيل إلى الدولة، وإنما نقل ولائه أيضًا من الفصيل إلى الدولة"، وإلا لن يتجاوز الأمر تغيير الزي والراتب والصفة القانونية، بينما تبقى شبكة القيادة السابقة حية تحت السطح.

وهنا يلتقي الجنابي وإلياس عند جوهر المعضلة، وإن كان من زاويتين مختلفتين: الأول يرى أن تفريق العناصر قادر على إنهاء الفصائل إذا امتلكت الحكومة إرادة تطبيقه، فيما يحذر الثاني من أن الفصيل قد يختفي كهيكل ظاهر ويستمر كشبكة ولاء داخل الدولة.

وتبقى، وفق الجنابي، العقبة الأكبر هي قبول الفصائل نفسها بهذه الصيغة؛ إذ قد ترفض الجماعات الأكثر تشددًا تفكيك وحداتها وتتمسك بسلاحها خارج إطار الدولة، ما يضع بغداد أمام اختبار يتجاوز تفاصيل الدمج إلى قدرتها على فرض القرار الرسمي.

وهكذا تبدو المعركة المقبلة مختلفة عن مجرد جمع الصواريخ والمسيّرات، فبغداد تستطيع أن تعرض على المقاتل وظيفة ورتبة ومكانًا داخل الدولة، لكن نجاح خطتها يتطلب تفكيك الجيش الذي ينتمي إليه قبل دخوله، ثم قطع شبكة الولاء التي تربطه به بعد دخوله.

فإذا نجحت، ستكون قد بدأت تفكيك جيوش الفصائل مقاتلًا مقاتلًا، أما إذا اكتفت بتغيير الزي والراتب، فقد تكتشف لاحقًا أنها لم تُذب الفصائل داخل الدولة، بل أدخلت جيوش إيران إليها بملابس رسمية.

للمذيد «فضيحة تهز الداخل الاسرائيلي» .. نتنياهو يجري "مفوضات سرية" مع حماس

للمذيد حكومة «التناوب» اتفاق سياسي قد يشكل "خروج أمن" لنتنياهو