مع كل فصل صيف تتكرر الشكوى نفسها في بيوت مصرية كثيرة: فاتورة كهرباء تصل بقيمة تفوق التوقعات، تُقارَن بفاتورة الشهر السابق فتظهر قفزة يصعب تفسيرها بزيادة الاستهلاك وحدها. وبين مواطن يشك في دقة القراءة، وآخر يكتشف أن عداده لم يُقرأ فعليًّا منذ شهور وأن الفاتورة الأخيرة "تقديرية"، تتحول مسألة قراءة العداد من تفصيلة روتينية إلى نقطة احتكاك متكررة بين المشترك وشركة التوزيع.

فكيف يمكن للمواطن أن يتتبع رحلة فاتورته منذ لحظة القراءة وحتى صدورها، وأين تكمن نقاط المراجعة التي تحميه من مفاجآت لا مبرر لها؟

القراءة.. أول نقطة قد يبدأ منها الخلل

تبدأ الأزمة غالبًا من حلقة القراءة نفسها؛ فحين يتعذر على "كشاف الكهرباء" الوصول إلى العداد بانتظام، تلجأ شركة التوزيع إلى تسجيل قراءة تقديرية بدلًا من القراءة الفعلية، وهو ما قد يراكم فروقًا كبيرة تظهر دفعة واحدة في فاتورة لاحقة حين تُسجَّل القراءة الحقيقية أخيرًا. ولمواجهة هذا الخلل، أتاحت وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة للمشترك تسجيل قراءة عداده بنفسه عبر تطبيق المنصة الموحدة لخدمات الكهرباء، من خلال تصوير شاشة العداد وإرسالها خلال نافذة زمنية محددة قرب نهاية كل شهر، بما يضمن احتساب الفاتورة على أساس استهلاك فعلي لا تقديري.

وينصح بأن يحرص المشترك على تدوين قراءة عداده بانتظام ولو يدويًّا، ومقارنتها بالقراءة المذكورة في الفاتورة الشهرية فور صدورها، بدلًا من الاكتفاء بالنظر إلى القيمة النهائية للمبلغ المطلوب سداده.

المراجعة.. اختبار بسيط قبل الشك في العداد

حين تبدو الفاتورة مرتفعة بشكل غير مبرر، توصي الجهات المعنية بإجراء اختبار مبدئي بسيط قبل التوجه بشكوى رسمية: فصل جميع الأجهزة الكهربائية في المنزل من "الفيش" مباشرة وليس فقط من مفاتيح الإضاءة، ثم تسجيل قراءة العداد في تلك اللحظة، وإعادة تسجيلها مرة أخرى بعد مرور خمس عشرة دقيقة مع بقاء كل الأجهزة مفصولة. فإذا ظهر أي تغير في القراءة رغم انعدام الاستهلاك الفعلي خلال هذه الفترة، يصبح ذلك مؤشرًا محتملًا على عطل فني بالعداد يستحق المتابعة الرسمية.

كما تنصح الجهات المعنية بعدم الانتظار حتى صدور الفاتورة التالية عند ملاحظة أي تباين بين القراءة الفعلية والقراءة المسجلة، بل تصوير القراءة فور ملاحظة الفارق والاحتفاظ بالصورة موثقة بتاريخها، لتكون مستندًا داعمًا عند تقديم أي اعتراض لاحق.

الشكوى.. الخطوة الرسمية الأولى عبر شركة التوزيع

إذا أكدت المراجعة المبدئية وجود خلل، تبدأ الخطوة الرسمية الأولى بالتوجه إلى شركة توزيع الكهرباء التابعة لمنطقة سكن المشترك، سواء عبر مراكز خدمة العملاء أو القنوات الإلكترونية المتاحة، لتقديم طلب فحص للعداد أو اعتراض على الفاتورة. ويشمل الطلب عادة بيانات العداد ورقم المشترك وكود السداد الإلكتروني، إضافة إلى صورة واضحة تظهر القراءة الحالية للعداد، وصورة من الفاتورة محل الاعتراض، وقدر الإمكان عددًا من الفواتير السابقة لمقارنة أنماط الاستهلاك عبر الأشهر.

ويحدد المواطن نوع شكواه وفق طبيعة المشكلة التي يواجهها، سواء كانت "عدم انتظام في قراءة عداد استهلاك الطاقة الكهربائية" في حال الاشتباه في قراءات تقديرية متكررة، أو "أعطال فنية في عداد استهلاك الطاقة الكهربائية" في حال الاشتباه في عطل داخلي بالعداد نفسه.

إعادة الفحص والتصعيد.. حين لا تكفي شكوى الشركة

في حال عدم استجابة شركة التوزيع للشكوى، أو عدم اقتناع المشترك بنتيجة الفحص الذي أجرته، يحق له تصعيد شكواه إلى الجهة الرقابية المختصة، وهي جهاز تنظيم مرفق الكهرباء وحماية المستهلك، الذي يتلقى شكاوى المستهلكين المتعلقة بخدمات الكهرباء عبر موقعه الإلكتروني الرسمي. ويشترط الجهاز عند النظر في أي شكوى مصعّدة أن يكون المشترك قد تقدم بها أولًا إلى شركة الكهرباء ولم تُحل، مع إرفاق صورة من الشكوى الأصلية ورد الشركة عليها، وكل المستندات المؤيدة التي جُمعت في المراحل السابقة.

ومن هنا تتضح أهمية توثيق كل خطوة من رحلة الشكوى منذ البداية؛ فكل صورة للعداد، وكل رقم طلب، وكل رد رسمي من الشركة، يشكل جزءًا من ملف يمكن أن يحسم النزاع لصالح المشترك عند التصعيد، بدلًا من العودة لتكرار الإجراءات من نقطة الصفر.

يبقى السؤال المطروح أمام آلاف المشتركين الذين يواجهون هذا المسار كل موسم: هل تكفي هذه القنوات المتاحة لحسم الخلاف قبل أن يتحول إلى أزمة متكررة مع كل فاتورة، أم أن الحل الأعمق يكمن في تطوير آليات القراءة نفسها بما يمنع نشوء الخلاف من الأساس؟