أعاد صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري فتح باب الجدل حول أحقية الفئات المختلفة في الحصول على وحدات الإسكان، بعد التأكيد على قواعد ترتيب الأولويات التي تمنح المتزوج ويعول الصدارة، بينما يأتي الأعزب في ترتيب متأخر.
القواعد تبدو واضحة على الورق، لكن عند وضعها أمام واقع الشباب تصبح القصة أكثر تعقيدًا: الأسرة التي لديها أبناء تحتاج إلى السكن بالفعل، لكن الشاب الذي لم يتزوج قد يكون عدم امتلاكه مسكنًا أحد الأسباب الرئيسية التي حالت دون زواجه من الأساس.
وهنا يظهر السؤال الذي يشغل قطاعًا من الشباب: هل ينتظر الشاب حتى يتزوج لكي يحصل على أولوية أكبر في الإسكان، أم أن توفير المسكن يمكن أن يكون خطوة تساعده أصلًا على الزواج؟
المتزوج ويعول في المقدمة.. والأعزب في النهاية
وفقًا لقواعد ترتيب الأولويات، يأتي المتزوج ويعول في مقدمة المستحقين، يليه الأرمل ويعول، ثم المطلق ويعول، ثم المتزوج الذي لا يعول، بينما يأتي الأعزب في ترتيب لاحق، وذلك وفقًا للقواعد المنظمة للمفاضلة بين المتقدمين.
ومن منظور الدولة، يبدو المعيار قائمًا على حجم المسؤولية الأسرية؛ فالشخص الذي يعول زوجة وأبناء لديه احتياجات سكنية مباشرة تمس استقرار أسرة كاملة، وبالتالي تكون له أولوية عند وجود تزاحم بين المتقدمين.
وهنا يجب التأكيد على أن وجود الأعزب في ترتيب متأخر لا يعني عدم استحقاقه، وإنما يتعلق بترتيب الأولوية عند المفاضلة بين المستحقين وفقًا للقواعد المحددة.
«أنا أعزب عشان الشقة»
في المقابل، تبدو الصورة مختلفة من وجهة نظر بعض الشباب المقبلين على الزواج.
فالشاب الذي لم يتزوج ليس بالضرورة شخصًا اختار تأجيل الزواج، بل قد يكون المسكن أحد أكبر العوائق أمام اتخاذ هذه الخطوة.
ومع ارتفاع تكاليف الزواج، وشراء الأثاث والتجهيزات، إلى جانب أسعار الإيجارات والوحدات السكنية، أصبحت القدرة على توفير مسكن مناسب عنصرًا أساسيًا في قرار الزواج.
وهنا تأتي المفارقة شاب استطاع توفير مسكن وتزوج وأصبح يعول.. يحصل على أولوية أعلى.
بينما شاب لم يستطع توفير المسكن، وبالتالي لم يتزوج.. يأتي في ترتيب متأخر.
ومن هنا خرج السؤال الأكثر إثارة للجدل: هل الإسكان يعالج مشكلة الأسرة بعد تكوينها، أم يمكن أن يكون أيضًا وسيلة لمساعدة الشباب على تكوين أسر جديدة؟
«اتجوز الأول وبعدين خد شقة».. هل هذه هي الرسالة؟
بالطبع، لا يمكن اختزال سياسة الإسكان في هذه الجملة، كما لا يمكن القول إن الدولة تقصد حرمان الشباب من السكن.
لكن المفارقة التي يراها البعض تستحق النقاش؛ لأن الزواج والسكن أصبحا مرتبطين بصورة شديدة.
فالشاب يحتاج إلى شقة حتى يستطيع الزواج، بينما ترتيب الأولويات يمنح الأسرة القائمة مركزًا متقدمًا عندما يحدث تزاحم على الوحدات.
وبالتالي، فإن السؤال ليس بالضرورة: من الأحق؟
بل ربما يكون السؤال الأدق: كيف يمكن توفير مسارات إسكان مختلفة تستوعب احتياجات الأسرة القائمة واحتياجات الشباب المقبل على الزواج في الوقت نفسه؟
هل الحل تغيير الأولويات؟
إعادة ترتيب الأولويات قد تبدو حلًا مباشرًا، لكنها ليست بالضرورة الحل الوحيد.
فالأسرة التي لديها أطفال لا يمكن تجاهل احتياجاتها، وفي الوقت نفسه فإن أزمة الشباب المقبل على الزواج تحتاج إلى معالجة حقيقية.
لذلك قد يكون الحل الأكثر تأثيرًا في زيادة المعروض السكني وتنوعه، مع وجود برامج ومسارات واضحة للفئات المختلفة، بحيث لا يضطر الشباب والأسر القائمة إلى الدخول في منافسة مباشرة على عدد محدود من الوحدات.
الأزمة ليست في «المتزوج ولا الأعزب» فقط
في النهاية، الجدل الدائر حول ترتيب أولويات الإسكان يكشف أزمة أكبر من مجرد ترتيب المتقدمين.
فالإسكان أصبح مرتبطًا بالزواج، والاستقرار، وتكوين الأسرة، وحتى بالقرار الذي يتخذه الشباب بشأن مستقبلهم.
الأسرة القائمة تقول: نحن لدينا أطفال ومسؤوليات ونحتاج إلى الاستقرار، والشاب يقول: أعطوني فرصة أمتلك بها مسكنًا حتى أستطيع أن أبدأ حياتي.
وكلاهما لديه منطق يمكن فهمه.
الشقة قبل الزواج أم الأسرة أولى؟
القضية الحقيقية هنا ليست البحث عن فائز في معركة «المتزوج ضد الأعزب»، وإنما البحث عن سياسة إسكان تستطيع التعامل مع الاحتياجين معًا.
من الطبيعي أن تحصل الأسرة التي تعول أطفالًا على حماية اجتماعية، لكن من الطبيعي أيضًا أن يُنظر إلى السكن باعتباره إحدى الأدوات التي يمكن أن تساعد الشباب على تكوين أسر جديدة.
ولهذا، فإن زيادة عدد الوحدات وتنوع برامج الإسكان قد تكون أكثر فاعلية من مجرد إعادة ترتيب قائمة الأولويات.
لأن السؤال الأصعب ليس: من يأخذ الشقة أولًا يل لماذا أصبح امتلاك الشقة أصلًا شرطًا مؤثرًا في قرار ملايين الشباب بالزواج؟
