تفتح الوثائق الأثرية المحفوظة في المتاحف العالمية أبواباً واسعة للجدل التاريخي والعقائدي، لا سيما حين تتقاطع نصوصها القديمة مع الروايات الدينية المقدسة. وفي قلب هذا الجدل تبرز "بردية إيبوير" (Papyrus Leiden I 344) المحفوظة في المتحف الوطني للآثار بمدينة ليدن الهولندية، وهي وثيقة أدبية مكتوبة بالخط الهيراطيقي تعود في نسختها الفيزيائية إلى القرن الثالث عشر قبل الميلاد (عصر الدولة الحديثة)، بينما يُرجح المؤرخون أن نصها الأصلي صِيغ في أواخر عصر الدولة القديمة أو عهد الانتقال الأول.


وبينما يتعامل المجتمع الأكاديمي مع البردية باعتبارها تعبيراً أدبياً عن حالة فوضى سياسية واجتماعية واقتصادية عارمة ضربت مصر، يرى المؤرخ محمود عبدالحي أن التطابق المدهش بين تفاصيلها والنصوص القرآنية والتوراتية لقصة نبي الله موسى عليه السلام يتجاوز حدود الصدفة البحتة، ليقدم شهادة تاريخية فريدة من نوعها وثّقت سنوات العذاب والتحول الكبرى على أرض مصر.


بلاط الفراعنة وساحات المحنة: ملامح التطابق في دراسة المؤرخ محمود عبدالحي


تستعرض الدراسة المقارنة التي أجراها المؤرخ محمود عبدالحي ثماني محطات رئيسية التقت فيها شهادة الكاتب المصري القديم مع السرديات الدينية، كالتالي:

 

تحول مياه النيل

يوضح المؤرخ محمود عبدالحي أن تصف البردية النيل بقولها: "حقاً، النيل يفيض بالدم، وإن شرب منه المرء عافه"، وهو ما يطابق الآية الكريمة: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلَاتٍ}، وما ورد في التوراة عن تحول مياه النهر إلى دم وعجز المصريين عن شربه.

هلاك الماشية

يرصد المؤرخ محمود عبدالحي حالة الانهيار الحيواني التي رصدتها الوثيقة: "حقاً، كل الحيوانات قلوبها تبكي، والماشية تئن... تُترك هائمة ولا أحد يجمعها"، متوافقة مع النص التوراتي حول الوباء الشديد الذي أهلك مواشي المصريين في الحقل.

 

النار والخراب

يسجل المؤرخ محمود عبدالحي اشتعال الحرائق في المباني والجدران بحسب ما تسجله البردية، متزامنة مع وصف التوراة لنزول البرد والنار الملتهبة التي جرت على وجه الأرض.

دمار الزراعة والمحاصيل

يشير المؤرخ محمود عبدالحي إلى ما نقلته الوثيقة عن دمار الأشجار والمحاصيل وعدم توفر الثمار، وهو ما يلتقي مع النص القرآني الذي استشهد به: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ}.

الظلام الدامس

يؤكد المؤرخ محمود عبدالحي أن إشارة البردية بوضوح إلى أن "الأرض بلا ضياء.. لا توجد إضاءة في البلاد"، تتطابق مع رواية الظلام الدامس الذي غشي أرض مصر لأيام.

الأوبئة والدمامل

يبرز المؤرخ محمود عبدالحي حديث المدونة عن وباء يجتاح الأرض وانتشار الدمامل والخراريج في كل مكان، بالتطابق مع الآثار المرضية المذكورة في التوراة.


موت الأبناء والأطفال

يحلل المؤرخ محمود عبدالحي وصف البردية لحالة الأنين العام ومصير أولاد الأمراء والأطفال، وهو ما يتطابق مع حادثة ضرب الأبكار في منتصف الليل.


خروج المستضعفين بالذهب

يختتم المؤرخ محمود عبدالحي رصده بتحول اجتماعي جذري ذكرته البردية مفاده أن "الإماء والخدم أصبحوا يرتدون الذهب والفضة واللازورد، والفقير أصبح يملك النفائس"، وهو ما يترجمه النص القرآني بدقة كما يراه المؤرخ: {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا}.

جدلية التاريخ والأسطورة

يبقى السؤال قائماً – بحسب طروحات المؤرخ محمود عبدالحي – حول ما إذا كانت هذه الوثيقة تسجيلاً أدبياً لمجرد أزمات سياسية واجتماعية عابرة عاشتها البلاد، أم أنها مرآة دقيقة وثّقت بصمت إرهاصات الصدام التاريخي العظيم بين فرعون ونبي الله موسى، لتتبقى بردية ليدن واحدة من أكثر ألغاز التاريخ المصري القديم إثارة للنقاش والبحث بين علماء الآثار ورجال الدين على حد سواء.