القاهرة في 2 سبتمبر 2026.. يوم مختلف في المشهد المصري، لم تكن فيه العاصمة تستقبل حدثًا دوليًا واحدًا، وإنما بدت وكأنها نقطة التقاء لمسارين متوازيين؛ الأول سياسي واستراتيجي، مع وصول الرئيس الصيني شي جين بينج إلى القاهرة ولقائه الرئيس عبدالفتاح السيسي، والثاني ديني وفكري، مع انطلاق المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، بمشاركة علماء ومفتين وقيادات دينية من دول مختلفة.
وبين قصر الاتحادية الذي شهد مراسم استقبال الرئيس الصيني، وقاعات المؤتمر التي احتضنت نقاشات حول واحدة من أكثر القضايا التصاقًا بحياة المجتمعات، بدت مصر خلال ساعات قليلة حاضرة في مشهد دولي واسع يجمع السياسة والاقتصاد والدبلوماسية من جانب، والفكر الديني وقضايا الأسرة والهوية من جانب آخر.
شي جين بينج في القاهرة.. زيارة بعد 10 سنوات
في قلب المشهد السياسي، استقبل الرئيس عبدالفتاح السيسي، الأربعاء، نظيره الصيني شي جين بينج في زيارة رسمية إلى مصر، هي الأولى للرئيس الصيني إلى القاهرة منذ نحو 10 سنوات.
وشهد قصر الاتحادية مراسم استقبال رسمية للرئيس الصيني، في زيارة تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه العلاقات المصرية الصينية تطورًا متزايدًا، مع تنامي التعاون بين البلدين في عدد من المجالات، من بينها الاقتصاد والاستثمار والبنية الأساسية والتكنولوجيا والطاقة، إلى جانب الملفات السياسية والأمنية ذات الاهتمام المشترك.
وخلال مباحثاته مع الرئيس السيسي، برزت ملفات التعاون الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب قضايا إقليمية ودولية، فيما أكدت القاهرة وبكين اتجاههما إلى تعميق الشراكة والتنسيق بين البلدين.
وهنا تظهر أهمية توقيت الزيارة؛ فالصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا فقط، وإنما باعتبارها دولة ذات موقع استراتيجي يربط بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلًا عن أهمية قناة السويس بالنسبة لحركة التجارة العالمية.
وفي نفس اليوم.. علماء ومفتون من دول العالم في القاهرة
وبالتوازي مع الحدث السياسي، انطلقت في القاهرة فعاليات المؤتمر الدولي الحادي عشر لدار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، تحت عنوان:
«التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية».
ويُعقد المؤتمر يومي 2 و3 سبتمبر 2026 تحت رعاية الرئيس عبدالفتاح السيسي، بمشاركة نخبة من المفتين والوزراء والعلماء والقيادات الدينية والأكاديميين والمفكرين والخبراء من دول مختلفة.
وانطلقت الجلسة الافتتاحية للمؤتمر صباح الأربعاء، لتضع قضية الأسرة في قلب نقاش دولي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، خاصة أن التحديات التي تواجه الأسرة لم تعد مرتبطة بمجتمع واحد، وإنما أصبحت متأثرة بالتحولات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية المتسارعة.
من السياسة إلى الأسرة.. مصر تستقبل العالم على أكثر من مائدة
المفارقة اللافتة في هذا اليوم أن مصر لم تكن تستقبل العالم من بوابة واحدة.
ففي الوقت الذي كانت فيه القاهرة تستضيف رئيس واحدة من أكبر القوى الاقتصادية والسياسية في العالم، كانت العاصمة نفسها تستضيف علماء ومفتين وباحثين يناقشون مستقبل الأسرة، وقضايا الزواج والطلاق والتنشئة والهوية وتأثير التحولات الرقمية والتكنولوجية على العلاقات الإنسانية.
وبالتالي، فإن المشهد لم يكن مجرد تزامن بين حدثين، وإنما يعكس تعدد الأدوار التي تتحرك من خلالها مصر إقليميًا ودوليًا؛ فهي في الوقت نفسه دولة ذات ثقل سياسي واستراتيجي في المنطقة، ومركز ديني وفكري له حضور في قضايا الإفتاء وتجديد الخطاب الديني.
مؤتمر الإفتاء.. من تشخيص المشكلة إلى البحث عن حلول
المؤتمر الدولي لدار الإفتاء لا يطرح الأسرة باعتبارها ملفًا اجتماعيًا فقط، وإنما يحاول وضعها أمام المؤسسات الدينية والفكرية باعتبارها قضية تحتاج إلى مقاربة أكثر شمولًا.
ومن أبرز الأفكار المطروحة خلال المؤتمر الانتقال من التعامل مع المشكلات الأسرية بعد وقوعها إلى بناء مقاربة وقائية واستباقية، تساعد على رفع الوعي والتعامل مع أسباب الخلاف قبل أن تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها.
وكان الدكتور إبراهيم نجم، الأمين العام لدور وهيئات الإفتاء في العالم، قد أكد أن المؤتمر يتضمن جلسة خاصة لعرض تجارب الدول المختلفة في مواجهة مشكلات الأسرة، بهدف الاستفادة من هذه التجارب وصياغة رؤى يمكن تحويلها إلى برامج ومشروعات قابلة للتطبيق.
وهنا تكمن إحدى أهم زوايا المؤتمر: القضية ليست إنتاج توصيات جديدة فقط، وإنما محاولة الاقتراب من سؤال أكثر صعوبة: كيف تتحول التوصيات إلى سياسات وبرامج وممارسات حقيقية؟
مصر في قلب المشهد.. من قصر الاتحادية إلى قضايا الإنسان
إذا كان استقبال الرئيس الصيني يعكس وزن مصر في الحسابات السياسية والاقتصادية الدولية، فإن استضافة مؤتمر دولي يضم دور وهيئات الإفتاء يعكس جانبًا آخر من الحضور المصري، يتعلق بالقوة الناعمة والمؤسسات الدينية والفكرية.
وفي الحالتين، تلعب القاهرة دور الدولة التي تستضيف الحوار وتفتح مساحتها أمام أطراف متعددة، سواء كان الحوار متعلقًا بالعلاقات الدولية والتعاون الاقتصادي والاستراتيجي، أو بقضايا المجتمع والأسرة والإنسان.
وهذا ما يجعل 2 سبتمبر 2026 يومًا لافتًا في الأجندة المصرية؛ فالعاصمة لم تكن منشغلة بملف واحد، بل جمعت على أرضها حدثًا سياسيًا عالي المستوى، إلى جانب مؤتمر ديني وفكري دولي يناقش قضية تمس ملايين الأسر حول العالم.
