في قلب القاهرة التاريخية، وتحديدًا بشارع السيوفية العريق، تقف "زاوية الآبار" شاهدة على عظمة العمارة المملوكية وفنونها. خلف جدران خانقاه الأمير أيديكن البندقداري، تبرز "القبة الشرقية" كأحد أهم الاكتشافات الأثرية التي نفضت عنها لجنة حفظ الآثار العربية غبار الزمن، لتعيد إلى الأذهان سيرة بانيها وحكايات نساء البلاط المملوكي اللاتي ضمهن هذا الثرى.

الأمير أيديكن البندقداري.. رحلة من الصالحية إلى تخليد الأثر
تعود الجذور التاريخية لهذا الأثر الفريد إلى عام 683 هـ / 1284 م، حينما قرر الأمير أيدكين البندقداري النجمي الصالحي إنشاء خانقاه لتكون ملاذًا للصوفية والعبّاد بجوار قصر الأمير طاز الشهير.
لم يكتفِ الأمير بالخانقاه، بل ألحق بها قبتين ضريحيتين بتصميم هندسي فريد؛ خصص الأولى المطلة على الشارع مباشرة لمدفنه الخاص، بينما جعل القبة الشرقية ملاذًا أخيرًا للنساء، حيث احتضنت جثمان ابنته "خوند زينب".
ماكس هرتز.. معجزة الإنقاذ الفني وإحياء الأثر المطمور
عقود طويلة مرت على القبة الشرقية تحولت فيها إلى أثر مندثر، بعد أن طمرتها التعديات العمرانية العشوائية وبُنيت حولها الجدران لتخفي معالمها كليًا عن الأعين. وظل الوضع هكذا حتى قَيّض الله لها عالم الآثار والمهندس الشهير "ماكس هرتز"، أحد أبرز مهندسي لجنة حفظ الآثار العربية.
وبمعاونة دؤوبة من الأستاذ "يوسف أحمد"، قاد هرتز معركة أثرية لإزالة التعديات المحيطة بالقبة، والكشف عن تفاصيلها المعمارية المخفية وتوثيقها. وتكاملت هذه الجهود الأثرية مع دور ديوان الأوقاف الذي تولى تجديد المصلى الحالي عام 1884م، ليعيد الروح إلى المجمع الديني بأكمله.
جغرافيا العمارة.. "زاوية الآبار" تتحدى محو الذاكرة
تكتسب القبة الشرقية أهمية استثنائية من موقعها الجغرافي؛ حيث تقع شرق جدار القبلة لخانقاه الأمير أيديكن، مجاورةً لأملاك وقصور قادة العصر المملوكي. ويؤكد خبراء الآثار أن نجاح "هرتز" في بعث القبة من جديد يعد درسًا ملهمًا في كيفية التعامل مع الآثار المندثرة وسط الكتل السكنية، لتظل "زاوية الآبار" حية تنبض بتاريخ مصر الإسلامية وتستقبل زائريها كشاهد حي على عبقرية الترميم وصيانة الهوية.
