تتجه الأنظار مجددًا إلى مرتفعات علي الطاهر في جنوب لبنان، مع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس تمسك بلاده بالسيطرة على الموقع، معتبرًا أن إحكام السيطرة عليه يمثل استكمالًا لمرحلة ضمان ما وصفها بـ«المنطقة الأمنية لإسرائيل» في جنوب لبنان.

وقال كاتس، في بيان، إن السيطرة على مرتفعات علي الطاهر تمثل «إتمام مرحلة ضمان السيطرة على المنطقة الأمنية في جنوب لبنان»، مؤكدًا أن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من الموقع الذي وصفه بالاستراتيجي بالنسبة إلى «حزب الله».

وجاء التصريح الإسرائيلي بالتزامن مع إعلان اللجنة الدولية للصليب الأحمر تسليم لبنان خمسة أشخاص كانوا محتجزين لدى إسرائيل، أربعة منهم جرى نقلهم اليوم، فيما نُقل الخامس أمس، موضحة أن دورها في العملية «إنساني بحت» وأنها شاركت فيها بصفتها وسيطًا محايدًا بين إسرائيل ولبنان.

موقع جغرافي يتحول إلى نقطة عسكرية حاسمة

تقع منطقة علي الطاهر في محيط النبطية جنوب لبنان، وتضم مجموعة من المرتفعات والتلال التي تمنح من يسيطر عليها أفضلية ميدانية مهمة، بالنظر إلى إشرافها على مساحات واسعة من المنطقة الجنوبية.

وتكمن أهمية هذه المرتفعات عسكريًا في طبيعة موقعها الجغرافي، إذ يمكن استخدامها كنقاط للرصد والمراقبة ومتابعة محاور التحرك، فضلًا عن دورها المحتمل في إدارة العمليات وتوجيه النيران.

وتقع المرتفعات على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، ما يمنحها خصائص تجعلها أشبه ببرج مراقبة طبيعي، يسمح بكشف مسارات الحركة والتمركزات في المناطق المحيطة، وصولًا إلى محاور مرتبطة بنهر الليطاني.

ولا تتوقف أهمية الموقع عند الارتفاع وحده، إذ تتسم المنطقة بتضاريس معقدة، وهو ما يزيد من قيمتها الدفاعية والهجومية في أي مواجهة عسكرية داخل القطاع الشرقي من جنوب لبنان.

«علي الطاهر» في مواجهة قلعة الشقيف

تكتسب مرتفعات علي الطاهر أهمية إضافية من موقعها المقابل للمرتفعات التي تقع عليها قلعة الشقيف التاريخية، وهي منطقة سبق أن وصلت إليها القوات الإسرائيلية خلال عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.

وبذلك تشكل المنطقة، إلى جانب موقع قلعة الشقيف، نقاطًا مرتفعة ومؤثرة في الجغرافيا العسكرية للمنطقة، وتتيح السيطرة عليها مراقبة نطاق واسع من التحركات في محيط النبطية والقطاع الشرقي من الجنوب اللبناني.

ولهذا السبب، تعرضت مرتفعات علي الطاهر خلال السنوات الماضية لموجات متكررة من الغارات الإسرائيلية، في ظل اتهامات إسرائيلية بوجود بنية عسكرية تابعة لـ«حزب الله» في المنطقة، بينها تحصينات ومنشآت تحت الأرض.

وتقول إسرائيل إن عملياتها في جنوب لبنان تستهدف منع «حزب الله» من إعادة بناء قدراته العسكرية، ولا سيما في المناطق القريبة من الحدود، بينما يطالب لبنان بانسحاب القوات الإسرائيلية واستعادة الدولة اللبنانية سيطرتها الكاملة على أراضيها.

لماذا تريد إسرائيل السيطرة على المرتفعات؟

تسعى إسرائيل إلى تثبيت وجود عسكري في عدد من النقاط المرتفعة بجنوب لبنان، باعتبار أن السيطرة عليها توفر عمقًا إضافيًا للمراقبة وتحسن القدرة على التعامل مع أي تحركات عسكرية في المنطقة.

وتبرز علي الطاهر ضمن هذه المواقع، بسبب إشرافها على مدينة النبطية ومناطق واسعة من جنوب لبنان، فضلًا عن قربها من محاور الحركة المؤدية إلى عدد من البلدات والمواقع ذات الأهمية العسكرية.

وبحسب المعلومات المتداولة بشأن المواجهات الأخيرة، حاولت القوات الإسرائيلية التقدم باتجاه المرتفعات عبر أكثر من مسار، فيما تصدى لها «حزب الله» وأعلن استهداف القوات المتقدمة.

وكان الحزب قد أعلن مقتل وإصابة عدد من العسكريين الإسرائيليين وتدمير ثلاث دبابات، خلال كمين استهدف قوة حاولت التسلل باتجاه المرتفعات، قبل أن يتم استهداف قوة أخرى حاولت الوصول إلى المصابين وإجلاءهم.

كما قال «حزب الله» إن الجيش الإسرائيلي حاول على مدى عدة أيام التقدم باتجاه بلدة كفرتبنيت ومنطقة علي الطاهر عبر أكثر من محور.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن المحاولات الإسرائيلية المتكررة للسيطرة على المنطقة أسفرت عن مقتل أربعة جنود إسرائيليين وإصابة 17 آخرين، في أثناء محاولات التقدم من الجهة المقابلة للمرتفعات.

موقع مرتفع.. وقدرة أكبر على إدارة المعركة

في الحسابات العسكرية، لا تعني السيطرة على مرتفع جغرافي مجرد إضافة مساحة جديدة إلى منطقة الانتشار، وإنما قد تمنح القوات المسيطرة مجموعة من المزايا في وقت واحد.

فالموقع المرتفع يوفر قدرة أفضل على المراقبة والرصد، ويساعد في اكتشاف التحركات في المناطق المحيطة، كما يتيح إنشاء نقاط مراقبة متقدمة وتحديد محاور التقدم والانسحاب.

وفي حالة علي الطاهر، تزداد هذه الأهمية بسبب إشراف الموقع على أجزاء واسعة من جنوب لبنان وارتباطه بشبكة من المحاور البرية والتلال المحيطة، الأمر الذي يجعل السيطرة عليه عاملًا مؤثرًا في حركة القوات على الأرض.

ومن هنا يمكن تفسير تمسك إسرائيل بالموقع رغم صعوبة التقدم إليه، خصوصًا في ظل المقاومة التي يبديها «حزب الله» لمنع تثبيت السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات.

من مكسب عسكري إلى ورقة تفاوضية

لا تقتصر تداعيات السيطرة على علي الطاهر على الجانب العسكري، إذ يمكن أن تتحول المنطقة إلى عقدة سياسية في أي مفاوضات مستقبلية بين لبنان وإسرائيل.

فإذا تمكنت إسرائيل من تثبيت وجود عسكري مستمر في المرتفعات، فقد يصبح الواقع الميداني الجديد عنصرًا حاضرًا في أي نقاش بشأن ترتيبات الأمن والحدود والانسحاب.

وفي المقابل، ينظر لبنان إلى استمرار الوجود الإسرائيلي في الجنوب باعتباره انتهاكًا لسيادته، ويتمسك بانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية وعودة السيطرة الكاملة للدولة.

وبذلك، تتحول علي الطاهر من مجرد مجموعة من التلال ذات القيمة العسكرية إلى نقطة تتقاطع عندها الحسابات الأمنية والسياسية؛ فارتفاعها الجغرافي يمنحها قيمة في ميدان المعركة، بينما قد يمنحها تثبيت السيطرة عليها وزنًا أكبر على طاولة التفاوض.

معركة السيطرة على الجنوب

وتأتي أهمية معركة علي الطاهر في سياق أوسع من المواجهة حول طبيعة الوجود العسكري في جنوب لبنان. فإسرائيل تسعى إلى إقامة نطاق أمني يضمن إبعاد التهديدات عن حدودها ومنع إعادة بناء القدرات العسكرية لـ«حزب الله»، بينما يصر لبنان على إنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي على أراضيه.

وبين الهدفين، تبرز المرتفعات الاستراتيجية باعتبارها إحدى أهم أدوات فرض الوقائع على الأرض. فكل موقع مرتفع يمكن السيطرة عليه قد يتحول إلى نقطة مراقبة متقدمة، وكل نقطة انتشار جديدة يمكن أن تعيد رسم خريطة الحركة العسكرية في المنطقة.

لذلك، فإن تمسك إسرائيل بمرتفعات علي الطاهر لا يرتبط فقط بكونها موقعًا مرتفعًا، وإنما بما توفره من ميزة في الرصد والتحكم بالنيران ومراقبة محاور التحرك، فضلًا عن موقعها المؤثر في جغرافية جنوب لبنان.

ومع استمرار الخلاف حول مستقبل الانتشار الإسرائيلي في الجنوب، تبدو علي الطاهر مرشحة لأن تظل واحدة من أكثر النقاط حساسية، ليس فقط في الحسابات العسكرية، وإنما في أي ترتيبات سياسية وأمنية مقبلة بين لبنان وإسرائيل.

رضائي يتوعد واشنطن بـ«استراتيجية جديدة».. تصعيد متبادل يعيد ا...

4354 شهيدًا و12 ألف جريح حصيلة العدوان الإسرائيلي على لبنان م...