كيف تحوّلت مشادة كلامية داخل فناء مدرسة ابتدائية في شمال الجيزة إلى قضية رأي عام تتقاطع فيها اتهامات بالتنمر الإداري مع بلاغات للنيابة العامة ووفاة أحد مديري المدارس؟ الوقائع المتضاربة التي خرجت خلال الأيام الماضية تكشف عن أزمة أعمق من مجرد خلاف بين موظفين، وتطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين القيادات التنفيذية ومديري المدارس داخل الإدارات التعليمية.
شرارة الأزمة.. مدرسة خالد بن الوليد
انطلقت الواقعة من مدرسة خالد بن الوليد الابتدائية التابعة لإدارة شمال الجيزة التعليمية، حين انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تتحدث عن تعرّض مدير المدرسة لأزمة قلبية عقب خلاف حاد مع مديرة الإدارة التعليمية، رُبط في بداية تداوله بخلاف حول أعمال دهانات وصيانة داخل المدرسة.
مدير المدرسة نفسه قدّم رواية مختلفة عن التفاصيل المتداولة؛ إذ أوضح أنه كان مكلفًا في الأصل بإدارة مدرسة أخرى، قبل أن يُنقل إلى مدرسة خالد بن الوليد بتكليف من مديرة الإدارة قبل نحو عشرة أيام من الواقعة، وأن الخلاف نشب خلال زيارة ميدانية للمديرة إلى المدرسة على خلفية أعمال صيانة كان مطلوبًا منه إنجازها قبل تسلّم مهامه رسميًا. ووصف ما تعرّض له بأنه ضغط نفسي وعصبي حاد، لا أزمة قلبية مؤكدة بالمعنى الطبي.
بين الرواية الرسمية و المتداولة
في مقابل الرواية التي تتحدث عن أزمة قلبية، برزت رواية رسمية مغايرة نُقلت عن مصدر داخل مديرية التربية والتعليم بالجيزة، أكد أن التوجيهات التي تلقاها مدير المدرسة جاءت في إطار العمل الإداري المعتاد، ونفى وقوع أي تعنيف أو إساءة له. وبحسب هذه الرواية، فإن مدير المدرسة توجّه إلى المستشفى وهو يشكو ألمًا ونغزة في الصدر، وأن رسم القلب الذي أُجري له فور وصوله لم يُظهر أي تغيرات تشير إلى مشكلات قلبية، وتلقى الإسعافات الأولية اللازمة فقط.
هذا التباين بين رواية تتحدث عن "جلطة" ورواية رسمية تنفي وجود أي مؤشر طبي على أزمة قلبية، يضع الواقعة في منطقة رمادية يصعب فيها الفصل القاطع بين ما هو مؤكد وما هو متداول، خصوصًا في ظل غياب بيان رسمي شامل من مديرية التربية والتعليم بالجيزة يتناول الملف بكافة تفاصيله.
اتهامات أكثر خطورة.. وفاة مدير مدرسة آخر
بعيدًا عن واقعة مدرسة خالد بن الوليد، برزت رواية أخرى أكثر خطورة، حين خرج مدير إحدى المدارس ليكشف عن وفاة شقيقه، وهو مدير مدرسة ثانوية بنات تابعة لنفس الإدارة، ونسب سبب وفاته إلى ما وصفه بالقهر الذي تعرّض له من مديرة الإدارة التعليمية ذاتها. وبحسب ما ذكره، فإن مدير مدرسة آخر تعرّض هو أيضًا لأزمة صحية مشابهة بسبب ما وصفه بضغوط من المديرة نفسها.
وأضاف أن العائلة رفضت استقبال المديرة حين حضرت للعزاء في وفاة شقيقه، محمّلة إياها المسؤولية المعنوية عن الوفاة. وذكر أنه تقدّم ببلاغ رسمي للنائب العام، وأن النيابة العامة بإمبابة باشرت التحقيق في البلاغ المقدم.
ملف أوسع من القضايا المرتبطة
لم تتوقف الاتهامات عند هذا الحد؛ إذ أشير أيضًا إلى تقدّم عدد من القيادات المدرسية بشهاداتهم في قضية منفصلة مسجلة برقم مختلف، تتعلق بمزاعم جمع أموال وأوراق وكشافات من مديري مدارس دون وجه حق. وربط بعض المتحدثين بين هذه القضية وبين مناخ عام من التوتر والضغط الذي يصفونه بأنه ساد العلاقة بين مديرة الإدارة ومديري المدارس التابعين لها خلال الفترة الأخيرة.
هذا التزامن بين عدة ملفات — واقعة الصحة النفسية والجسدية لمديرَي مدرستين، وبلاغ للنائب العام، وقضية مالية منفصلة — يجعل من الصعب حصر الأزمة في حادثة واحدة، ويفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول طبيعة الإدارة داخل هذا الملف التعليمي تحديدًا.
تحقيق مفتوح وسط روايات متضاربة
حتى الآن، تبقى النيابة العامة بإمبابة هي الجهة الوحيدة التي أعلنت رسميًا مباشرتها التحقيق في أحد هذه البلاغات، فيما لم تصدر مديرية التربية والتعليم بالجيزة موقفًا رسميًا شاملاً يحسم التضارب بين الروايات المختلفة حول كل واقعة على حدة.
يبقى السؤال مفتوحًا: هل يكشف التحقيق عن نمط إداري متكرر من الضغط تجاه مديري المدارس يستدعي مراجعة أوسع لآليات المساءلة داخل الإدارات التعليمية، أم أن ما جرى تداوله لا يعدو كونه تراكمًا لخلافات فردية ضخّمتها منصات التواصل الاجتماعي؟
