تراث معماري فريد يجمع بين الأصالة والعراقة على أرض قنا
في قلب قرية بهجورة بمركز نجع حمادي في محافظة قنا، وفي إطار توثيق المعالم الأثرية والتاريخية العريقة بالمحافظة استنادًا إلى التقارير العلمية الصادرة عن الدكتور محمود عبد الوهاب مدني، مدير عام الشؤون الأثرية لمناطق مصر العليا، يتربع صرح تعليمي وتاريخي شامخ يحمل اسم "مدرسة داود تكلا التراثية"، مسجلاً في عداد الآثار ليجسد نموذجًا فريدًا للعمارة التقليدية المتأثرة بالنمط الإنجليزي في أوائل القرن العشرين.
تقع المدرسة بحوض الشيخ رقم 20، وتشرف بواجهتها الشرقية الرئيسية على شارع التحرير وترعة الصماصمه، محاطة بسور بنائى حديث، لتظل شاهدة على حقبة زمنية ازدهرت فيها الحركة التعليمية بدعم من رواد العمل الوطني والخيري.

رائد العمل الخيري وعشيق القانون: من هو داود بك تكلا؟
وُلِد داود بك تكلا في قرية بهجورة عام 1859م، وتلقى تعليمه على أيدي كبار الأساتذة فأتقن اللغات العربية والقبطية والفرنسية، اتجه إلى الزراعة محققًا نجاحات بارزة، وعُيّن وكيلًا للقنصلية الفرنسية بأسوان ليحظى بتقدير الحكومة الفرنسية التي منحته وسامًا فخريًا، عُرف بكرمه الواسع ومساهماته الجليلة في دعم المؤسسات الخيرية ومستشفيات الحميات، فضلاً عن ولعه بالقانون الذي تجسد في إنشاء "قاعة المناظر النيلية" بالمتحف القبطي بالقاهرة، نال أرفِع الأوسمة المصرية مثل النيشان العثماني الثالث، والمجيدي الثاني، والنيل الثالث، وسعى لجعل قريته منارة علمية عبر إنشاء مدارس للبنين والبنات وإقفال أراضٍ واسعة لأجل استمراريتها.

من الحلم إلى الواقع: رحلة إتمام الصرح التعليمي
شرع داود بك تكلا في بناء هذه المدرسة الحديثة وفق أحدث الطرز المعمارية، إلا أن المنية عاجلته فتوفي في فرنسا يوم 18 سبتمبر 1924م. ولم يتوقف الحلم؛ إذ تولت زوجته السيدة سيدة فلسطين وابنته السيدة منيرة تكلا مهمة إتمام المشروع بجهود مضنية، حتى اكتمل البناء واُحتفل بافتتاحه رسميًا في يناير عام 1929م. وأوقفت قرينته مئة فدان من أجود الأراضي الزراعية لدعم استمرارية المدرسة وخدمة أبناء المنطقة.

عبقرية العمارة وتفاصيل البناء التقليدي
تعتمد المنشأة على نظام الحوائط الحاملة المشيدة من الطوب الأحمر ومونة الرمل والجير والقصرمل، مع أساسات حجرية قوية. وتنوعت الأسقف حسب الوظيفة الإنشائية؛ حيث صُبت أسقف الطابقين الأول والثاني من الخرسانة المسلحة، بينما نُفذ سقف البدروم بنظام القضبان والكمر المعدني، وجاءت مظلة السلم الرئيسي بطراز "البغدادي" الخشبي.
أما التخطيط المعماري، فيتألف المجمع من مبنيين منفصلين:
المبنى الشرقي: الكتلة الرئيسية المقابلة للمدخل، ويتخذ تخطيطًا مسقطيًا يشبه شكل الصليب ببروز في الوسط وجناحين شمالي وجنوبي.
المبنى الغربي: يضم ثلاث حجرات في الطابق الأول وحجرتين في الثاني، مع توزيع دقيق للنوافذ والفتحات بتناظر محوري محكم.
وقد أُستخدِمت خامات عالية الجودة في التشطيبات، شملت الأخشاب للأبواب والنوافذ، والرخام للوحات التأسيسية ودرجات السلالم وتمثال داود بك تكلا، فضلاً عن الزجاج والجبس الذي أضفى لمسات جمالية فريدة على كتلة المدخل وتيجان الأعمدة والكرانيش.
