لم يعد الحديث عن الكهرباء بين مصر والسودان مجرد مشروع لمد خط ينقل الطاقة من دولة إلى أخرى. فخلف الأرقام والقدرات المستهدفة توجد قصة أكبر تتعلق بالشبكات، وتطوير البنية الأساسية، وتبادل الخبرات، وكيف يمكن للطاقة أن تتحول إلى واحدة من أهم أدوات التعاون بين البلدين.

وخلال الساعات الماضية، تحرك ملف الربط الكهربائي المصري السوداني من جديد، مع بحث مستجدات تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع، والتي تستهدف خطًا بقدرة تصل إلى 300 ميجاوات، بالتزامن مع مناقشة ملفات أخرى تتعلق بإعادة تأهيل الشبكات وتدريب فرق العمل والتوسع في مجالات الطاقة المتجددة.

300 ميجاوات.. ماذا يحدث في مشروع الربط الكهربائي؟

التحرك جاء خلال لقاء الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، مع الدكتور المعتصم إبراهيم أحمد علي، وزير النفط والطاقة السوداني، والوفد المرافق له.

وخلال اللقاء، جرت مناقشة مستجدات تنفيذ المرحلة الثانية من مشروع الربط الكهربائي بين مصر والسودان، والتي تتضمن تنفيذ خط «توشكى 2/ وادي حلفا» مزدوج الدائرة، بقدرة تصل إلى 300 ميجاوات.

ورغم أن رقم 300 ميجاوات قد يبدو بالنسبة للبعض مجرد رقم جديد في أخبار الطاقة، فإن أهميته الحقيقية تظهر عند وضعه في سياق التعاون بين البلدين؛ فالمشروع لا يستهدف فقط إضافة قدرة كهربائية، وإنما يرتبط ببناء شبكة تعاون فني أوسع.

الكهرباء ليست وحدها في الصورة

اللافت في التحركات الأخيرة أن النقاش لم يتوقف عند خطوط نقل الكهرباء.

الجانبان بحثا كذلك برامج التدريب ورفع كفاءة فرق العمل وإعادة التأهيل وبناء القدرات، إلى جانب التعاون في مجالات الطاقة المتجددة وإعادة بناء الشبكات الكهربائية.

وهنا تظهر نقطة مهمة؛ فنجاح أي مشروع كهرباء لا يتوقف على إنشاء الأبراج ومد الأسلاك فقط. الشبكات تحتاج إلى كوادر مدربة، وأنظمة تشغيل وصيانة، وقدرة على التعامل مع الأحمال والتوسعات المستقبلية.

ومن هذه الزاوية، فإن نقل الخبرة المصرية إلى الجانب السوداني قد يكون جزءًا لا يقل أهمية عن القدرة الكهربائية نفسها.

الطاقة المتجددة تدخل بقوة

ملف الطاقة المتجددة حاضر أيضًا في المشهد.

مصر تتوسع خلال الفترة الحالية في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح، وتعمل في الوقت نفسه على تطوير الشبكة الكهربائية لاستيعاب القدرات الجديدة، مع زيادة الاهتمام بحلول تخزين الكهرباء.

ولذلك فإن التعاون مع السودان يمكن أن يفتح مساحة أكبر لتبادل الخبرات في هذا المجال، خصوصًا أن مستقبل قطاع الكهرباء في المنطقة لن يعتمد فقط على محطات التوليد التقليدية، وإنما على مزيج متنوع من مصادر الطاقة وشبكات أكثر مرونة وقدرة على استيعاب التغيرات في الإنتاج والاستهلاك.

لماذا يمثل الربط الكهربائي أهمية لمصر والسودان؟

الربط الكهربائي يمنح الدول المرتبطة بالشبكة مساحة أكبر للتعاون في إدارة احتياجات الطاقة، والاستفادة من القدرات المتاحة، ودعم استقرار الشبكات.

وبالنسبة لمصر، يأتي المشروع ضمن توجه أوسع لتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي، وعدم التعامل مع شبكة الكهرباء باعتبارها ملفًا محليًا فقط.

أما السودان، فإن تطوير شبكاته والاستفادة من الخبرات الفنية المصرية يمكن أن يدعم جهود تحسين البنية الأساسية للكهرباء، خاصة مع ارتباط التنمية الصناعية والزراعية والخدمية بتوافر الطاقة بصورة مستقرة.

خطوة قد تكون أكبر من مجرد 300 ميجاوات

الأهم في التطور الحالي ليس الرقم وحده، وإنما ما يمكن أن يأتي بعده.

فحين تجتمع ملفات الربط الكهربائي مع إعادة تأهيل الشبكات، وتدريب الكوادر، والطاقة المتجددة، فإن الصورة تتحول تدريجيًا من مشروع كهرباء إلى شراكة أوسع في قطاع الطاقة.

وهذا تحديدًا ما يجعل المرحلة الجديدة من مشروع الربط المصري السوداني جديرة بالمتابعة خلال الفترة المقبلة؛ لأن أي توسع في قدرات الربط قد يفتح الباب أمام تعاون أكبر في مشروعات الطاقة، وتبادل الخبرات، وتطوير الشبكات.

مصر تتحرك على أكثر من مسار في الطاقة

التحرك مع السودان يأتي في وقت تعمل فيه وزارة الكهرباء على أكثر من ملف بالتوازي، بداية من تطوير الشبكة الموحدة والتوسع في الطاقة المتجددة، وصولًا إلى مشروعات التخزين والربط الكهربائي مع دول أخرى.

وبالتالي، فإن مشروع الربط مع السودان لا يبدو منفصلًا عن الصورة الأكبر التي تتشكل حاليًا في قطاع الكهرباء المصري.

المعادلة تتغير: لم يعد الهدف فقط أن تنتج مصر كهرباء أكثر، وإنما أن تمتلك شبكة أقوى، ومصادر متنوعة للطاقة، وقدرات تخزين، وروابط كهربائية مع محيطها الإقليمي.

وفي هذا السياق، تحمل المرحلة الثانية من الربط الكهربائي المصري السوداني أهمية خاصة، ليس فقط بسبب قدرتها المستهدفة البالغة 300 ميجاوات، ولكن لأنها تضع أساسًا لتعاون يمكن أن يمتد إلى ما هو أبعد من نقل الكهرباء.