اليمن من صراع داخلي إلى جبهة إقليمية
أكد اللواء دكتور محمد الدسوقي، الخبير الاستراتيجي والعسكري والأمني، أن التطورات المتسارعة في اليمن لم تعد شأناً داخلياً، وإنما تحولت إلى امتداد مباشر للصراع الإقليمي، خاصة مع ارتباطها بأمن السعودية والخليج ومستقبل البحر الأحمر وأمن الطاقة وحركة التجارة العالمية.
وأوضح "الدسوقي"، في تصريح خاص لـ"خمسة سياسة"، أن التطورات الأخيرة كشفت عن انتقال الصراع اليمني إلى مرحلة جديدة، في ظل المكاسب الميدانية التي حققها الحوثيون على الساحل الغربي، وهو ما عزز وجودهم بالقرب من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأضاف "الدسوقي"، أن استمرار القتال أدى كذلك إلى تداعيات إنسانية واسعة، في ظل نزوح أعداد كبيرة من اليمنيين، بما يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد تحركات عسكرية، وإنما أصبحت أزمة ذات أبعاد إقليمية وإنسانية متشابكة.
«هرمز وباب المندب».. معادلة الاختناق البحري المزدوج
وأشار الخبير الاستراتيجي والعسكري والأمني إلى أن أخطر ما يميز الأزمة الراهنة هو الضغط المتزامن على مضيقي هرمز وباب المندب، موضحاً أن الأول يمثل بوابة رئيسية لصادرات الطاقة الخليجية، بينما يمثل الثاني المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس.
ولفت "الدسوقي"، إلى أن بقاء باب المندب مفتوحاً لا يعني انتهاء المخاطر، إذ إن ارتفاع مستوى التهديدات يمكن أن يدفع شركات الملاحة إلى تغيير مساراتها، ويرفع تكاليف التأمين والشحن، وقد يدفع بعض السفن إلى العودة لطريق رأس الرجاء الصالح.
وبالتالي، فإن أي اضطراب متزامن في هرمز وباب المندب لن يقتصر تأثيره على أسواق النفط، وإنما قد يمتد إلى حركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
خط «شرق – غرب» والطاقة السعودية في قلب المعادلة
وتابع "الدسوقي"، أن استهداف خط أنابيب النفط السعودي «شرق – غرب» يزيد من تعقيد المشهد، باعتباره أحد البدائل الاستراتيجية لمضيق هرمز، موضحاً أن المعادلة أصبحت مترابطة بين هرمز وخطوط الأنابيب وينبع والبحر الأحمر وباب المندب.
وأكد "الدسوقي"، أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على مواقع عسكرية، وإنما أصبح مرتبطاً بهندسة تدفقات الطاقة العالمية والتحكم في طرقها ومساراتها البديلة، وهو ما يرفع من الأهمية الاستراتيجية لأمن البحر الأحمر وباب المندب.
زيارة ولي العهد السعودي إلى القاهرة.. تنسيق استراتيجي في توقيت حساس
وفي هذا السياق، أوضح اللواء دكتور محمد الدسوقي أن زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في 15 سبتمبر 2026 اكتسبت أهمية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، خاصة أنها جاءت في أعقاب التصعيد الحوثي والتهديدات التي طالت البنية التحتية السعودية للطاقة، بالتزامن مع تصاعد المخاطر في باب المندب والبحر الأحمر.
وأشار "الدسوقي"، إلى أن تأكيد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي أن أمن السعودية ودول الخليج جزء من الأمن القومي المصري، إلى جانب التشديد على ضمان حرية وأمن الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، يعكس وجود رؤية أمنية مترابطة لدى القاهرة والرياض.
وأضاف "الدسوقي"، أن الزيارة يمكن قراءتها في ثلاثة أبعاد رئيسية، تتمثل في تثبيت التنسيق السياسي المصري السعودي، والتأكيد على الارتباط بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، إلى جانب بحث سبل منع تحول المكاسب الحوثية إلى تهديد دائم للملاحة الدولية.
القاهرة طرف محوري في أمن البحر الأحمر
وشدد "الدسوقي"، على أن ذلك لا يعني بالضرورة انتقال مصر إلى تدخل عسكري مباشر في اليمن، خاصة مع استمرار التأكيد على دعم الحل السياسي الشامل، إلا أن التطورات الحالية تؤكد أن القاهرة أصبحت طرفاً مركزياً في المشاورات المتعلقة بأمن البحر الأحمر وباب المندب.
وأكد "الدسوقي"، أن هذا الدور تفرضه الجغرافيا والمصلحة الوطنية المصرية، في ظل الارتباط المباشر بين أمن البحر الأحمر واستقرار الملاحة وحركة السفن عبر قناة السويس.
اتفاقية مكة.. اختبار لمنظومة الردع الإقليمي
وفيما يتعلق بالتحركات السعودية لإعادة بناء منظومة الأمن والردع الإقليمي، أشار الخبير الاستراتيجي إلى أهمية «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وتركيا وباكستان، والتي تستهدف تعزيز التعاون الدفاعي والردع بين الدول الثلاث.
وأوضح "الدسوقي"، أن تصاعد الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية والمنشآت الحيوية، بالتزامن مع اتساع المواجهات في اليمن، وضع الاتفاقية أمام اختبار عملي مبكر، مع ضرورة التمييز بين وجود التزام بالدفاع المشترك وبين تفعيله عسكرياً بصورة تلقائية.
وأضاف "الدسوقي"، أن الأزمة تطرح تساؤلاً مهماً حول الحدود الفاصلة بين الحرب اليمنية الداخلية والاعتداء الخارجي الذي قد يستدعي آليات الدفاع المشترك، مشيراً إلى أن استمرار الهجمات على الأراضي السعودية قد يفرض مستويات جديدة من التعامل مع منظومة الردع الإقليمية.
تدويل أمن باب المندب يرفع حساسية المشهد
ولفت "الدسوقي"، إلى أن الأزمة بدأت تتجاوز الإطار العربي والإقليمي نحو مزيد من التدويل لأمن باب المندب، خاصة مع إعلان إيطاليا اعتزامها نشر قطع بحرية لحماية سفنها المارة عبر المضيق.
وأكد الخبير العسكري أن هذه الخطوة تعكس إدراكاً أوروبياً بأن أمن باب المندب لا يمثل قضية يمنية أو خليجية فقط، وإنما يرتبط بصورة مباشرة بالتجارة بين أوروبا وآسيا وقناة السويس.
وأضاف "الدسوقي"، أن اتساع التحركات البحرية الدولية قد يعزز حماية الملاحة، لكنه في الوقت ذاته قد يرفع احتمالات الاحتكاك العسكري مع الحوثيين.
قناة السويس.. أهمية متزايدة وتهديد مباشر
وأوضح الخبير الاستراتيجي والعسكري والأمني أن مصر تواجه معادلة شديدة التعقيد، إذ إن اضطراب مضيق هرمز يزيد نظرياً من أهمية البحر الأحمر وقناة السويس باعتبارهما جزءاً من المسارات البديلة للطاقة والتجارة، إلا أن ارتفاع المخاطر في باب المندب يمكن أن يحول دون الاستفادة من هذه الأهمية.
وأكد "الدسوقي"، أن أمن باب المندب لم يعد مسألة جغرافية بعيدة عن مصر، وإنما أصبح يمثل خط الدفاع الاستراتيجي الجنوبي عن البحر الأحمر وقناة السويس، مشيراً إلى أن أي تصعيد واسع ضد السفن الدولية قد يدفع شركات الملاحة إلى استخدام طريق رأس الرجاء الصالح، بما يزيد زمن الرحلات وتكاليف النقل والتأمين ويؤثر في أعداد السفن العابرة لقناة السويس.
باب المندب.. جزء مباشر من معادلة الأمن القومي المصري
واختتم اللواء دكتور محمد الدسوقي، الخبير الاستراتيجي والعسكري والأمني، تصريحاته بالتأكيد على أن تطورات اليمن وباب المندب تجاوزت حدود الأزمة الداخلية لتصبح جزءاً من مواجهة إقليمية أوسع ترتبط بأمن الممرات البحرية وتدفقات الطاقة والتجارة العالمية.
وأشار إلى أن تزامن التطورات على الساحل الغربي لليمن مع اضطراب مضيق هرمز والتهديدات التي تواجه مسارات الطاقة السعودية وضع باب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس في قلب معادلة أمنية واحدة مترابطة.
وأكد أن أمن باب المندب يمثل الامتداد الاستراتيجي الجنوبي لأمن البحر الأحمر وقناة السويس، وبالتالي فإن أي تهديد مستدام لهذا الممر ستكون له تداعيات مباشرة على المصالح المصرية وأمن الطاقة وحركة الملاحة والتجارة العالمية.
