مع اقتراب الأسبوع الأول من أكتوبر، تتجه الأنظار من جديد نحو لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية، التي ينتظر أن تعقد اجتماعها الدوري لأول مرة بصفة منتظمة منذ عام كامل. الموعد يحمل دلالة مزدوجة: فهو يقترب من الذكرى السنوية لتعهد حكومي بتثبيت أسعار الوقود لم يصمد سوى أشهر معدودة، كما يتزامن مع عودة آلية المراجعة الفصلية للانعقاد في وقت لا تزال فيه أسواق الطاقة العالمية تعيش على وقع اضطراب غير معتاد. وبين متابعة يومية لتقلبات خام برنت وتراجع الجنيه أمام الدولار، يبقى السؤال معلقا: هل يمر الربع الأخير من العام دون مساس بجيب المواطن، أم أن حسابا مؤجلا منذ مارس الماضي بات على وشك أن يُستكمل؟
أين تقف الأسعار حتى الآن؟
حتى صباح اليوم، لم يصدر عن الجهات المختصة أي قرار جديد بتحريك أسعار الوقود، وتواصل محطات البنزين العمل بالتسعيرة ذاتها المعلنة منذ منتصف مارس الماضي: 20.75 جنيها لبنزين 80، و22.25 جنيها لبنزين 92، و24 جنيها لبنزين 95، و20.50 جنيها لتر السولار. وشهدت الأيام الأخيرة تداولا واسعا عبر مواقع التواصل الاجتماعي لقوائم أسعار "جديدة"، ما دفع وزارة البترول والثروة المعدنية إلى إصدار أكثر من بيان لتأكيد أن هذه الأرقام لا تستند إلى أي قرار رسمي، وأن لجنة التسعير التلقائي لم تجتمع بعد. ويستبعد مسؤولون سابقون أي تحرك قبل نهاية الشهر الجاري أصلا، ذلك أن عقود توريد المنتجات البترولية الحالية سارية حتى 30 سبتمبر، وهو ما يجعل أول أكتوبر الحد الأدنى الزمني لأي تعديل محتمل مهما تسارعت وتيرة الانعقاد.
من أكتوبر إلى أكتوبر.. وعد بالتثبيت لم يكتمل
يعيد الموعد المرتقب إلى الأذهان مسارا بدأ من النقطة ذاتها تقريبا قبل عام. ففي أكتوبر 2025، أقرت لجنة التسعير التلقائي آخر زيادة رسمية ضمن آليتها المعتادة، لتكون الثانية خلال ذلك العام بعد زيادة أبريل، وأعلنت الحكومة عقبها تثبيت أسعار المنتجات البترولية في السوق المحلية لمدة عام على الأقل. غير أن هذا التعهد لم يصمد كاملا؛ إذ اضطرت الحكومة في مارس الماضي إلى تحريك الأسعار مجددا بزيادة متوسطها 3 جنيهات للتر شملت البنزين بأنواعه الثلاثة والسولار، في خطوة وصفتها بأنها استثنائية لا تمثل قرارا صادرا عن اجتماع دوري للجنة، بل جاءت ردا مباشرا على الاضطراب الذي شهدته أسواق الطاقة العالمية عقب اندلاع الحرب الإيرانية وما رافقها من مخاوف بشأن إمدادات النفط عبر مضيق هرمز. وبذلك يمثل الاجتماع المرتقب هذا الأكتوبر أول عودة كاملة للجنة إلى وتيرتها الفصلية المعتادة كل ثلاثة أشهر منذ ذلك التاريخ.
ضغط مزدوج: نفط عالمي مضطرب وجنيه أضعف
يأتي الاجتماع المنتظر في ظل عاملين ضاغطين يصعب فصل أحدهما عن الآخر. أولهما تكلفة الاستيراد عالميا؛ إذ كشف رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، خلال مؤتمره الصحفي الأسبوعي بالعاصمة الإدارية الجديدة مطلع يوليو الماضي، أن الموازنة العامة بُنيت على أساس متوسط سعر 75 دولارا للبرميل، قبل أن ترتفع الأسعار عالميا عقب توترات المنطقة إلى 93 دولارا، ثم إلى نحو 125 دولارا في أبريل، بالتوازي مع وصول الدولار إلى قرابة 55 جنيها في تلك الفترة، مؤكدا أن الدولة تحملت وحدها فارق التكلفة دون تحميله للمواطن حتى ذلك الحين. وما زال خام برنت يتحرك في نطاق مرتفع نسبيا، إذ سجل نحو 103 دولارات للبرميل أول من أمس، وتجاوز 105 دولارات أمس، وهي مستويات دفعت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى رفع توقعاتها لمتوسط سعر الخام هذا العام إلى نحو 91 دولارا، بزيادة تقارب 5% عن تقديراتها السابقة، بسبب التراجع السريع في المخزونات العالمية جراء تراجع الإمدادات من الشرق الأوسط.
أما العامل الثاني فسعر الصرف المحلي؛ فرغم تراجع الدولار عن ذروته التي بلغها في أبريل الماضي، فإنه ما زال يتداول عند مستويات مرتفعة نسبيا، تقارب 51.7 إلى 51.8 جنيه للشراء والبيع في أغلب البنوك. ويعني ذلك أن أي ثبات أو ارتفاع في السعر العالمي بالدولار يُترجم محليا إلى تكلفة أعلى بالجنيه، في وقت لا تزال فيه فجوة بين سعر البيع المحلي للمنتجات البترولية وتكلفة استيرادها الفعلية، بحسب متابعين للملف.
ماذا يقول المسؤولون؟
في تصريحات تلفزيونية متكررة، أشار المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، إلى أن لجنة التسعير التلقائي من المقرر أن تعقد اجتماعها الدوري خلال الأسبوع الأول من أكتوبر، مؤكدا في الوقت ذاته أن اللجنة لا تجتمع أصلا ما لم تستدع تحركات أسعار الخام عالميا ذلك. وفي الاتجاه ذاته، توقع النائب محمد فؤاد، عضو مجلس النواب، في وقت سابق من الشهر الجاري أن يُعقد الاجتماع خلال أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. وعلى صعيد الإنتاج المحلي، شدد المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، خلال اجتماع مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للبترول لاعتماد نتائج العام المالي 2025/2026، على أهمية تأمين احتياجات السوق المحلية عبر زيادة الإنتاج ورفع كفاءة معامل التكرير، التي تجاوزت معدلات تشغيلها 80% خلال العام الجاري، في مسعى لتخفيف الاعتماد على الاستيراد بالعملة الصعبة.
بين احتمال الزيادة وحسابات التوازن الاجتماعي
يرى عدد من الاقتصاديين أن تحريكا جديدا للأسعار في الربع الأخير من العام مرجح وليس محتوما، مستندين إلى تراكم عوامل ضاغطة أبرزها فجوة التكلفة العالمية، وضعف الجنيه، وتوصيات برنامج الإصلاح الاقتصادي، في مقابل اعتبارات اجتماعية قد تدفع الحكومة إلى تقليص حجم أي زيادة محتملة أو تأجيلها، خاصة أنها أظهرت طوال العام الجاري ميلا إلى امتصاص جزء كبير من فارق التكلفة بدلا من تمريره كاملا للمستهلك. وتقدم تجربة مارس الماضي مؤشرا على حجم الأثر المحتمل؛ إذ قدّر الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، حينها أن تحريك الأسعار قد يرفع معدل التضخم مؤقتا بنسبة تتراوح بين 2 و3 نقاط مئوية لمدة شهرين إلى ثلاثة أشهر قبل أن يعاود التراجع، لا أن يمثل صدمة تضخمية كبيرة أو طويلة الأمد.
يبقى القرار الأخير بيد اللجنة وحدها، في ضوء متغيرات قد تتبدل حتى لحظة انعقادها نفسها. فهل تمضي الحكومة على النهج ذاته الذي اتبعته منذ مارس، بامتصاص أكبر قدر ممكن من فاتورة استيراد متصاعدة؟ أم أن استمرار اضطراب سوق النفط وثبات الدولار عند مستوياته الحالية سيحسمان الجدل لصالح تعديل جديد على تسعيرة المحطات، قبل أن يودّع عام 2026 ربعه الأخير؟
