في ذكرى رحيله.. محطات بارزة في حياة الرئيس جمال عبد الناصر

في الثامن والعشرين من سبتمبر عام 1970، غاب جمال عبد الناصر عن المشهد السياسي، لكن رحيله لم يضع نهاية لحضوره في التاريخ المصري والعربي؛ فالرجل الذي بدأ حياته ضابطًا بالجيش، وانخرط في تنظيم «الضباط الأحرار»، أصبح خلال سنوات قليلة أحد أبرز الشخصيات السياسية في القرن العشرين، وقاد تحولات كبرى امتدت آثارها إلى السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

وبين ثورة 23 يوليو، وإنهاء الوجود العسكري البريطاني، وتأميم قناة السويس، والوحدة المصرية السورية، ومشروع السد العالي، وصولًا إلى نكسة يونيو 1967 ثم رحيله عام 1970، امتدت مسيرة عبد الناصر بمحطات مفصلية لا تزال موضع دراسة ونقاش تاريخي حتى اليوم.

جمال عبد الناصر.. البداية من الإسكندرية إلى الكلية الحربية

وُلد جمال عبد الناصر حسين في 15 يناير 1918 بمدينة الإسكندرية، والتحق بالكلية الحربية في مارس 1937، وتخرج في يوليو من العام التالي، ثم ترقى إلى رتبة ملازم أول عام 1940.

وشارك عبد الناصر في حرب فلسطين عام 1948، وكانت تجربة الحرب من المحطات التي تركت أثرًا واضحًا في تكوينه السياسي والعسكري. وبعد عودته إلى مصر، التحق بكلية أركان الحرب، وهناك تعززت علاقاته بعدد من الضباط الذين شكلوا لاحقًا نواة تنظيم الضباط الأحرار.

جمال عبد الناصر.. الضباط الأحرار وثورة 23 يوليو

في يوليو 1949، تشكلت اللجنة التأسيسية لتنظيم الضباط الأحرار بصورة سرية، وفي 23 يوليو 1952 تحرك التنظيم ضد نظام الحكم الملكي، لتنتهي تلك الأحداث بالإطاحة بالملك فاروق.

وفي عام 1953 أُعلنت الجمهورية المصرية، وتولى محمد نجيب رئاسة الجمهورية، بينما برز عبد الناصر تدريجيًا باعتباره الشخصية الأكثر نفوذًا داخل مجلس قيادة الثورة.

كانت الثورة نقطة تحول رئيسية في تاريخ مصر الحديث، إذ ارتبطت بإلغاء النظام الملكي وإعلان الجمهورية، إلى جانب حزمة من السياسات الاجتماعية والاقتصادية، من بينها الإصلاح الزراعي وإعادة تشكيل بنية الدولة والمجتمع.

جمال عبد الناصر.. الجلاء ونهاية الوجود العسكري البريطاني

كان إنهاء الوجود العسكري البريطاني في مصر أحد الملفات الرئيسية في السنوات الأولى للثورة.

وفي 19 أكتوبر 1954 أُعلن التوصل إلى اتفاقية الجلاء، التي نصت على انسحاب القوات البريطانية من منطقة القناة وفق جدول زمني محدد.

وبعد أيام من الاتفاقية، تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال في 26 أكتوبر 1954 أثناء إلقائه خطابًا في ميدان المنشية بالإسكندرية.

جمال عبد الناصر.. قرار تأميم قناة السويس يشعل المواجهة

في 26 يوليو 1956، أعلن عبد الناصر من ميدان المنشية بالإسكندرية قرار تأميم شركة قناة السويس وتحويلها إلى شركة مساهمة مصرية.

جاء القرار في أعقاب أزمة تمويل مشروع السد العالي، بعدما أعلنت الولايات المتحدة وبريطانيا سحب عرض تمويل المشروع. وربط عبد الناصر في خطابه بين عائدات القناة وتمويل بناء السد.

أعقب قرار التأميم اندلاع العدوان الثلاثي عام 1956، بمشاركة بريطانيا وفرنسا وإسرائيل، قبل أن تنتهي الأزمة بانسحاب القوات المعتدية، في واحدة من أكثر الأزمات الدولية أهمية خلال مرحلة الحرب الباردة.

جمال عبد الناصر.. السد العالي ومشروع بناء الدولة

لم يكن مشروع السد العالي مجرد مشروع هندسي، بل ارتبط في عهد عبد الناصر برؤية أوسع لتطوير الاقتصاد المصري وزيادة القدرة على التحكم في مياه النيل وتوسيع الرقعة الزراعية وتوفير الطاقة.

وبدأ تنفيذ المشروع في الستينيات، واكتمل في الفترة بين 1960 و1970، بالتزامن مع توسع الدولة في مجالات الصناعة والتعليم والصحة والتعمير.

كما شهدت تلك المرحلة تطبيق سياسات اقتصادية ذات توجه اشتراكي، شملت توسع القطاع العام وتأميم عدد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية.

جمال عبد الناصر.. الوحدة مع سوريا وتأسيس الجمهورية العربية المتحدة

في 22 فبراير 1958، أُعلنت الوحدة بين مصر وسوريا تحت اسم الجمهورية العربية المتحدة، وتولى عبد الناصر رئاستها.

مثلت الوحدة إحدى أبرز تجارب القومية العربية في ذلك الوقت، لكنها لم تستمر طويلًا؛ ففي عام 1961 وقع الانفصال، وعادت سوريا إلى وضعها المستقل، بينما استمرت مصر رسميًا في استخدام اسم الجمهورية العربية المتحدة لعدة سنوات.

جمال عبد الناصر.. سنوات التحول الاشتراكي

دخلت مصر خلال الستينيات مرحلة جديدة من إعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع، وارتبطت بسياسات التأميم وتوسيع القطاع العام وإعادة توزيع الملكية.

وفي عام 1962 صدر الميثاق الوطني، الذي قدم تصورًا سياسيًا واقتصاديًا للمرحلة الجديدة، كما تأسس الاتحاد الاشتراكي العربي باعتباره التنظيم السياسي الرئيسي في البلاد.

وفي الوقت نفسه، كانت تجربة عبد الناصر السياسية محل دراسات وانتقادات متعددة، خصوصًا فيما يتعلق بطبيعة النظام السياسي وتقييد نشاط المعارضة والأحزاب، وهي جوانب تشكل جزءًا أساسيًا من قراءة عهده تاريخيًا إلى جانب مشروعاته وسياساته الاجتماعية والاقتصادية.

جمال عبد الناصر.. 1967 واللحظة الأصعب

مثلت حرب يونيو 1967 واحدة من أصعب المحطات في تاريخ عبد الناصر ومصر.

وبعد الهزيمة، أعلن عبد الناصر في 9 يونيو 1967 تنحيه عن رئاسة الجمهورية، معلنًا تحمله مسؤولية ما حدث، إلا أن مظاهرات حاشدة خرجت في مصر مطالبة باستمراره في الحكم، فتراجع عن قرار التنحي.

بعد ذلك بدأت مرحلة إعادة بناء القوات المسلحة، وتولى الفريق أول محمد فوزي القيادة العامة للقوات المسلحة، فيما أصبح الفريق عبد المنعم رياض رئيسًا لأركان حرب القوات المسلحة. ودخلت مصر لاحقًا مرحلة حرب الاستنزاف في مواجهة إسرائيل.

جمال عبد الناصر.. آخر المحطات قبل الرحيل

في سبتمبر 1970، كان عبد الناصر حاضرًا في جهود الوساطة لإنهاء الأزمة التي اندلعت في الأردن بين السلطات الأردنية والفصائل الفلسطينية.

وفي 28 سبتمبر 1970، وبعد اختتام أعمال قمة جامعة الدول العربية في القاهرة، توفي جمال عبد الناصر إثر أزمة قلبية، عن عمر ناهز 52 عامًا.

جمال عبد الناصر.. جنازة تحولت إلى مشهد تاريخي

في الأول من أكتوبر 1970، شُيعت جنازة عبد الناصر في القاهرة وسط مشاركة جماهيرية ضخمة، وحضرها عدد كبير من القادة العرب والشخصيات السياسية.

ووصف الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية المصرية المشهد بأنه شهد خروج الملايين إلى الشوارع في مصر والوطن العربي، فيما تحولت وفاة عبد الناصر إلى حدث تجاوز حدود مصر، وعكست ردود الفعل التي أعقبتها حجم حضوره السياسي والشعبي في المنطقة آنذاك.

جمال عبد الناصر.. إرث تاريخي بين الإنجاز والجدل

بعد أكثر من نصف قرن على رحيله، بقيت تجربة جمال عبد الناصر واحدة من أكثر التجارب السياسية المصرية والعربية حضورًا في الدراسات التاريخية.

فقد ارتبط اسمه بثورة 23 يوليو، وتأميم قناة السويس، والجلاء، والسد العالي، والوحدة المصرية السورية، وسياسات التصنيع والتأميم، كما ارتبطت فترة حكمه بأحداث كبرى مثل حرب اليمن، وحرب 1967، وتغيرات عميقة في بنية النظام السياسي والاقتصادي المصري.

وبينما ينظر مؤيدو تجربته إلى تلك المرحلة باعتبارها حقبة شهدت استقلال القرار الوطني ومشروعات كبرى للتحول الاجتماعي والاقتصادي، يركز منتقدوها على طبيعة النظام السياسي وتراجع التعددية السياسية. ولهذا يظل عبد الناصر شخصية تاريخية متعددة الأبعاد، يصعب اختزالها في صورة واحدة أو محطة واحدة.

في ذكرى رحيله، تبقى سيرة جمال عبد الناصر جزءًا من تاريخ مصر الحديث؛ سيرة بدأت بضابط شاب، ومرت بثورة غيّرت شكل الدولة، وصولًا إلى زعيم أصبح اسمه مرتبطًا بمحطات سياسية لا تزال آثارها حاضرة في قراءة تاريخ مصر والمنطقة.