لم تعد أزمة الصحافة الإلكترونية في مصر مرتبطة فقط بسرعة نشر الخبر أو المنافسة مع المنصات ومواقع التواصل الاجتماعي، وإنما انتقلت إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بمن ينظم المؤسسات الرقمية، وكيف يحصل الصحفي العامل فيها على الحماية المهنية والنقابية، وما الإطار القانوني الذي يحكم العلاقة بين الموقع والصحفي والنقابة. وخلال الأيام الأخيرة، تصاعد النقاش حول هذا الملف بعد طرح فكرة إنشاء كيان مؤسسي للمواقع الإلكترونية، بالتزامن مع تحركات داخل نقابة الصحفيين لمناقشة أوضاع العاملين في المواقع، ثم طرح رؤية تشريعية لتنظيم قيد محرري الوسيط الرقمي.

المشهد بذلك لم يعد مجرد خلاف حول «كيان للمواقع»، وإنما فتح ملفات أوسع تتعلق بمستقبل الصحافة الرقمية نفسها، وحدود الفصل بين تنظيم المؤسسات من ناحية وتنظيم المهنة وحقوق الصحفيين من ناحية أخرى. وبينما يؤكد مسؤولون نقابيون أن الصحافة مهنة واحدة مهما اختلف الوسيط، تظهر في المقابل الحاجة إلى معالجة الإشكاليات القانونية المرتبطة بالمؤسسات التي تعمل رقميًا ولا تصدر مطبوعات ورقية، وهو ما يجعل الملف أمام مرحلة جديدة من النقاش المهني والتشريعي.

«كيان المواقع» يشعل النقاش.. مؤسسات أم صحفيون؟

بدأت أحدث حلقات الجدل بعد طرح وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان، خلال لقاء مع عدد من رؤساء تحرير المواقع الإخبارية، فكرة إنشاء كيان مؤسسي تنضم إليه المواقع الإلكترونية كمؤسسات، على أن يكون دوره التعامل مع المشكلات المشتركة التي تواجه المؤسسات الرقمية. ووفق ما نقله وكيل نقابة الصحفيين محمد الجارحي، فإن التصور المطروح يتعلق بالمؤسسات وليس العاملين بها كأفراد، وهو ما يعني من حيث الطرح المعلن الفصل بين تنظيم المؤسسات الرقمية وبين مسألة التنظيم النقابي للصحفيين.

لكن طرح الفكرة فتح في الوقت نفسه بابًا واسعًا للنقاش داخل الوسط الصحفي، خصوصًا مع وجود ملف قديم يتعلق بقيد العاملين في المواقع الإلكترونية داخل نقابة الصحفيين. وفي هذا السياق، أكد الجارحي أن المادة 77 من الدستور تنص على أن لكل مهنة نقابة واحدة تنظم شؤونها، بينما أوضح أن الكيان المقترح للمواقع يستهدف المؤسسات وليس الصحفيين العاملين بها.

ومن هنا ظهر السؤال الذي أصبح محور النقاش: هل يمكن إنشاء كيان يمثل المواقع الإلكترونية كمؤسسات، بالتوازي مع بقاء نقابة الصحفيين هي الجهة المهنية المنظمة لشؤون الصحفيين؟ أم أن أي تحرك في ملف المواقع سيظل مرتبطًا بصورة مباشرة بأزمة القيد والحماية النقابية للعاملين في الصحافة الرقمية؟

نقابة الصحفيين تدخل على خط الأزمة.. والحماية النقابية في المقدمة

في المقابل، دخلت نقابة الصحفيين على خط النقاش بصورة مباشرة، إذ دعا النقيب خالد البلشي إلى مناقشة هادئة داخل النقابة حول آليات شمول الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة في الصحف والمواقع الإلكترونية. وجاءت الدعوة في ظل الجدل الذي أثاره الحديث عن إنشاء كيان يجمع المواقع الإلكترونية، وما صاحبه من مخاوف لدى بعض الصحفيين من أن يتحول الأمر إلى كيان موازٍ للنقابة.

وأكد البلشي في تصريحات وبيانات منشورة أن أي تنظيم لحقوق العاملين في مهنة الصحافة، سواء في الصحافة المطبوعة أو الإلكترونية، يجب أن يكون تحت مظلة نقابة الصحفيين، مشيرًا إلى أن النقابة هي المظلة المهنية للصحافة. وفي الوقت نفسه، أقر بوجود قصور مرتبط ببعض التفسيرات القانونية التي تحد من قدرة النقابة على تغطية جميع العاملين في المهنة، معتبرًا أن معالجة هذا الأمر يجب أن تتم من خلال النقابة نفسها.

وتطور النقاش إلى إعلان النقابة الدعوة لمناقشة مفتوحة حول السبل القانونية واللائحية والمهنية لشمول الحماية النقابية لجميع ممارسي المهنة الحقيقيين، إلى جانب بحث الضوابط المؤسسية لتنظيم حقوق العاملين في المواقع الصحفية. وهو ما يضع حقوق الصحفيين العاملين في المؤسسات الرقمية في قلب النقاش، بدلًا من حصر القضية في فكرة إنشاء كيان للمواقع فقط.

من «الكيان» إلى القانون.. مقترح جديد لتنظيم قيد صحفيي المواقع

وفي أحدث تطورات الملف، طرح الكاتب الصحفي أيمن عبدالمجيد، وكيل نقابة الصحفيين للتشريعات الصحفية، رؤية لتنظيم أوضاع محرري الوسيط الرقمي، مؤكدًا أن الصحافة في الأساس مهنة واحدة، وأن الاختلاف يتعلق بالوسيط الذي تنتقل من خلاله المادة الصحفية.

وأوضح عبدالمجيد أن المؤسسات الصحفية التي تصدر مطبوعات ورقية لديها كذلك إصدارات وبوابات رقمية، سواء كانت مؤسسات قومية أو خاصة أو حزبية، معتبرًا أن الوسيط الرقمي أصبح جزءًا من منظومة العمل الصحفي، وأن التعامل معه باعتباره مهنة منفصلة عن الصحافة ليس دقيقًا من وجهة نظره.

ويرى عبدالمجيد أن الحل لا يتمثل في إنشاء نقابة موازية، وإنما في إصلاح التشريع ووضع نصوص واضحة تنظم أوضاع المؤسسات الرقمية التي لا تصدر مطبوعات ورقية، وتضمن في الوقت نفسه حقوق محرري الوسيط الرقمي وتحافظ على ضوابط القيد داخل نقابة الصحفيين. كما أكد أن مسألة إنشاء نقابة موازية لا تتفق، بحسب طرحه، مع المادة 77 من الدستور التي تنص على وجود نقابة واحدة لكل مهنة.

70% و100 محرر.. شروط مقترحة وليست قواعد نافذة

ومن بين أبرز التفاصيل التي طرحها عبدالمجيد في رؤيته المقترحة، اشتراط أن تكون المؤسسة الرقمية مستوفية للشروط القانونية المنصوص عليها في القانون رقم 180 لسنة 2018، إلى جانب ألا تقل نسبة أعضاء نقابة الصحفيين المقيدين بجدول المشتغلين داخل المؤسسة عن 70%.

كما اقترح ألا يقل إجمالي العاملين في المؤسسة عن 100 محرر، وأن تكون لديهم عقود عمل لا تقل عن الحد الأدنى للأجور، على أن تكون النقابة طرفًا ثالثًا في هذه العقود. وهذه الأرقام تحديدًا مهمة في قراءة النقاش الحالي، لأنها شروط مقترحة ضمن رؤية عبدالمجيد وليست قواعد جديدة نافذة على جميع المواقع الإلكترونية.

ووفق الرؤية المطروحة، تستهدف هذه الشروط وضع حد أدنى من الجدية المؤسسية أمام المواقع التي ترغب في العمل ضمن إطار قانوني ومهني واضح، إلى جانب ضمان وجود عقود تحمي العاملين وتحدد علاقتهم بالمؤسسة، مع الحفاظ على دور النقابة في متابعة الحقوق المهنية.

كما تضمنت الرؤية المقترحة وجود مقر ثابت للمؤسسة مجهز بالإمكانات اللازمة لإنتاج المحتوى الصحفي، وأن يكون قد مر على انتظام الوسيط الرقمي في البث 3 سنوات على الأقل، فضلًا عن عدم ارتكاب المؤسسة مخالفات لمواثيق الشرف الصحفي أو إهدار حقوق العاملين النقابيين خلال فترة نشاطها.

هل تحسم التعديلات التشريعية أزمة صحفيي المواقع؟

اللافت في النقاش الحالي أن الأطراف المختلفة لا تتحدث بالضرورة عن المشكلة نفسها من الزاوية ذاتها؛ فهناك حديث عن كيان يمثل المواقع كمؤسسات، وحديث آخر عن الحماية النقابية للصحفيين، بينما يركز الطرح التشريعي على كيفية تنظيم المؤسسات الرقمية التي لا تصدر مطبوعات ورقية ووضع قواعد واضحة لقيد العاملين بها.

وهذا التعدد يجعل القضية أكبر من مجرد إنشاء كيان جديد، لأن أي تنظيم للصحافة الإلكترونية سيحتاج إلى تحديد واضح لما يخص المؤسسة وما يخص الصحفي، وما يدخل في اختصاص نقابة الصحفيين، وما يمكن أن يتولاه كيان يمثل أصحاب المؤسسات أو المواقع. وقد شدد البلشي بالفعل على أهمية عدم الخلط بين كيان للمؤسسات وكيان لتنظيم حقوق الصحفيين.

وفي الوقت نفسه، يطرح المقترح التشريعي سؤالًا آخر حول شكل المؤسسات الرقمية التي تستحق الاعتراف بها كجهات صحفية مؤسسية، وكيف يمكن التحقق من ممارسة العمل الصحفي بصورة فعلية، وضمان حقوق العاملين، ومنع استخدام الإطار القانوني بصورة شكلية للحصول على مزايا مهنية أو نقابية دون وجود مؤسسة صحفية حقيقية.

الصحافة الرقمية أمام مرحلة جديدة.. ماذا بعد؟

التطورات الأخيرة تشير إلى أن ملف الصحافة الإلكترونية أصبح أمام أكثر من مسار متزامن: نقابة الصحفيين تفتح نقاشًا حول الحماية النقابية، ومسؤولون نقابيون يوضحون الفرق بين كيان للمؤسسات وتنظيم شؤون الصحفيين، بينما تُطرح في الوقت نفسه أفكار لتعديل الإطار التشريعي المنظم للمؤسسات الرقمية وقيد محرريها.

وبالتالي، فإن السؤال الأساسي لم يعد فقط: هل تحتاج المواقع الإلكترونية إلى كيان يجمعها؟ وإنما أصبح: كيف يمكن وضع إطار واضح للصحافة الرقمية يضمن حقوق الصحفيين، وينظم المؤسسات، ويحافظ في الوقت نفسه على وحدة الإطار النقابي للمهنة؟

ويظل حسم هذه الملفات مرتبطًا بما ستسفر عنه المناقشات المهنية والتشريعية المقبلة، وما إذا كانت ستتجه نحو تعديل تشريعي واضح يعالج وضع المؤسسات الرقمية، أم الاكتفاء بالحلول التنظيمية الحالية، مع استمرار النقاش حول شروط القيد والحماية النقابية وحقوق العاملين في المواقع الإلكترونية.