لم يعد الخلاف بين مصر وإثيوبيا محصورًا في طاولة مفاوضات سد النهضة أو في الملفات الفنية المرتبطة بتدفقات مياه النيل، بعدما دخلت العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا مرحلة جديدة من التوتر الدبلوماسي، مع تبادل إعلان دبلوماسيين من البلدين «أشخاصًا غير مرغوب فيهم» ومنح كل طرف ممثل الطرف الآخر مهلة 48 ساعة لمغادرة أراضيه.
وجاء التصعيد الأخير في الأول من أكتوبر 2026، عندما أعلنت إثيوبيا اعتبار دبلوماسي مصري شخصًا غير مرغوب فيه، دون أن تقدم في الإخطار الرسمي المنشور تفسيرًا تفصيليًا للسلوك المنسوب إليه. وردت القاهرة بإجراء مماثل، إذ أعلنت مستشارًا بالسفارة الإثيوبية في القاهرة شخصًا غير مرغوب فيه ومنحته 48 ساعة للمغادرة، في خطوة وصفتها مصادر مصرية بأنها تطبيق لمبدأ المعاملة بالمثل.
لكن قراءة هذه الخطوة باعتبارها خلافًا دبلوماسيًا منفصلًا عن بقية ملفات المنطقة قد تكون غير مكتملة؛ إذ جاءت في توقيت تشهد فيه إثيوبيا توترات متصاعدة مع إريتريا، وتتهم فيه أديس أبابا أطرافًا إقليمية، من بينها مصر، بالارتباط بما تعتبره تهديدات لأمنها الداخلي، وهي اتهامات نفتها القاهرة. وفي اليوم نفسه تقريبًا الذي اتخذت فيه أديس أبابا إجراءاتها ضد الدبلوماسي المصري، أعلنت إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
سد النهضة.. أصل الخلاف بين القاهرة وأديس أبابا
يمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير جوهر الخلاف الممتد بين مصر وإثيوبيا منذ إطلاق المشروع عام 2011.
وتنظر إثيوبيا إلى السد باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لتوليد الكهرباء ودعم التنمية الاقتصادية، بينما تعتبر مصر أن طريقة ملء وتشغيل السد، وخصوصًا في فترات الجفاف والجفاف الممتد، ترتبط بصورة مباشرة بأمنها المائي، نظرًا لاعتمادها شبه الكامل على نهر النيل في مواردها المائية.
وتشير القاهرة إلى أن نصيبها التاريخي من مياه النيل يبلغ 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، بينما تؤكد أن التحدي لا يتعلق برفض التنمية الإثيوبية أو إنتاج الكهرباء، وإنما بضرورة وجود قواعد ملزمة تنظم الملء والتشغيل وآليات التعامل مع فترات الجفاف. وقد ظل هذا الخلاف قائمًا رغم سنوات طويلة من المفاوضات الثلاثية مع السودان.
وفي عام 2015، وقعت مصر وإثيوبيا والسودان «إعلان مبادئ» بشأن سد النهضة، والذي وفر إطارًا سياسيًا وقانونيًا للتعامل مع المشروع، إلا أن الخلافات حول الاتفاق الملزم الخاص بقواعد الملء والتشغيل وآلية فض المنازعات ظلت قائمة.
وفي سبتمبر 2025، أعلنت إثيوبيا إتمام وتشغيل السد رسميًا، وهو ما اعتبرته القاهرة خطوة أحادية الجانب، وأبلغت مجلس الأمن بموقفها الرافض للإجراءات الإثيوبية التي ترى أنها تمت دون التوصل إلى اتفاق ملزم مع دولتي المصب.
وتكمن حساسية الملف في أن الخلاف لم يعد متعلقًا فقط بفترة إنشاء السد، وإنما انتقل إلى مرحلة تشغيله وإدارة موارده المائية على المدى الطويل، وهو ما يجعل مسألة قواعد التصرف في المياه خلال سنوات الجفاف واحدة من أكثر نقاط التفاوض تعقيدًا.
لماذا أصبح الخلاف أكبر من سد النهضة؟
خلال السنوات الأخيرة، توسعت المنافسة المصرية الإثيوبية من ملف المياه إلى دوائر أوسع تتعلق بالقرن الأفريقي والبحر الأحمر والتوازنات الأمنية الإقليمية.
فإثيوبيا دولة محورية في منطقة القرن الأفريقي، وتملك حدودًا مع دول تشهد صراعات أو توترات، من بينها السودان وإريتريا والصومال. وفي المقابل، ترى مصر أن استقرار هذه المنطقة يرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وأمن الملاحة ومصالحها الاستراتيجية.
وتزامن ذلك مع سعي إثيوبيا إلى تعزيز حضورها على البحر الأحمر، خصوصًا مع بحثها عن منفذ بحري، وهو ملف أثار توترات مع إريتريا ودول أخرى في المنطقة.
وفي سبتمبر 2026، تصاعدت الاتهامات الإثيوبية بشأن تدخل أطراف خارجية في أزمتها الداخلية، إذ اتهم رئيس أركان الجيش الإثيوبي أطرافًا إقليمية، من بينها مصر والسودان وإريتريا، بالارتباط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بجماعات مسلحة داخل إثيوبيا. ولم تقدم المصادر التي نقلت هذه الاتهامات أدلة علنية تثبت تورط القاهرة، فيما نفت مصر الاتهامات.
وهنا تظهر نقطة مهمة في فهم التصعيد الحالي: سد النهضة هو أصل الخلاف المصري الإثيوبي، لكنه ليس بالضرورة التفسير الوحيد لكل ما يحدث في العلاقات بين البلدين في الوقت الراهن.
الصراع الداخلي الإثيوبي يدخل على خط الأزمة
تواجه إثيوبيا في الوقت نفسه تحديات أمنية وسياسية داخلية، مع تجدد القتال في شمال البلاد وتصاعد التوترات مع إريتريا.
وقد ربطت الحكومة الإثيوبية جزءًا من أزماتها الداخلية بما تصفه بتدخلات أو دعم خارجي لجماعات معارضة، في حين يرى محللون وشخصيات معارضة إثيوبية أن تحميل الخارج مسؤولية الأزمات الداخلية يمكن أن يؤدي إلى حشد الدعم الداخلي حول المؤسسة العسكرية والحكومة.
وبغض النظر عن اختلاف التفسيرات، فإن دخول مصر في الخطاب الأمني الإثيوبي يرفع مستوى حساسية العلاقات الثنائية، لأن الخلاف بين البلدين لم يعد يُناقش فقط باعتباره نزاعًا على إدارة مورد مائي مشترك، وإنما بات يتقاطع مع قضايا الأمن القومي والتوازنات الإقليمية.
ماذا يعني طرد الدبلوماسيين؟
من الناحية الدبلوماسية، إعلان شخص «غير مرغوب فيه» يعد أداة متاحة للدول بموجب قواعد العلاقات الدبلوماسية، ولا يعني في حد ذاته قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.
وهذه النقطة مهمة في تفسير الخطوة المصرية الإثيوبية الأخيرة؛ فالقاهرة وأديس أبابا لم تعلنا قطع العلاقات الدبلوماسية، وإنما تبادلتا إجراءات ضد أعضاء في البعثات الدبلوماسية.
وتحمل الخطوة عدة رسائل في الوقت نفسه.
أولًا، رسالة المعاملة بالمثل؛ إذ جاء القرار المصري بعد إعلان إثيوبيا طرد دبلوماسي مصري، بما يعني أن القاهرة اختارت عدم ترك الإجراء الإثيوبي دون رد.
ثانيًا، رسالة سياسية تتعلق برفض الاتهامات أو التصورات التي ترى القاهرة أنها تستهدفها أو تربطها بأحداث داخلية في إثيوبيا. فقد قالت مصادر مصرية إن القاهرة ترفض التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وإنها تتعامل مع التطورات الداخلية في الدول وفقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
ثالثًا، رسالة ردع دبلوماسي؛ إذ تشير الخطوة إلى أن استمرار التصعيد في الخطاب أو الإجراءات قد ينعكس على مستوى التمثيل والعلاقات بين البلدين، حتى دون الوصول في الوقت الحالي إلى القطيعة الكاملة.
لماذا جاءت الخطوة الآن؟
التوقيت يحمل أهمية خاصة.
فالقرار الإثيوبي ضد الدبلوماسي المصري لم يأتِ بمعزل عن تصعيد إثيوبي–إريتري بالغ الحساسية. ففي الأول من أكتوبر، أعلنت أديس أبابا إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمة إياهم بأنشطتها التي اعتبرتها تهديدًا للأمن القومي، بينما ردت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا.
وبالتالي، فإن الإجراء ضد مصر جاء في لحظة تشهد فيها إثيوبيا اتساع دائرة التوترات حولها، ما جعل الأزمة المصرية الإثيوبية تتقاطع مع أزمة أوسع في القرن الأفريقي.
وهذا ما يفسر جزئيًا تحرك الاتحاد الأفريقي؛ فقد دعت مفوضية الاتحاد، في 2 أكتوبر، مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس، وتجنب الإجراءات أو التصريحات التي يمكن أن تؤدي إلى مزيد من التصعيد، مطالبة الدول الثلاث باستخدام القنوات الدبلوماسية والحوار السلمي لحل خلافاتها.
البعد السوداني.. طرف غائب حاضر
لا يمكن فصل الخلاف المصري الإثيوبي عن السودان.
فالسودان يقع بين مصر وإثيوبيا، وهو دولة مصب بالنسبة لسد النهضة، كما أن لديه مصالح مباشرة في إدارة مياه النيل وسلامة السد وتأثيراته المحتملة.
وفي الوقت نفسه، تشهد العلاقات السودانية الإثيوبية توترات مرتبطة بالحرب السودانية، والحدود، والاتهامات المتبادلة بشأن دعم أطراف داخل الصراع.
وتحاول مصر خلال السنوات الماضية التأكيد على التنسيق مع السودان باعتبار البلدين دولتَي مصب، خصوصًا في ملف الأمن المائي. وفي المقابل، فإن استمرار الحرب في السودان يجعل أي تطور في العلاقة المصرية الإثيوبية أكثر تعقيدًا، لأن أمن النيل والحدود والبحر الأحمر باتت ملفات مترابطة بصورة أكبر.
البحر الأحمر.. البعد الاستراتيجي الجديد
أحد أهم التحولات في المشهد هو انتقال المنافسة المصرية الإثيوبية من حوض النيل وحده إلى المجال الأوسع للبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
إثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إريتريا، تسعى إلى تعزيز وصولها إلى البحر الأحمر، بينما تعتبر مصر البحر الأحمر جزءًا أساسيًا من أمنها الاستراتيجي، خاصة مع ارتباطه بقناة السويس وحركة التجارة العالمية.
ومن ثم، فإن أي ترتيبات إثيوبية في البحر الأحمر أو أي تقارب إثيوبي مع قوى إقليمية ودولية فاعلة في المنطقة يمكن أن يحظى باهتمام مصري كبير.
وهنا تتقاطع ثلاثة مسارات: مياه النيل، والبحر الأحمر، وأمن القرن الأفريقي، وهي مسارات تجعل الخلاف المصري الإثيوبي أوسع من قضية سد واحد.
هل نحن أمام قطيعة مصرية إثيوبية؟
حتى الآن، لا تعني إجراءات طرد الدبلوماسيين أن القاهرة وأديس أبابا اتجهتا إلى قطع العلاقات.
لكنها تمثل انخفاضًا واضحًا في مستوى الثقة السياسية، خصوصًا أنها جاءت بعد سنوات من الخلافات الحادة حول سد النهضة، وفي ظل توترات أمنية وإقليمية متزايدة.
واللافت أن الاتحاد الأفريقي تحرك سريعًا للدعوة إلى ضبط النفس، وهو ما يعكس إدراكًا بأن استمرار التصعيد بين مصر وإثيوبيا في ظل أزمة إثيوبيا مع إريتريا والتوترات المحيطة بالسودان والبحر الأحمر يمكن أن تكون له انعكاسات تتجاوز حدود البلدين.
واخيرا
الصراع المصري الإثيوبي دخل مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد خلاف فني حول سد النهضة.
فمنذ بدء بناء السد عام 2011، تمحور الخلاف حول كيفية تحقيق التوازن بين حق إثيوبيا في التنمية وتوليد الكهرباء، وبين مصالح مصر والسودان باعتبارهما دولتَي مصب. وعلى مدار أكثر من عقد، فشلت المفاوضات في الوصول إلى اتفاق نهائي ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل.
ومع تشغيل السد رسميًا في 2025، انتقل مركز الثقل من سؤال «كيف يتم ملء السد؟» إلى سؤال أكثر استدامة: كيف ستتم إدارة تشغيله، خاصة في سنوات الجفاف، وما الآليات التي تضمن عدم تحول الخلاف إلى أزمة مستمرة؟
أما التصعيد الدبلوماسي الأخير، فيحمل دلالة مختلفة؛ فهو يعكس دخول العلاقات إلى مساحة ترتبط أيضًا بالاتهامات الأمنية والتنافس على النفوذ في القرن الأفريقي، وليس بالمياه وحدها.
ومن هنا تصبح أزمة طرد الدبلوماسيين مؤشرًا على اتساع نطاق الخلاف، وليس دليلًا منفردًا على اتجاه البلدين إلى القطيعة. ويبقى المسار الأكثر حساسية خلال المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة الأطراف على منع تداخل ملف سد النهضة مع أزمات البحر الأحمر وإريتريا والسودان، وإعادة الخلاف إلى قنوات التفاوض بدل انتقاله تدريجيًا إلى المجال الأمني والدبلوماسي.
وفي ظل دعوة الاتحاد الأفريقي إلى ضبط النفس والحوار، فإن التطور الأهم لن يكون فقط في استمرار أو توقف إجراءات الطرد، وإنما في ما إذا كانت القاهرة وأديس أبابا ستتمكنان من احتواء التوتر السياسي والأمني المتصاعد، مع بقاء ملف النيل باعتباره جوهر الخلاف الاستراتيجي بينهما.
الخطورة في التطور الحالي لا تكمن في طرد دبلوماسي بحد ذاته، وإنما في تعدد ساحات الاحتكاك بين مصر وإثيوبيا؛ من مياه النيل إلى السودان والبحر الأحمر وصولًا إلى الاتهامات المرتبطة بالأمن الداخلي الإثيوبي. وكلما تداخلت هذه الملفات، أصبح فصل الخلاف المائي عن بقية صراعات القرن الأفريقي أكثر صعوبة، وهو ما يجعل إدارة التصعيد الدبلوماسي في المرحلة المقبلة جزءًا أساسيًا من إدارة أزمة سد النهضة نفسها.
