على شاطئ المتوسط، في مدينة العلمين الجديدة التي اعتادت استقبال الصيف والمصطافين، تنعقد هذه الأيام مائدة سياسية واقتصادية من نوع مختلف: رؤساء دول وحكومات أفارقة، ومسؤولو مؤسسات تمويل قارية ودولية، وممثلو شركات يبحثون عن صفقة، وأجندة تتنقل بين قمة لوكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد» واجتماع تنسيقي للاتحاد الأفريقي ومنتدى أعمال يُعقد للمرة الأولى باسم «العلمين – أفريقيا». ثلاثة أيام، من الثاني إلى الرابع من أكتوبر 2026، تحاول فيها القاهرة أن تقول شيئًا أبعد من البروتوكول: أنها لا تريد أن تكون مجرد ضيفة على قارة تتشكل خرائطها الاقتصادية سريعًا، بل صاحبة مقعد على الطاولة التي تُرسم عليها.

لكن خلف الصور الجماعية والكلمات الافتتاحية، يبقى السؤال الذي يشغل الشارع قبل الدوائر الرسمية: ماذا تريد مصر تحديدًا من هذا الحراك؟ هل هو سعي إلى أسواق جديدة للمنتج المصري في زمن ضاقت فيه الأسواق التقليدية، أم رغبة في استعادة موقع سياسي وتنموي في القارة، أم محاولة لتحويل أرقام التجارة المتواضعة إلى شراكات إنتاج حقيقية تصنع فرص عمل وتدرّ عملة صعبة؟ وإلى أي حد تستطيع التفاهمات المعلنة أن تتحول إلى مشروعات على الأرض، وهو الاختبار الذي أسقط كثيرًا من القمم السابقة؟

ثلاثة مسارات في مكان واحد

تضم فعاليات العلمين ثلاثة مسارات متوازية. أولها منتدى «العلمين – أفريقيا للأعمال» الذي يفتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمشاركة قادة ومسؤولين أفارقة وممثلي مجتمع الأعمال والمؤسسات الاقتصادية الأفريقية والدولية، وتنظمه مصر بالتعاون مع بنك التصدير والاستيراد الأفريقي «أفريكسيم بنك» ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «أودا – نيباد».

وثانيها قمة الدول المؤسسة لوكالة «أودا – نيباد» التي يترأسها الرئيس السيسي بالاشتراك مع رئيس أنجولا، رئيس اللجنة التوجيهية لرؤساء الدول والحكومات للوكالة، بمشاركة الدول المؤسسة: مصر والجزائر ونيجيريا والسنغال وجنوب أفريقيا، إلى جانب رئيس بوروندي بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي.

أما ثالثها فهو الاجتماع التنسيقي الثامن لمنتصف العام للاتحاد الأفريقي، الذي تستضيفه مصر يوم الأحد 4 أكتوبر، ويلقي فيه الرئيس كلمتي الافتتاح والختام بصفته رئيس الدولة المضيفة، بمشاركة عدد من القادة الأفارقة ورؤساء التجمعات الاقتصادية الإقليمية.

وبحسب المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، يعقد الرئيس خلال اليومين لقاءات ثنائية ومتعددة الأطراف مع القادة والمسؤولين الأفارقة لبحث سبل تعزيز العمل الأفريقي المشترك ودفع جهود التنمية والتكامل القاري.

لماذا الآن؟.. أرقام تفسر الدافع

تقدم الأرقام المتداولة تفسيرًا مباشرًا لهذا التحرك. فقد بلغ إجمالي التجارة البينية الأفريقية نحو 192 مليار دولار في 2023، أي نحو 15% فقط من إجمالي تجارة القارة، مقابل أكثر من 55% في آسيا ونحو 70% في أوروبا. وهي فجوة تعني أن أفريقيا ما زالت تبيع وتشتري من خارجها أكثر مما تتبادل داخلها، وأن المساحة المتاحة للتوسع كبيرة لمن يملك القدرة على دخولها مبكرًا.

وعلى مستوى مصر، تشير بيانات منشورة إلى أن التجارة المصرية مع القارة بلغت نحو 9.59 مليار دولار خلال 2025، بينما تُقدّر الاستثمارات المصرية في أفريقيا بنحو 14 مليار دولار في قطاعات تشمل البناء والطاقة والأدوية والخدمات اللوجستية والزراعة. ومن أبرز مشروعاتها محطة «جوليوس نيريري» للطاقة الكهرومائية في تنزانيا، التي تبلغ تكلفتها نحو 3 مليارات دولار ويقوم بتنفيذها تحالف تقوده شركات مصرية.

ويقول نائب وزير الخارجية للشؤون الأفريقية السفير محمد أبو بكر صالح إن المنتدى يستهدف إنشاء منصة تتيح لأي دولة في شرق القارة التعاقد أو توقيع اتفاق مع دولة في غربها أو شمالها أو جنوبها بما يحقق زخمًا اقتصاديًا. كما أشار إلى أن مصر تصدرت، للعام الرابع على التوالي، قائمة الدول الأفريقية الأكثر جذبًا للاستثمارات الأجنبية بنحو 15.5 مليار دولار، وفق تقرير للأونكتاد، في إطار حديثه عن ترتيب الدولة بين اقتصادات القارة.

ماذا تريد مصر؟.. أربع قراءات

أولًا: من التجارة إلى الإنتاج. يرى مراقبون أن التحدي الأكبر ليس زيادة حجم التبادل التجاري وحده، بل تحويله إلى استثمارات وسلاسل إنتاج مشتركة. وتتسق هذه القراءة مع ما أعلنه رئيس غرفة القاهرة التجارية أيمن العشري، من أن المنتدى يفتح مسارات مباشرة لربط القطاع الخاص والشركات المصرية بمشروعات التنمية والاستثمار في الأسواق الأفريقية، وبقطاعات منها الاستثمار الصناعي وإنشاء خطوط إنتاج بالتعاون مع كيانات أفريقية.

ثانيًا: نصيب الشركات المصرية من تمويل التنمية. يجمع المنتدى مؤسسات تمويل ومقاولين وشركات تبحث عن مشروعات بنية تحتية وطاقة. ويمثل وجود «أفريكسيم بنك» بين الجهات المنظمة مؤشرًا على رغبة مصرية في ربط شركاتها بالتمويل القاري، بما يتيح لها التنافس على عقود لا تقتصر على السوق المحلية. وفي هذا السياق جاء الحديث عن توسيع حضور الشركات المصرية في مشروعات التنمية، وعن منظومة أكثر تنظيمًا لصادرات الخدمات.

ثالثًا: موقع سياسي داخل مؤسسات القارة. تُعد مصر إحدى الدول الخمس المؤسسة لوكالة «أودا – نيباد»، واستضافتها للقمة والاجتماع التنسيقي للاتحاد الأفريقي في الأيام نفسها تمنحها حضورًا مؤسسيًا يتجاوز البعد الاقتصادي. وفي الحسابات السياسية، يعني ذلك أن القاهرة تريد أن تكون جزءًا من صياغة أجندة القارة لا من متابعيها.

رابعًا: التحوط من اضطراب الأسواق التقليدية. في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي وضغوط الطاقة والملاحة، تبدو أفريقيا سوقًا قريبة وواعدة، يمكن أن توفر منفذًا لمنتجات صناعية وزراعية ودوائية مصرية، ومصدرًا للتنوع في الاستثمار. وتبقى هذه قراءة تحليلية تحتاج إلى متابعة نتائجها على الأرض.

بين الإعلان والتنفيذ

لا يخلو المشهد من تحديات يعرفها الجميع في القارة: ضعف البنية التحتية للنقل والتمويل، وتباين الأنظمة الجمركية، وتقلب أسعار الصرف، وعقبات سداد المدفوعات بين الدول. كما أن حجم التجارة المصرية الأفريقية، رغم نموه، ما زال محدودًا قياسًا بحجم الاقتصاد المصري وبإمكانات سوق قارية تضم أكثر من مليار نسمة. وبينما تعلن الفعاليات عن صفقات وتوقيعات، منها توقيع شركة مصرية مع شريك من جنوب أفريقيا لتصنيع مكونات السيارات بحضور وزير الاستثمار، يبقى المعيار الحقيقي هو ما سيتحول من هذه التفاهمات إلى مصانع وعقود وفرص عمل خلال الأشهر المقبلة.

سؤال مفتوح

تمنح العلمين مصر منصة سياسية واقتصادية لافتة في توقيت تتزاحم فيه القوى الدولية على أفريقيا. لكن النجاح لن يُقاس بعدد الكلمات ولا بحجم الحضور، بل بقدرة القاهرة على تحويل الزخم إلى شراكات تدوم. فهل تنجح مصر في أن تجعل من هذا المنتدى بداية لمسار إنتاجي واستثماري تتقاسم فيه القارة المكاسب، أم يبقى مجرد محطة جديدة في سجل القمم التي تُعلن كثيرًا وتُنفذ قليلًا؟