جامعة كيان.. اعتراض رئاسي يعيد مشروع القانون إلى البرلمان.. ماذا تقول المادة 25؟ ولماذا رأى الرئيس أن إلغاءها يعزز المساواة بين الطلاب؟ وما السيناريوهات المطروحة أمام مجلس النواب؟
لم يكن اعتراض الرئيس عبد الفتاح السيسي على المادة 25 من مشروع قانون إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة للعلوم التطبيقية اعتراضًا على إنشاء الجامعة أو على فلسفة القانون ككل، وإنما انصب تحديدًا على الأحكام المتعلقة بالمكافآت المالية التي قررتها المادة لفئات من طلاب الجامعة.
وبعد أن أقر مجلس النواب مشروع القانون نهائيًا في 22 يوليو 2026، عاد المشروع إلى الواجهة مع اعتراض رئيس الجمهورية على المادة 25، قبل أن يحيل مجلس النواب الاعتراض وبيان رئيس الوزراء إلى اللجنة العامة لدراسته، ثم توافق اللجنة العامة اليوم الأحد 4 أكتوبر على مبدأ الاعتراض، تمهيدًا لعرض تقريرها على الجلسة العامة.
أولًا.. ماذا تقول المادة 25 محل الاعتراض؟
المادة 25 تتضمن حكمين أساسيين يتعلقان بالمكافآت المالية داخل جامعة كيان:
الحكم الأول يقضي بمنح طلاب الشعبة العسكرية بكليات ومعاهد الجامعة مكافأة شهرية تعادل أول راتب لرتبة الملازم، إلى جانب التعويضات المقررة قانونًا، وذلك اعتبارًا من التاريخ الذي تُمنح فيه هذه الرتبة لأقرانهم من خريجي الكلية الحربية بالأكاديمية العسكرية المصرية، مع اشتراط أن يكون الطالب قد أتم دراسته بنجاح.
أما الحكم الثاني، فينص على منح طلاب الجامعة المتفوقين مكافأة سنوية، وفقًا للشروط والأوضاع التي تحددها اللائحة الداخلية لكل كلية أو معهد.
وبالتالي، فإن المادة لم تكن تنظم مجرد مكافأة دراسية تقليدية، وإنما وضعت إطارًا ماليًا خاصًا لطلاب الشعبة العسكرية، إلى جانب مكافأة أخرى للطلاب المتفوقين.
ثانيًا.. أين تكمن المشكلة من وجهة نظر الرئاسة؟
جوهر الاعتراض الرئاسي، بحسب الرسالة التي وُجهت إلى مجلس النواب، يرتبط بمبدأ المساواة الدستورية وتكافؤ الفرص واتساق المراكز القانونية للطلاب.
فرسالة الرئيس أوضحت أن جامعة كيان ستقبل طلابًا في شعبتين: عسكرية ومدنية، وأن من أهدافها تخريج ضباط ومدنيين بعد حصولهم على درجة البكالوريوس أو الليسانس في مجالات التخصص.
وفي الوقت نفسه، ينص مشروع القانون على أن الدراسة بالجامعة تكون بنظام الإقامة الداخلية.
ومن هنا رأت الرئاسة أن استمرار النص الخاص بالمكافآت بصورته الواردة في المادة 25 قد يؤدي عمليًا إلى تفاوت في المعاملة المالية بين طلاب داخل الجامعة نفسها، فضلًا عن اختلاف المراكز المالية لبعض الطلاب عن نظرائهم في جامعات أخرى، بما قد يثير إشكالية تتعلق بمقتضيات مبدأ المساواة.
وهنا تظهر النقطة الأهم في الاعتراض: الرئيس لم يطلب تعديل قيمة المكافأة أو إعادة صياغة آلية صرفها فقط، وإنما طلب إلغاء المادة 25 بالكامل بما تتضمنه من مكافأة شهرية ومكافأة سنوية.
ثالثًا.. لماذا اعتُبر الأمر مرتبطًا بالمساواة الدستورية؟
المسألة، وفقًا للتفسير الذي قدمته الرئاسة والحكومة أمام البرلمان، ليست أن حصول الطالب على مكافأة أمر غير جائز في ذاته، وإنما أن التشريع يجب أن يضع قواعد متسقة بالنسبة إلى الطلاب الذين تتقارب مراكزهم القانونية.
فرئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي أوضح أمام مجلس النواب أن ملاحظات رئيس الجمهورية تستهدف إعلاء مبدأ المساواة الدستوري وتكافؤ الفرص، والحفاظ على اتساق المراكز القانونية، بما يمنع تفاوت المعاملة المالية بين طلاب الشعبتين العسكرية والمدنية داخل الجامعة، أو بينهم وبين أقرانهم في الجامعات الأخرى.
وبذلك يمكن فهم الاعتراض باعتباره محاولة لإعادة ضبط النص التشريعي بحيث لا يؤدي اختلاف الشعبة الدراسية داخل الجامعة الواحدة، أو اختلاف الجامعة ذاتها، إلى إنشاء معاملة مالية قد تُفهم باعتبارها تفاوتًا غير مبرر بين مراكز قانونية متقاربة.
رابعًا.. هل الاعتراض يعني رفض جامعة كيان؟
رسالة الرئيس نفسها أثنت على جهود مجلس النواب في الوصول إلى صياغة نهائية لمشروع القانون، ولم تتضمن اعتراضًا على إنشاء الجامعة أو على أهدافها التعليمية.
بل إن رئيس الوزراء أكد أمام البرلمان أن إنشاء جامعة كيان يأتي في إطار تطوير منظومة التعليم الجامعي وإعداد كوادر تجمع بين المعرفة العلمية والمهارات العملية، بما يواكب التطورات واحتياجات سوق العمل والتنمية.
إذن، الخلاف التشريعي محصور في الحكم المالي الوارد بالمادة 25، وليس في أصل إنشاء الجامعة.
خامسًا.. لماذا أعيد المشروع إلى مجلس النواب؟
إعادة المشروع إلى مجلس النواب جاءت استنادًا إلى الآلية الدستورية الخاصة باعتراض رئيس الجمهورية على مشروعات القوانين.
وتنص المادة 123 من الدستور على حق رئيس الجمهورية في إصدار القوانين أو الاعتراض عليها وردها إلى مجلس النواب وفق المواعيد والإجراءات المقررة.
كما تنظم المادة 177 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب كيفية التعامل مع الاعتراض الرئاسي؛ إذ يحال الاعتراض إلى اللجنة العامة لدراسة المشروع والنصوص محل الاعتراض وأسبابه الدستورية أو التشريعية، ثم يُعرض تقرير اللجنة على المجلس على وجه الاستعجال.
وبالفعل، استهل مجلس النواب دور الانعقاد الجديد بعرض كتاب رئيس الجمهورية بشأن الاعتراض على المادة 25، كما استمع إلى بيان رئيس الوزراء، قبل إحالة الأمر إلى اللجنة العامة.
سادسًا.. ماذا حدث داخل اللجنة العامة؟
بعد دراسة الاعتراض والمبررات الدستورية والتشريعية المرتبطة به، وافقت اللجنة العامة بمجلس النواب برئاسة المستشار هشام بدوي، اليوم الأحد، على مبدأ اعتراض رئيس الجمهورية على المادة 25.
وأكدت اللجنة أن الاعتراض يرتبط بالمبادئ الدستورية والقانونية، وبالأخص ما يتعلق بالمساواة بين الطلاب، مع الحفاظ على استقلالية الجامعات وتكاملها وتنوع نظمها التعليمية.
ومن المقرر إعداد تقرير اللجنة تمهيدًا لعرضه على الجلسة العامة لمجلس النواب غدًا الاثنين.
سابعًا.. ماذا سيحدث في الجلسة العامة؟
موافقة اللجنة العامة على الاعتراض ليست هي المحطة الأخيرة.
فاللائحة الداخلية لمجلس النواب ترسم أكثر من مسار.
إذا قبل مجلس النواب اعتراض رئيس الجمهورية، يمكن تشكيل لجنة خاصة لإعادة دراسة مشروع القانون وتعديل النصوص وفقًا للمبادئ التي يحددها المجلس عند مناقشة تقرير اللجنة العامة.
أما إذا أقر المجلس مشروع القانون المعترض عليه رغم الاعتراض، فإن اللائحة تشترط أغلبية ثلثي عدد أعضاء المجلس حتى يُعتبر المشروع قانونًا ويصدر.
وبالتالي، فإن جلسة مجلس النواب المقبلة لا تتعلق فقط بمناقشة مكافآت الطلاب، وإنما تمثل محطة دستورية في مسار إقرار القانون بعد استخدام رئيس الجمهورية لحقه في الاعتراض.
ثامنًا.. لماذا تعد الواقعة لافتة من الناحية التشريعية؟
أهمية الواقعة لا ترتبط بقيمة المكافآت وحدها، وإنما بكونها تكشف عن إحدى آليات المراجعة المتبادلة بين مؤسسات الدولة أثناء العملية التشريعية.
فالبرلمان هو الذي أقر مشروع القانون، ثم استخدم رئيس الجمهورية حقه الدستوري في الاعتراض على مادة محددة، فعاد النص إلى المؤسسة التشريعية لإعادة دراسته في ضوء أسباب الاعتراض.
وهذه الآلية ليست سابقة في الحياة البرلمانية المصرية؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة اعتراضات رئاسية على مواد بمشروعات قوانين، من بينها اعتراض الرئيس السيسي في 2018 على عدد من مواد مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية، وكذلك اعتراضه في 2025 على ثماني مواد من مشروع قانون الإجراءات الجنائية، قبل أن يعيد مجلس النواب دراسة المواد محل الاعتراض من خلال لجانه وإجراءاته الداخلية.
الجدير بالذكر.. المادة 25 هي نقطة الخلاف وليست الجامعة
القصة في جوهرها تدور حول سؤال تشريعي واضح: هل تؤدي المكافآت التي نصت عليها المادة 25 إلى تمييز مالي بين طلاب تتقارب مراكزهم القانونية، أم أن طبيعة الدراسة والشعبة العسكرية تبرر هذا الاختلاف؟
الرئاسة اختارت الإجابة الأولى، ولذلك طلبت إلغاء المادة بالكامل، مستندة إلى تعزيز المساواة الدستورية وتفادي ما قد ينتج عن التطبيق العملي من تفاوت في المعاملة المالية.
ورئيس الوزراء تبنى أمام البرلمان المبررات ذاتها، مشيرًا إلى المساواة وتكافؤ الفرص واتساق المراكز القانونية، بينما وافقت اللجنة العامة اليوم على مبدأ الاعتراض.
لكن الحسم لم يقع بعد؛ فالمشروع ينتظر موقف الجلسة العامة، التي ستحدد ما إذا كان اعتراض الرئيس سيُقبل بما يفتح الباب أمام إعادة صياغة النص، أم سيعاد إقرار المشروع وفق الأغلبية التي حددتها اللائحة.
وبذلك تتحول المادة 25 من مجرد مادة تنظم مكافآت مالية للطلاب إلى محور نقاش أوسع حول كيفية تحقيق التوازن بين خصوصية التعليم العسكري، وتنوع النظم الجامعية، ومبدأ المساواة وتكافؤ الفرص في التشريع المصري.
