بعد مرور خمسين عامًا ويوم واحد على حرب أكتوبر 1973، وجدت إسرائيل نفسها أمام مشهد يعيد إلى الذاكرة واحدة من أكثر الإخفاقات الاستخباراتية رسوخًا في تاريخها؛ ففي 6 أكتوبر 1973 باغتت القوات المصرية والسورية إسرائيل بهجوم واسع، وفي 7 أكتوبر 2023 نفذت حركة حماس هجومًا مفاجئًا على مستوطنات وقواعد عسكرية في غلاف قطاع غزة، رغم وجود مؤشرات وتحذيرات سبقت الهجوم في الحالتين.
وبين الحربين، لم يكن التشابه مقتصرًا على عنصر المفاجأة، وإنما امتد إلى طريقة تعامل القيادة السياسية مع المسؤولية عن الإخفاق، وإلى الخلل الأعمق في منظومة التقييم الاستخباراتي التي سمحت لافتراضات مسبقة بأن تتغلب على مؤشرات كانت تستدعي إعادة النظر في التقديرات.
غولدا مائير ونتنياهو رئيس وزراء إسرائيل.. رواية واحدة بعد نصف قرن
في مقال رأي بصحيفة «هآرتس»، قارن رئيس تحريرها ألوف بن بين تعامل رئيسة الوزراء الإسرائيلية السابقة غولدا مائير ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو مع الإخفاقين الأمنيين في 1973 و2023.
وجاءت المقارنة في أعقاب نشر نتنياهو وثيقة من 55 صفحة عرض فيها روايته بشأن الإخفاقات التي سبقت هجوم 7 أكتوبر، محاولًا تحديد أوجه القصور في الأجهزة الأمنية والعسكرية.
وبحسب ألوف بن، فإن نتنياهو أعاد إنتاج جانب من الحجج التي استخدمتها غولدا مائير أمام لجنة أغرانات التي شُكلت للتحقيق في إخفاقات حرب أكتوبر 1973. فقد دفعت مائير بأنها لم تتلقَّ التحذيرات في الوقت المناسب، ولم تُبلَّغ بما يكفي عن مؤشرات الهجوم، بينما يكرر نتنياهو أن الأجهزة الأمنية لم توقظه في الليلة السابقة لهجوم 7 أكتوبر لإبلاغه بما رصدته من نشاط غير معتاد في قطاع غزة.
ولا يعني ذلك، وفقًا للمقارنة التي طرحها الكاتب، تطابق الظروف السياسية والأمنية بين المرحلتين، لكنه يشير إلى نمط متكرر في إدارة المسؤولية السياسية عقب الإخفاقات الكبرى، إذ تتحول المؤسسات العسكرية والاستخباراتية إلى محور المساءلة، بينما تبقى حدود مسؤولية المستوى السياسي موضع خلاف.
وتختلف الظروف السياسية بين مائير ونتنياهو، كما تختلف طبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والمؤسسة الأمنية في كل مرحلة، إلا أن السؤال المشترك يبقى: كيف تمكنت مؤشرات التحذير من الوصول إلى أجهزة إسرائيل دون أن تتحول إلى تقدير واضح يمنع وقوع المفاجأة؟
من «المفهوم» إلى وهم الردع
تكشف المقارنة بين عامي 1973 و2023 أن المشكلة لم تكن بالضرورة في غياب المعلومات، بقدر ما كانت في الطريقة التي جرى تفسيرها من خلالها.
في حرب أكتوبر، كانت لدى الاستخبارات الإسرائيلية مؤشرات على الاستعدادات العسكرية المصرية والسورية، لكن التقدير السائد استند إلى ما عُرف لاحقًا بـ«المفهوم»، وهو افتراض استخباراتي اعتبر أن مصر وسوريا لن تبدآ حربًا قبل توافر ظروف معينة.
ووفقًا لتحليلات تناولت إخفاق 1973، أدى هذا الافتراض إلى تفسير التحركات العسكرية باعتبارها تدريبات أو استعدادات لا ترقى إلى مستوى الحرب الوشيكة.
وبعد نصف قرن، تكرر جانب من المشكلة في التعامل مع حركة حماس. فقد استندت تقديرات إسرائيلية إلى الاعتقاد بأن الحركة مردوعة، وأنها لا تسعى إلى مواجهة واسعة في المدى القريب، في وقت كانت فيه مؤشرات أخرى تشير إلى تطور قدراتها واستعداداتها.
وهنا تظهر إحدى أهم سمات الفشل الاستخباراتي: المعلومات وحدها لا تكفي لمنع المفاجأة، إذا كانت المؤسسة التي تستقبلها محكومة مسبقًا بتصور يجعل بعض السيناريوهات تبدو غير محتملة.
ماذا كشفت لجنة أغرانات؟
بعد حرب 1973، شكلت إسرائيل لجنة تحقيق برئاسة رئيس المحكمة العليا شيمون أغرانات لفحص أسباب الإخفاقات التي سبقت الحرب وأداء الأجهزة العسكرية والاستخباراتية في بدايتها.
ومن بين القضايا التي أثارتها اللجنة الحاجة إلى تعدد مصادر التقييم الاستخباراتي، وعدم الاعتماد على تقدير واحد باعتباره الرواية الوحيدة التي تصل إلى القيادة السياسية.
وأدى ذلك إلى الدفع باتجاه تعزيز آليات المراجعة والنقد داخل منظومة الاستخبارات، بما في ذلك إنشاء آليات مهمتها تحدي التقديرات السائدة وطرح احتمالات بديلة.
لكن مرور العقود أظهر أن وجود آلية للمراجعة لا يضمن بالضرورة قدرتها على كسر التفكير الجماعي. فبحسب تحليل نشرته «جيروزاليم بوست»، ظل قسم المراجعة داخل جهاز الاستخبارات العسكرية يعاني قيودًا هيكلية، أبرزها ارتباطه بالبنية المؤسسية نفسها التي يفترض أن يمارس عليها النقد.
وتزداد المشكلة تعقيدًا عندما يكون القائمون على المراجعة جزءًا من البيئة المهنية ذاتها التي أنتجت التقدير الأصلي، بما قد يؤدي إلى تشابه في طرق التفكير وصعوبة أكبر في تحدي الافتراضات الراسخة.
لماذا لم تمنع دروس 1973 تكرار إخفاق 2023؟
تكمن المفارقة الأساسية في أن إسرائيل لم تدخل عام 2023 من دون خبرة سابقة في التعامل مع الفشل الاستخباراتي؛ على العكس، فقد أمضت خمسة عقود في تطوير أجهزة جمع المعلومات والتحليل والمراقبة، ووسعت قدراتها التقنية بصورة كبيرة.
لكن التطور التكنولوجي لا يعني بالضرورة تطورًا مماثلًا في القدرة على تفسير المعلومات.
فقد كشفت أحداث 7 أكتوبر عن فجوة بين القدرة على جمع كميات ضخمة من المعلومات وبين القدرة على تحدي التفسير السائد لها. ومع توسع قدرات جمع المعلومات، بما في ذلك القدرات التقنية لوحدات مثل «8200»، تصبح الحاجة أكبر إلى مؤسسات قادرة على فحص البيانات من خارج الإطار الذي أنتج التقدير الأصلي.
وبحسب التحليل المنشور في «جيروزاليم بوست»، فإن إحدى مشكلات الرقابة الاستخباراتية تكمن في محدودية حجم وحدات المراجعة مقارنة باتساع أجهزة جمع المعلومات وتعدد الجبهات، ما يجعل المراجعين يعتمدون في أحيان كثيرة على معلومات معالجة وملخصات بدلًا من الوصول المباشر إلى البيانات الأولية.
وهكذا يمكن أن تتكرر الحلقة نفسها: معلومات كثيرة، ثم معالجة انتقائية، ثم تقدير سائد، ثم قرارات سياسية وأمنية تُبنى على هذا التقدير.
المشكلة ليست في غياب التحذيرات فقط
أحد الدروس الرئيسية من المقارنة بين 1973 و2023 أن السؤال عن «هل كانت هناك تحذيرات؟» لا يكفي وحده لفهم الفشل.
الأهم هو معرفة ماذا حدث لهذه التحذيرات داخل المؤسسة: من تلقاها؟ وكيف فُسرت؟ وهل جرى طرح سيناريوهات بديلة؟ وهل امتلك أصحاب الرأي المخالف القدرة المؤسسية على تحدي التقدير السائد؟ وهل وصلت الخلافات المهنية إلى صانع القرار السياسي؟
في 7 أكتوبر، لم يكن الخلل، وفق التحليلات التي تناولت الإخفاق، مجرد انقطاع كامل للمعلومات. كانت هناك مؤشرات وتحركات جرى رصد بعضها، لكن المشكلة ظهرت في مرحلة التقييم وإدارة المخاطر، حيث تغلب الاعتقاد بأن حماس مردوعة على احتمالات أخرى كان يمكن أن تقود إلى قراءة مختلفة.
وهذه النقطة تحديدًا تعيد إسرائيل إلى درس 1973: أخطر لحظة في العمل الاستخباراتي ليست عندما لا توجد معلومات، وإنما عندما تكون المعلومات موجودة لكن المؤسسة غير مستعدة لتفسيرها خارج القالب الذي اعتادت عليه.
نحو «تعددية استخباراتية» حقيقية
بعد إخفاق 7 أكتوبر، عادت إلى الواجهة الدعوات لإعادة بناء آليات الرقابة على التقييمات الاستخباراتية، ليس فقط داخل الأجهزة الأمنية، وإنما على مستوى الدولة ككل.
ومن بين المقترحات التي طُرحت إنشاء هيئة رقابة استخباراتية وطنية مستقلة تعمل خارج المؤسسة الدفاعية، وتقدم تقاريرها إلى القيادة السياسية والجهات البرلمانية المختصة.
ويستند هذا التصور إلى فكرة أساسية: لا ينبغي أن تكون المؤسسة التي تنتج التقدير هي الجهة الوحيدة القادرة على مراجعته.
كما تشمل المقترحات توسيع استخدام ما يعرف بـ«الفريق الأحمر»، الذي يتولى بصورة منهجية اختبار الفرضيات السائدة ومحاولة إثبات خطئها، إلى جانب الاستفادة من خبراء مستقلين في التكنولوجيا والاستراتيجية وعلم النفس والأوساط الأكاديمية.
ولا يعني ذلك أن إنشاء هيئة جديدة يمكن أن يمنع المفاجآت بصورة كاملة؛ فالاستخبارات تظل نشاطًا بشريًا قائمًا على الاحتمالات، ولا يمكن لأي نظام أن يلغي الخطأ تمامًا. لكن تعدد مصادر التقييم يمكن أن يقلل من مخاطر تحول فرضية واحدة إلى حقيقة غير قابلة للنقاش.
بين 6 أكتوبر و7 أكتوبر.. ما الذي لم يتغير؟
بعد نصف قرن، تغيرت التكنولوجيا وتضاعفت قدرات جمع المعلومات، وتبدلت الأدوات والتهديدات، لكن أحد أوجه المشكلة بقي حاضرًا: صعوبة كسر التصورات الراسخة داخل المؤسسات الأمنية.
في 1973، أخطأت إسرائيل في تقدير نوايا مصر وسوريا، رغم وجود مؤشرات سبقت الحرب. وفي 2023، أخطأت في تقدير نوايا حماس وقدرتها على تنفيذ هجوم واسع، رغم وجود مؤشرات وتحذيرات سابقة.
أما الفارق الأهم، فيبقى في كيفية تعامل إسرائيل مع المسؤولية بعد وقوع الإخفاق. فبينما أدت حرب أكتوبر في النهاية إلى لجنة تحقيق رسمية واستقالة غولدا مائير، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو رفض مراراً تحمل أي مسؤولية شخصية أي مسؤولية شخصية أو مباشرة عن هذا الإخفاق الأمني.
وبين الحالتين، تبدو خلاصة التجربة أكثر تعقيدًا من مجرد القول إن إسرائيل «فشلت في جمع المعلومات». فالمعضلة تتعلق بسلسلة كاملة تبدأ من جمع المعلومة، وتمر بتحليلها ومراجعتها، وتنتهي بالقرار السياسي الذي يتعامل مع المخاطر.
ولهذا فإن السؤال الذي تطرحه تجربتا 1973 و2023 لا يتعلق فقط بكيفية منع هجوم مفاجئ جديد، وإنما بكيفية بناء منظومة لا تسمح لتقدير استخباراتي واحد بأن يتحول إلى حقيقة مطلقة، ولا تجعل أصحاب الرأي المخالف عاجزين عن إيصال تحذيراتهم إلى أعلى مستويات صنع القرار.
فبعد مرور كل هذه الاعوام ، تبدو المقارنة بين غولدا مائير ونتنياهو أقل ارتباطًا بتشابه الشخصيات، وأكثر اتصالًا بمشكلة مؤسسية أوسع: كيف يمكن لمنظومة استخباراتية متقدمة أن تمتلك معلومات كثيرة، لكنها تظل عاجزة عن رؤية الخطر عندما يتعارض مع الفرضية التي اعتادت تصديقها؟
إيران تنفي صلتها بحادث طائرة «فلاي دبي» وتتهم إسرائيل بـ«العل...
وزراء خارج انتخابات لجان النواب.. من غادر هيئات المكاتب في دو...
