قبل 53 عامًا، وفي السادس من أكتوبر 1973، فوجئت إسرائيل بهجوم مصري سوري متزامن قلب حسابات المنطقة، بعدما نجحت القاهرة ودمشق في إخفاء موعد الحرب والاستعدادات الحقيقية لها، رغم التفوق الإسرائيلي في مجالات الاستخبارات والاستطلاع والمراقبة.

لم يكن عنصر المفاجأة وليد قرار عسكري منفرد، وإنما جاء نتيجة خطة خداع استراتيجي امتدت لأكثر من عام، وتداخلت فيها أجهزة الدولة والقيادة السياسية والقوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات ووسائل الإعلام، بهدف إقناع إسرائيل بأن مصر لا تملك القدرة أو الإرادة لخوض حرب جديدة، وأن خيارها الأساسي يظل التحرك السياسي والدبلوماسي.

وبعد مرور أكثر من خمسة عقود على الحرب، لا تزال خطة الخداع المصرية واحدة من أبرز جوانب حرب أكتوبر التي تحظى باهتمام الدراسات العسكرية والاستخباراتية، خصوصًا أن نجاحها لم يكن قائمًا على إخفاء المعلومات فحسب، بل على صناعة صورة بديلة للواقع دفعت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إلى تفسير المؤشرات التي كانت أمامها بصورة خاطئة.

من نكسة 1967 إلى إعداد خطة الخداع

بعد حرب يونيو 1967، أدركت القيادة المصرية أن أي مواجهة جديدة مع إسرائيل لن تكون مجرد معركة عسكرية، في ظل التفوق الإسرائيلي في التسليح والطيران والاستطلاع، والدعم الأمريكي المتزايد لإسرائيل.

ومع تولي أنور السادات الرئاسة في أكتوبر 1970، أصبح استعادة الأراضي المصرية المحتلة هدفًا رئيسيًا للقيادة الجديدة، لكن الوصول إلى الحرب تطلب أولًا معالجة الفارق الكبير في القدرات بين الطرفين، إلى جانب ضمان عدم اكتشاف إسرائيل موعد الهجوم قبل تنفيذه.

وفي يوليو 1972، عُقد اجتماع موسع ضم السادات وعددًا من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين، وجرى التأكيد على أهمية إعداد خطة خداع استراتيجية تحول دون اكتشاف الاستعدادات المصرية، خاصة أن التفوق الإسرائيلي في الاستطلاع والتكنولوجيا كان يسمح له برصد التحركات المصرية على الجبهة وفي الداخل.

لم يكن المطلوب، وفق هذه الرؤية، إخفاء الاستعدادات العسكرية فقط، وإنما دفع إسرائيل إلى الاعتقاد بأن مصر غير مستعدة للحرب، وأن ما يجري على الأرض لا يمثل مقدمات لعملية عسكرية واسعة.

وهنا بدأت واحدة من أهم مراحل الخداع، وهي بناء رواية بديلة تبدو منطقية ومقنعة للخصم.

الإعلام.. جزء من المعركة قبل أن تبدأ

أدركت القيادة المصرية أن الإعلام يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الخداع، خصوصًا بعد الدروس القاسية التي خلفتها تجربة حرب 1967، عندما أدت المبالغة في البيانات العسكرية والتصريحات غير الدقيقة إلى فقدان قدر كبير من الثقة في وسائل الإعلام الرسمية.

لذلك جرى العمل على إعادة بناء الأداء الإعلامي ليصبح أكثر انضباطًا وتنسيقًا مع القيادة السياسية والعسكرية، مع التحكم في طبيعة المعلومات التي يمكن نشرها وتوقيت نشرها والجهة التي تنسب إليها.

وبدلًا من تقديم صورة تعكس الاستعداد للحرب، اتجهت وسائل الإعلام المصرية إلى إبراز موضوعات أخرى؛ من الأوضاع الداخلية والأزمات الاقتصادية والاستعدادات لموسم الدراسة وشهر رمضان، إلى الأخبار الرياضية والفنية والتحركات الدبلوماسية.

كما سمحت الخطة بنشر أخبار عن قوة الجيش الإسرائيلي وتفوقه العسكري وتسليحه الأمريكي والتحصينات الموجودة على الجبهة، وهي صورة كانت تخدم هدفًا محددًا: تعزيز الاعتقاد الإسرائيلي بأن مصر ما زالت ترى نفسها في موقف عسكري ضعيف، وأنها غير قادرة على خوض حرب ناجحة.

ولم يكن ذلك عشوائيًا، وإنما استند إلى استثمار الصورة التي ترسخت لدى إسرائيل بعد حرب 1967 عن التفوق العسكري الإسرائيلي والعجز العربي.

وبهذه الطريقة لم يقتصر الخداع على إخفاء الحقيقة، بل عمل على تعزيز الاعتقاد الذي أرادت القاهرة أن تتمسك به القيادة الإسرائيلية: أن مصر لن تقدم على الحرب.

صناعة واقع بديل أمام الاستخبارات الإسرائيلية

اعتمدت الخطة المصرية على عدة مستويات متزامنة، في مقدمتها السرية الصارمة، والتحكم في المعلومات، وتقديم مؤشرات مضللة، وإبقاء بعض الأنشطة في إطار يبدو طبيعيًا أو لا يرتبط بالاستعداد العسكري.

وكان الهدف أن تجد الاستخبارات الإسرائيلية أمامها عددًا كبيرًا من المؤشرات، لكن من دون القدرة على تجميعها في صورة صحيحة.

فقد جرى السماح بظهور بعض التحركات التي يمكن تفسيرها بعيدًا عن الحرب، في الوقت الذي أخفيت فيه الاستعدادات الأكثر حساسية. كما استُخدمت أخبار وتحركات سياسية ودبلوماسية لتأكيد أن القاهرة لا تزال تراهن على الحل السياسي.

وكان من بين الرسائل التي جرى إيصالها إلى الخارج أن مصر تستنفد الوسائل الدبلوماسية من أجل استعادة أراضيها، وهو ما ظهر في الاتصالات والتحركات الدولية التي سبقت الحرب.

وبذلك كان للخداع المصري هدفان متوازيان: تضليل إسرائيل بشأن النوايا العسكرية، وتهيئة الرأي العام الدولي لفكرة أن أي مواجهة مقبلة ستكون نتيجة لفشل المسار السياسي في إنهاء الاحتلال.

لماذا صدقت إسرائيل الرواية المصرية؟

نجاح الخداع لم يكن نتيجة معلومة كاذبة واحدة، وإنما نتيجة تراكم مجموعة من المؤشرات التي بدت منطقية ومتسقة مع التصورات الإسرائيلية القائمة بالفعل.

فبعد 1967، ترسخت داخل إسرائيل قناعة بأن التفوق العسكري يمنحها قدرة كبيرة على ردع الجيوش العربية، وأن مصر لن تخاطر بخوض حرب جديدة من دون امتلاك تفوق جوي مماثل.

استفادت الخطة المصرية من هذه القناعة نفسها.

فكلما بدت مصر أقل اندفاعًا نحو الحرب، وكلما ظهرت في الإعلام أخبار عن أزماتها الداخلية أو تحركاتها السياسية والدبلوماسية، أصبحت تلك المؤشرات جزءًا من الصورة التي تدعم التقدير الإسرائيلي القائم أصلًا.

وفي المقابل، كانت التحركات العسكرية الحقيقية تجري في إطار من السرية والتمويه.

وتحولت هذه العملية تدريجيًا إلى ما يمكن وصفه بصناعة «منطقة ظلام معلوماتي»؛ إذ لم تكن المشكلة أمام الاستخبارات الإسرائيلية غياب المعلومات بالكامل، وإنما صعوبة معرفة أي المعلومات حقيقية وأيها جزء من الخداع.

خطة الخداع تمتد إلى الداخل والخارج

لم يكن الخداع موجهًا إلى إسرائيل وحدها، بل امتد بدرجات مختلفة إلى البيئة الدولية وإلى الداخل المصري نفسه.

فقد سعت القاهرة إلى الحفاظ على صورة دولة ما زالت تتحرك سياسيًا من أجل استعادة الأراضي المحتلة، وتتمسك بالقرارات الدولية والحل الدبلوماسي، في الوقت الذي كانت فيه الاستعدادات العسكرية تتقدم على الأرض.

وفي الوقت نفسه، ظلت المعلومات المتعلقة بموعد الحرب وساعة الصفر محصورة في أضيق نطاق ممكن داخل مؤسسات الدولة والقوات المسلحة.

وتكشف طبيعة الإجراءات التي سبقت الحرب عن حجم الحرص على ألا تتسرب مؤشرات واضحة يمكن أن تساعد إسرائيل على اكتشاف الخطة.

ومن بين مظاهر التمويه التي ارتبطت بالرواية المصرية قبل الحرب، نشر أخبار عن تسريح بعض الضباط والجنود، وإظهار أنشطة مدنية وإدارية عادية، إلى جانب إبراز أزمات داخلية وتحركات طلابية، في محاولة لتأكيد أن مصر لا تبدو كدولة تستعد لبدء حرب شاملة.

اختيار التوقيت.. جزء من الخداع

لم يكن اختيار السادس من أكتوبر 1973 مجرد قرار عسكري، وإنما ارتبط أيضًا بدراسة الظروف الإسرائيلية.

فقد وافق ذلك اليوم عيد الغفران اليهودي، وهو من أهم الأعياد في إسرائيل، وكانت الإذاعة والتليفزيون يتوقفان عن البث خلاله، كما تتغير طبيعة الحياة اليومية وتكون حركة المجتمع والجيش مختلفة عن الأيام العادية.

وأخذ التخطيط المصري في الاعتبار كذلك ظروف المد والجزر وسرعة تيار قناة السويس، إلى جانب دراسة نظام التعبئة الإسرائيلي ومدى سهولة استدعاء قوات الاحتياط.

وبالتالي تداخلت الاعتبارات العسكرية والاستخباراتية والنفسية في تحديد موعد الهجوم.

وفي الأول من أكتوبر، صدق السادات على خطة الحرب خلال اجتماع موسع مع قيادات القوات المسلحة، لتدخل الاستعدادات المرحلة الأخيرة قبل ساعة الصفر.

الشفرة النوبية.. إخفاء الاتصالات عن آذان العدو

لم يتوقف الخداع عند الإعلام والتحركات العسكرية والسياسية، بل امتد إلى الاتصالات.

ومن أشهر القصص المرتبطة بذلك استخدام اللغة النوبية في بعض الاتصالات العسكرية، وهي فكرة ارتبطت بالجندي النوبي أحمد إدريس، الذي اقترح استخدام لغة يصعب على أجهزة التنصت الإسرائيلية فهمها.

وبحسب الروايات المتداولة عن التجربة، جرى تدريب عدد من الجنود النوبيين على استخدام أجهزة الاتصال، وتحديد مفردات نوبية تستخدم للإشارة إلى أوامر ومواعيد عسكرية.

ومن أشهر الكلمات التي ارتبطت بهذه الرواية «ساع آوي» للإشارة إلى الساعة الثانية ظهرًا، و«أوشريا» التي ارتبطت بأمر إطلاق النار.

وبغض النظر عن التفاصيل التي لا تزال موضع بحث وروايات متعددة، فإن فكرة استخدام لغة محكية غير مكتوبة على نطاق واسع تعكس جانبًا من طبيعة الحرب السرية التي سبقت العبور، ومحاولة تأمين الاتصالات بعيدًا عن وسائل التنصت التقليدية.

حائط الصواريخ.. الوجه الآخر للاستعداد للحرب

في مقابل عملية الخداع، كانت مصر تعمل على معالجة إحدى أخطر نقاط الضعف التي كشفتها حرب 1967، وهي التفوق الجوي الإسرائيلي.

ولهذا جاء إنشاء قوات الدفاع الجوي وتطوير شبكة صواريخ مضادة للطائرات خلال حرب الاستنزاف، وصولًا إلى بناء ما عرف باسم «حائط الصواريخ».

ومثّل هذا الحائط عنصرًا أساسيًا في توفير الحماية للقوات المصرية خلال العبور، وتقليص قدرة الطيران الإسرائيلي على العمل بحرية فوق منطقة القناة.

وخلال حرب الاستنزاف، حققت قوات الدفاع الجوي نجاحات مهمة في مواجهة الطيران الإسرائيلي، وأسهم ذلك في بناء الثقة المصرية في إمكانية خوض معركة جديدة مع تقليل تأثير التفوق الجوي الإسرائيلي.

وهكذا، بينما كانت أجهزة الدولة تعمل على إقناع إسرائيل بأن مصر لا تستعد للحرب، كانت القوات المسلحة تعمل في الوقت نفسه على بناء القدرات المطلوبة لتنفيذها.

من الخداع إلى المصداقية.. ماذا حدث في السادس من أكتوبر؟

عندما دقت الساعة الثانية ظهر السادس من أكتوبر، انتقلت الخطة المصرية إلى مرحلة مختلفة تمامًا.

لم يعد الهدف تضليل إسرائيل بشأن نية الحرب، وإنما إدارة الحرب نفسها والحفاظ على ثقة الجمهور في الداخل والخارج.

ولهذا اتسمت البيانات الأولى بدرجة عالية من الانضباط، مع تجنب المبالغة في حجم الانتصارات أو الخسائر الإسرائيلية، مع استمرار التنسيق بين الإعلام والقوات المسلحة بشأن المعلومات التي يمكن نشرها.

وكان ذلك درسًا مباشرًا من تجربة 1967، عندما تسببت البيانات غير الدقيقة في انهيار ثقة الجمهور بالإعلام الرسمي.

وبالتوازي، أتيح للإعلام الأجنبي قدر أكبر من الحركة، ونظمت زيارات لعدد من الصحفيين إلى مناطق أصبحت تحت السيطرة المصرية، بما سمح لهم بمشاهدة بعض آثار المعارك والأسرى الإسرائيليين بصورة مباشرة.

وهكذا أصبح الهدف الإعلامي بعد بدء الحرب هو استعادة المصداقية، لا مواصلة التضليل بالأسلوب نفسه الذي سبق المعركة.

«صوت القاهرة».. الحرب النفسية باللغة العبرية

إلى جانب الإعلام الداخلي، استخدمت مصر إذاعة «صوت القاهرة» الناطقة بالعبرية كأداة من أدوات الحرب النفسية.

ركزت الإذاعة على مخاطبة المجتمع الإسرائيلي، مع محاولة الفصل بين الشعب الإسرائيلي والقيادة السياسية والعسكرية، وتحميل الأخيرة مسؤولية استمرار الصراع.

وخلال الحرب، استفادت الإذاعة من المعلومات المتعلقة بالأسرى الإسرائيليين، كما قدمت رسائل ومعلومات جذبت اهتمام الجمهور الإسرائيلي، خصوصًا في ظل حالة القلق التي رافقت الحرب والتعتيم الإعلامي الإسرائيلي على بعض تفاصيلها.

وكان الهدف يتجاوز نقل المعلومات إلى التأثير في معنويات المجتمع الإسرائيلي وفي علاقته بقيادته السياسية والعسكرية.

شهادة إسرائيلية على نجاح الخداع

أهمية الخطة المصرية لا ترتبط فقط بالرواية المصرية عنها، وإنما أيضًا بما تركته من أثر داخل إسرائيل بعد الحرب.

فقد تحولت المفاجأة التي تعرضت لها إسرائيل إلى أزمة سياسية وعسكرية واستخباراتية واسعة، وانطلقت لجنة «أجرانات» للتحقيق في أسباب الإخفاق الذي سبق الحرب، بينما دخلت القيادات السياسية والعسكرية في مرحلة من تبادل المسؤوليات والاتهامات.

وكانت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية قد امتلكت مؤشرات وتحذيرات قبل الحرب، لكن المشكلة الأساسية تمثلت في طريقة تفسير هذه المؤشرات وربطها ببعضها.

ومن هنا أصبحت حرب أكتوبر نموذجًا بارزًا في دراسات «فشل الاستخبارات»، ليس لأن إسرائيل كانت تفتقر إلى المعلومات، وإنما لأنها أخطأت في تقدير دلالات المعلومات الموجودة لديها.

الخداع الذي سبق الرصاصة الأولى

لم تكن مفاجأة السادس من أكتوبر وليدة الساعات الأخيرة، وإنما كانت نتيجة عملية طويلة جمعت بين العمل العسكري والسياسي والاستخباراتي والإعلامي.

فقد عملت مصر على إخفاء قرار الحرب، وإخفاء الاستعدادات المرتبطة به، وفي الوقت نفسه بناء صورة بديلة عن مصر باعتبارها دولة منشغلة بأزماتها الداخلية وتتحرك سياسيًا ودبلوماسيًا، وغير مستعدة لخوض حرب جديدة.

وعندما جاء موعد الهجوم، كانت إسرائيل تواجه واقعًا مختلفًا تمامًا عن الصورة التي بنتها خلال السنوات والاشهر السابقة.

وبذلك لم يكن السلاح وحده هو الذي عبر قناة السويس في السادس من أكتوبر؛ سبقه إلى الضفة الشرقية عمل استخباراتي وسياسي وإعلامي طويل هدفه تحقيق أهم عنصر في المعركة: المفاجأة.

وبعد أكثر من خمسة عقود، تظل حرب أكتوبر واحدة من أبرز النماذج التي تدرسها المؤسسات العسكرية والأمنية لفهم العلاقة بين الخداع الاستراتيجي والاستخبارات والإعلام، وكيف يمكن لدولة أن تستخدم إدارة المعلومات وتشكيل إدراك الخصم لتقليص فارق القوة وتحويل عنصر المفاجأة إلى عامل حاسم في المعركة.

من الضفة إلى غزة.. ليبرمان يطرح خطة إسرائيلية لإعادة تشكيل ال...

تحذير إسرائيلي من عملية نوعية قبل الانتخابات.. خطف جندي يثير...