في الذكرى الـ53 لحرب أكتوبر المجيدة، استعاد اللواء أركان حرب الدكتور سمير فرج، ذكريات مشاركته في حرب أكتوبر 1973، كاشفًا تفاصيل وكواليس عايشها عن قرب منذ سنوات حرب الاستنزاف وحتى معركة العبور، بحكم وجوده داخل غرفة العمليات الرئيسية للقوات المسلحة، المعروفة باسم «مركز 10».

وقال اللواء سمير فرج، في تصريح خاص لـ«خمسة سياسة»، إن مشاركته في حرب أكتوبر لم تكن مجرد وجود في صفوف القوات المسلحة، وإنما أتاحت له أن يكون شاهدًا على واحدة من أهم مراحل التخطيط وإدارة العمليات العسكرية، بعدما جرى اختياره للعمل داخل غرفة العمليات الرئيسية للقوات المسلحة، ليصبح أصغر ضابط موجود داخل الغرفة التي أدارت تفاصيل الحرب لحظة بلحظة.

من الكلية الحربية إلى ميادين القتال

وأوضح فرج أن رحلته العسكرية بدأت قبل حرب أكتوبر بسنوات طويلة، مشيرًا إلى أنه تخرج في الكلية الحربية عام 1963 بتقدير امتياز، والتحق بسلاح المشاة، ثم واصل مسيرته العسكرية التي شارك خلالها في حرب اليمن، وحرب يونيو 1967، وحرب الاستنزاف.

وأشار إلى أنه تخرج في كلية أركان حرب عام 1973، وكان الأول على دفعته، موضحًا أن ذلك أسهم في اختياره للعمل بهيئة عمليات القوات المسلحة، والانتقال إلى مرحلة جديدة من مسيرته العسكرية ارتبطت بالتخطيط وإدارة العمليات.

6 سنوات على خط النار.. 200 متر أمام خط بارليف

وكشف اللواء سمير فرج أنه خاض تجربة ميدانية طويلة خلال حرب الاستنزاف، حيث أمضى نحو ست سنوات في موقع دفاعي على الضفة الغربية لقناة السويس، موضحًا أن المسافة بين موقعه وخط بارليف الإسرائيلي كانت لا تتجاوز عرض قناة السويس، أي نحو 200 متر فقط.

وقال فرج إن تلك السنوات شهدت اشتباكات يومية مع القوات الإسرائيلية، مشيرًا إلى أنه عايش من موقعه على الخط الأمامي مراحل بناء التحصينات الإسرائيلية، وتابع المواجهات على امتداد قناة السويس.

وأوضح أن هذه التجربة لم تكن مجرد مرحلة قتالية في مسيرته العسكرية، وإنما شكلت جزءًا مهمًا من الإعداد النفسي والعسكري للمعركة الكبرى، خاصة مع انتقاله بعد ذلك إلى مرحلة جديدة من العمل داخل مؤسسات التخطيط العسكري.

من كلية أركان حرب إلى «مركز 10»

وأشار فرج إلى أن تفوقه في كلية أركان حرب شكل نقطة تحول رئيسية في مسيرته العسكرية، موضحًا أنه بعد تخرجه عام 1973 في المركز الأول على دفعته، جرى اختياره للعمل في هيئة عمليات القوات المسلحة، ليكون ضمن مجموعة من كبار الضباط المشاركين في إعداد وإدارة الحرب.

وأوضح أن مركز العمليات الرئيسي كان قد جرى تجهيزه تحت الأرض قبل الحرب، باعتباره مركز القيادة والسيطرة الذي تتم من خلاله متابعة الجبهات، واستقبال البلاغات، وتحديث خرائط العمليات.

وأضاف أن مهمته داخل المركز كانت متابعة البلاغات الواردة من القوات المختلفة، وتحديد تطورات الموقف على خرائط العمليات، في الوقت الذي كان كبار القادة يتابعون سير المعركة من داخل الغرفة.

ولفت إلى أنه كان أصغر ضابط داخل غرفة العمليات، وكان يحمل رتبة الرائد في ذلك الوقت.

السادات داخل غرفة العمليات قبل لحظة العبور

واستعاد اللواء سمير فرج تفاصيل يوم السادس من أكتوبر، قائلًا إن الرئيس الراحل محمد أنور السادات وصل إلى غرفة العمليات، وكان يرتدي زيه العسكري، وكان إلى جواره الفريق أول أحمد إسماعيل، والفريق سعد الدين الشاذلي، واللواء محمد عبد الغني الجمسي، وعدد من قيادات القوات المسلحة.

وأوضح أن مركز العمليات كان في حالة استعداد كامل، مشيرًا إلى أن الخرائط الخاصة بالتدريب والمشروعات السابقة جرى استبدالها بالخرائط المرتبطة بخطة الحرب، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتظار قبل صدور الإشارة الحاسمة.

إفطار رمضان.. لماذا رفض بعض الضباط تناول الطعام؟

وأشار فرج إلى أن السادس من أكتوبر 1973 وافق العاشر من رمضان، وكان الضباط والجنود صائمين.

وقال إن الرئيس السادات حضر إلى غرفة العمليات ومعه جنود يحملون الشطائر والعصائر، وأبلغ الموجودين بأن مفتي الجمهورية أفتى بجواز الإفطار للمقاتلين في الحرب، حتى يتمكنوا من أداء مهمتهم القتالية.

وأوضح أنه جرى توزيع الشطائر والعصائر على الضباط، إلا أنه وعددًا من زملائه ظلوا صائمين، ولم يتناولوا الطعام إلا في وقت لاحق من المساء.

ولفت إلى أنه روى هذه الواقعة في أكثر من شهادة عن ذكرياته مع حرب أكتوبر.

الساعة الثانية ظهرًا.. «الآن بدأت الحرب»

وقال اللواء سمير فرج إن اللحظة الفاصلة بالنسبة إليه داخل غرفة العمليات جاءت عند الثانية ظهرًا، عندما ظهرت على شاشات غرفة العمليات الطائرات المصرية وهي تعبر قناة السويس لتنفيذ الضربة الجوية الافتتاحية.

وأوضح أن ظهور الطائرات المصرية، وعددها 220 طائرة، على الشاشات كان اللحظة التي تيقن فيها الموجودون داخل غرفة العمليات من أن الحرب بدأت بالفعل.

وأشار إلى أنه بالتزامن مع الضربة الجوية، بدأت القوات البرية تنفيذ عملية العبور، وتوالت البلاغات من الجبهة بشأن تقدم القوات وسقوط النقاط والتحصينات الإسرائيلية تباعًا.

إشارة إسرائيلية التقطتها غرفة العمليات

وكشف فرج عن إحدى أبرز التفاصيل التي عايشها خلال الساعات الأولى للحرب، قائلًا إنها كانت من أسعد الأخبار التي سمعها في حياته العسكرية، بعدما التقط الاستطلاع اللاسلكي المصري إشارة من قائد القوات الجوية الإسرائيلية يأمر فيها الطيارين الإسرائيليين بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة 15 كيلومترًا.

وأوضح أنه فهم من هذه الإشارة أن القوات المصرية ستتمكن من عبور القناة دون تدخل فعال من الطيران الإسرائيلي في تلك اللحظة، مشيرًا إلى أن ذلك اعتبر مؤشرًا مهمًا على نجاح عملية العبور.

استشهاد عاطف السادات داخل غرفة العمليات

وأشار اللواء سمير فرج إلى أنه بعد بدء الضربة الجوية وعمليات العبور، وصلت إلى غرفة العمليات أنباء استشهاد الطيار عاطف السادات، شقيق الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

وقال إن الخبر وصل إلى قيادات غرفة العمليات، موضحًا أن الفريق أول أحمد إسماعيل أبلغ الرئيس السادات بالنبأ بعيدًا عن بقية الموجودين بالغرفة، بعدما شعر الرئيس بأن هناك أمرًا غير طبيعي.

وأوضح فرج أن السادات تلقى الخبر بهدوء شديد، رغم الحزن الذي ظهر عليه، قبل أن يعود لمتابعة سير العمليات والبلاغات القادمة من الجبهة.

متابعة المعركة من خلال البلاغات والخرائط

وأكد فرج أن دوره داخل غرفة العمليات لم يكن مقتصرًا على المشاهدة، موضحًا أنه كان مسؤولًا عن تلقي البلاغات القادمة من القوات، وتسجيلها ومتابعة تطوراتها على خريطة العمليات.

وأشار إلى أنه مع بدء موجات العبور، توالت المعلومات بشأن اقتحام قناة السويس وسقوط نقاط خط بارليف، ثم التعامل مع محاولات القوات الإسرائيلية شن هجمات مضادة على القوات المصرية.

وأوضح أن تلك الساعات كانت من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته العسكرية، بعدما شاهد تنفيذ الخطة التي جرى الإعداد لها على مدار سنوات، بداية من حرب الاستنزاف والتدريب والتخطيط، وصولًا إلى عبور القوات المصرية واقتحام التحصينات الإسرائيلية.

«كنت محظوظًا».. 30 يومًا في قلب غرفة العمليات

وفي حديثه عن عودته إلى غرفة عمليات حرب أكتوبر بعد مرور 50 عامًا، وصف فرج وجوده داخل مركز العمليات بأنه تجربة استثنائية، مؤكدًا أنه ظل شاهدًا على تفاصيل الحرب من موقعه داخل الغرفة.

وقال فرج إنه كان «محظوظًا» لأنه عمل على خريطة العمليات خلال الحرب، موضحًا أن وجوده في مركز القيادة أتاح له متابعة الأحداث والبلاغات القادمة من الجبهة بصورة مباشرة.

من ميدان القتال إلى العمل المدني

وأشار اللواء سمير فرج إلى أن مسيرته لم تتوقف عند الخدمة العسكرية، إذ تولى بعد ذلك عددًا من المناصب المدنية والعسكرية البارزة.

وأوضح أنه شغل منصب وكيل أول وزارة السياحة، ثم تولى رئاسة دار الأوبرا المصرية بين عامي 2000 و2004، وبعدها تولى رئاسة المجلس الأعلى لمدينة الأقصر عام 2004، قبل أن تصبح الأقصر محافظة عام 2009، ليُعيّن أول محافظ لها ويستمر في منصبه حتى عام 2011.

وأضاف أنه تولى مدير إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة بين عامي 1993 و2000، إلى جانب عدد من المناصب العسكرية الأخرى.

ولفت إلى أنه في عام 2011 أصبح عضوًا بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت أحداث يناير، قبل أن يواصل حضوره في المجال العام من خلال الكتابة والمحاضرات والظهور الإعلامي والتحليل الاستراتيجي.

شهادة شاهد من داخل «مركز 10»

وأكد اللواء سمير فرج أن وجوده داخل «مركز 10» جعله شاهدًا على جانب مهم من حرب أكتوبر، ليس فقط من خطوط القتال، وإنما من داخل غرفة القيادة التي كانت تتابع المعركة لحظة بلحظة.

وأوضح أن موقعه كضابط شاب كان الأصغر سنًا ورتبة داخل غرفة العمليات، أتاح له متابعة وصول القيادة السياسية والعسكرية، وانطلاق الضربة الجوية، واستقبال البلاغات الأولى للعبور وسقوط تحصينات خط بارليف، وصولًا إلى اللحظات التي بدأت فيها ملامح النصر تتشكل على أرض سيناء.

وأشار إلى أن تجربته مع حرب أكتوبر لا ترتبط بيوم السادس من أكتوبر وحده، وإنما تمتد إلى سنوات حرب الاستنزاف التي قضاها على الضفة الغربية لقناة السويس، مرورًا بالدراسة والتخطيط في كلية أركان حرب، وصولًا إلى وجوده داخل «مركز 10» في قلب غرفة العمليات، حيث تحولت الخطط والخرائط إلى معركة حقيقية غيّرت مسار التاريخ.