◾من الخارج خط استقامة يساير الشارع ومن الداخل اتجاه دقيق للقبلة.. كيف حل مهندس القرن التاسع عشر معضلة التوجيه؟
◾ تصميم "السبيل المنكسر" تطبيق عملي لـ "لا ضرر ولا ضرار".. ومزيج فريد بين فنون الروكوكو والباروك والخط العربي
في قلب الشارع الذي يحكي تاريخ المحروسة، وتحديداً على خطوات من "باب الفتوح" بشارع المعز لدين الله الفاطمي، يقف مجمع سليمان أغا السلحدار شامخاً كواحدة من أروع الدرر المعمارية التي تركتها حقبة أسرة محمد علي باشا في مصر. بعيداً عن أعين المارة العاديين الذين يمرون بجواره يومياً، يخفي هذا الأثر العظيم تفاصيل هندسية وفنية نادرة تعكس عبقرية الصانع المصري وقدرته الفذة على التطويع المعماري.

خدعة بصرية عقرية للقبلة
واجه مهندس العصر العثماني تحدياً معمارياً معقداً؛ فاستقامة شارع المعز التاريخي لا تتوافق هندسياً مع اتجاه القبلة الصحيح. ولحل هذه المعضلة دون الإخلال بالمظهر الجمالي للشارع، ابتكر المهندس حلًا عبقرياً يتمثل في بناء "واجهة مزيفة" من الخارج تتماشى تماماً مع خط سير الطريق المستقيم، بينما تم توجيه البناء من الداخل بدقة تامة نحو الكعبة المشرفة، في خداع بصري لا تلاحظه العين المجردة.
"لا ضرر ولا ضرار".. فلسفة سلم السبيل
ولم تتوقف عبقرية التصميم عند هذا الحد؛ إذ راعى المعماري حقوق المارة في الشارع المزدحم، فصمم سُلم "السبيل" بشكل ديري منكسر للداخل. جاء هذا التصميم العبقري ترجمة عملية للقاعدة الفقهية "لا ضرر ولا ضرار"، لضمان عدم اقتطاع سلم السبيل من حَرَم الطريق وتضييق الخناق على المارة.
ويتميز السبيل بكسوة رخامية فاخرة وشبابيك من النحاس المسبوك (البرونز) التي تمنح واجهة المبنى تبايناً لونياً ساحراً، وصولاً إلى الرفرف الخشبي المائل المزين بنقوش دقيقة تدمج ببراعة بين فن الخط العربي وتأثيرات مدرستي "الروكوكو والباروك" الأوروبيتين.

خروج عن المألوف: التصميم الأفقي لمجموعة الوقف
على غير العادة في العمارة العثمانية التي اعتمدت على استغلال المساحة الرأسية بوضع الكُتّاب دائماً في الدور العلوي فوق السبيل، كسرت مجموعة السلحدار هذه القاعدة. فقد اعتمد المهندس تصميماً "أفقياً" متفرداً تجاور فيه السبيل والكُتّاب والمدرسة جنباً إلى جنب، مع إبراز التكوينات الإنشائية للحجر بصورته الطبيعية الخلابة، واستخدام نوافذ مستقيمة للكُتّاب تتناقض بجمال فني مع النوافذ المعقودة للسبيل.

يُذكر أن هذا المجمع الأثري المتكامل، الذي ينتمي لطراز المساجد المعلقة ويضم مسجداً ومدرسة وسبيل مياه وكُتّاباً، أُنشئ على يد الأمير سليمان أغا، الذي تدرج في مناصب الدولة حتى أصبح "السلحدار" المسؤول عن مخازن السلاح، ليترك خلفه إرثاً خالداً يروي للأجيال عبقرية العمارة المصرية عبر التاريخ.



