-تصريحات السيسي بشأن نهاية ولايته في 2030 تضع المعارضة أمام اختبار الاستعداد.. هل تفتح الباب لانفراجة سياسية؟
-بين الترحيب الحزبي ومطالب توسيع المجال العام.. المعارضة أمام استحقاق يتجاوز تأكيد عدم تعديل الدستور
أعادت تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن انتهاء ولايته الرئاسية في عام 2030، وتأكيده أن الدستور المصري «لن يُمس»، النقاش حول مستقبل الحياة السياسية في مصر، وحدود التغيير المحتمل خلال السنوات المقبلة، ومدى استعداد الأحزاب والقوى المعارضة لخوض مرحلة جديدة قد تشهد استحقاقًا رئاسيًا وتغيرًا في خريطة السلطة.
كلمة الرئيس السيسي خلال احتفالية تخرج طلاب الأكاديمية العسكرية
وخلال كلمته في حفل تخريج الدفعة الأولى من الأكاديمية العسكرية المصرية، السبت 17 أكتوبر 2026، أكد السيسي أن انتهاء فترة رئاسته في عام 2030 «أمر محسوم تمامًا»، في رسالة أعادت طرح تساؤلات بشأن طبيعة المرحلة المقبلة، وما إذا كانت هذه التصريحات تمثل مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي، أم تظل في إطار التأكيد على الالتزام بالنصوص الدستورية.
رد فعل المعارضة على كلمة الرئيس السيسي بشأن الدستور
وأثارت التصريحات ردود فعل متباينة بين القوى السياسية، إذ رحبت أحزاب باعتبارها تأكيدًا لمبدأ التداول السلمي للسلطة، فيما تركز جانب آخر من النقاش على ضرورة ترجمة احترام الدستور إلى إجراءات عملية تتيح مشاركة سياسية أوسع، وتعزز قدرة الأحزاب على المنافسة والاستعداد للاستحقاقات المقبلة.
حزب العدل: الاستقرار لا يتعارض مع التغيير
في مقدمة الأحزاب التي رحبت بالتصريحات، جاء حزب العدل، الذي اعتبر مكتبه السياسي أن إعلان الرئيس انتهاء ولايته في 2030 يمثل موقفًا بالغ الأهمية، يتجاوز الالتزام بالنصوص الدستورية إلى تأكيد مبدأ سيادة الشعب وترسيخ التداول السلمي للسلطة.
وأكد الحزب، في بيان صدر السبت 17 أكتوبر، أن استقرار الدولة لا ينبغي أن يرتبط ببقاء الأشخاص في مواقع الحكم، وإنما بقوة المؤسسات واستمراريتها، معتبرًا أن الاستقرار يمثل ضمانة للإصلاح وليس نقيضًا للتغيير.
وفي الوقت نفسه، ربط الحزب أهمية المرحلة المقبلة بمسؤولية الأحزاب في إعداد القيادات وتأهيل الكوادر وطرح برامج ورؤى قادرة على التعامل مع تحديات المستقبل، مشددًا على ضرورة توسيع المشاركة السياسية وترسيخ دولة القانون.
وذهب الحزب إلى أن السنوات المتبقية حتى عام 2030 لا ينبغي أن تتحول إلى فترة انتظار للاستحقاق الرئاسي، وإنما إلى مرحلة للإعداد السياسي والمؤسسي، بما يسمح بمنافسة ديمقراطية جادة يكون الاحتكام فيها إلى الشعب وفقًا للدستور والقانون.
ويعكس موقف حزب العدل توجهًا نحو البناء على تصريحات الرئيس، مع التركيز على مسؤولية القوى السياسية في الاستعداد للمرحلة المقبلة، بدلًا من الاكتفاء بالتعامل معها باعتبارها إعلانًا بشأن موعد انتهاء الولاية الرئاسية.
ضياء الدين داود: إشادة بالتصريحات والمسار الدستوري
وعلى خلاف ما قد توحي به صفة المعارضة في المشهد السياسي، جاءت تصريحات النائب ضياء الدين داود، عضو مجلس النواب وعضو اللجنة التشريعية، مرحبة بموقف الرئيس.
ووصف داود خطاب السيسي بأنه «تاريخي»، معتبرًا أنه يضع خارطة طريق للمستقبل ويؤكد الالتزام بالمسار الدستوري لتسليم وتسلم السلطة في عام 2030.
وقال داود إن الاختلاف والاتفاق في الرؤى والمواقف يجب أن يظلا تحت مظلة الدستور والعلم، في موقف ركز على أهمية احترام القواعد الدستورية في إدارة شؤون الدولة ومستقبلها.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها صادرة عن نائب يُعرف بمواقفه المعارضة في عدد من الملفات السياسية والبرلمانية، لكنها لا تعكس في هذه المناسبة اعتراضًا على موقف الرئيس، بل إشادة بتأكيده انتهاء ولايته وفق المسار الدستوري.
وبالتالي، فإن قراءة مواقف المعارضة من التصريحات لا يمكن اختزالها في موقف موحد، إذ تتباين طريقة تعامل القوى السياسية معها بحسب أولوياتها وتصوراتها لشكل المرحلة المقبلة.
حزب الدستور والحركة المدنية: احترام النصوص يجب أن يمتد إلى تطبيقها
في المقابل، ركزت مواقف معارضة أخرى على أن أهمية التأكيد على عدم تعديل الدستور لا تقتصر على حسم الجدل بشأن استمرار الرئيس في الحكم، وإنما تمتد إلى كيفية تطبيق أحكام الدستور في الحياة السياسية اليومية.
وكان حزب الدستور قد رحب بالتصريحات، معربًا عن أمله في أن تمثل خطوة إيجابية نحو مرحلة جديدة يكون فيها احترام الدستور قائمًا ليس فقط على الحفاظ على نصوصه، وإنما أيضًا على تنفيذ أحكامه بالكامل.
وطالب الحزب بأن تكون هذه التصريحات مدخلًا لخطوات أوسع نحو فتح المجال العام، وتعزيز التعددية السياسية، وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني للقيام بأدوارها بحرية ومسؤولية.
كما رحبت الحركة المدنية الديمقراطية بتأكيد احترام الدستور، معتبرة أن الالتزام بالقواعد الدستورية يمثل مدخلًا مهمًا لأي انفراجة سياسية، وأن القواعد المنظمة للحياة السياسية ينبغي ألا تخضع للظروف أو الأشخاص.
وتعكس هذه المواقف اتجاهًا داخل المعارضة يرى أن إنهاء الجدل حول تعديل الدستور يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكفي وحده لإحداث تحول في طبيعة الحياة السياسية، ما لم يصاحبه توسيع لمساحات العمل العام وتعزيز فرص التنافس بين القوى المختلفة.
هل تمهد التصريحات لانفراجة سياسية؟
تتمثل النقطة الأساسية في النقاش الحالي في التمييز بين تأكيد الالتزام بالدستور وبين تهيئة الظروف السياسية اللازمة لتطبيقه بصورة تتيح تنافسًا حقيقيًا بين القوى المختلفة.
فمن ناحية، يمكن أن يمثل حسم الجدل بشأن انتهاء الولاية الرئاسية في عام 2030 فرصة أمام الأحزاب لتحديد أولوياتها والاستعداد المبكر للاستحقاقات المقبلة، كما قد يفتح المجال أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل السلطة وآليات انتقالها.
ومن ناحية أخرى، تظل مطالب قطاعات من المعارضة مرتبطة بملفات تتجاوز موعد انتهاء الولاية، وفي مقدمتها حرية العمل الحزبي، وتوسيع المجال العام، وحرية الإعلام، وتعزيز دور المجتمع المدني، وضمان وجود بيئة تسمح بطرح البدائل السياسية والتنافس عليها.
وبذلك، فإن اختبار جدية الانفراجة السياسية لن يتوقف عند التصريحات وحدها، بل سيتعلق بما إذا كانت ستتبعها خطوات ملموسة تتيح للقوى السياسية المختلفة العمل بحرية، وتمنح الأحزاب فرصة حقيقية للتواصل مع المواطنين وطرح برامجها.
2030.. استحقاق يختبر المعارضة قبل السلطة
مع اقتراب عام 2030، تبدو السنوات الأربع المقبلة فترة حاسمة لاختبار قدرة الأحزاب المصرية على الاستعداد لتداول السلطة، وليس فقط انتظار ما ستسفر عنه التطورات السياسية.
فالتحدي أمام المعارضة يتمثل في بناء بدائل واضحة، وتطوير أدوات العمل التنظيمي والجماهيري، وتقديم برامج تتعامل مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بما يمنحها قدرة أكبر على إقناع الناخبين.
وفي المقابل، تظل طبيعة البيئة السياسية ومدى اتساع المجال العام عاملين أساسيين في تحديد فرص هذه الأحزاب في المنافسة، إذ لا يرتبط نجاح الاستحقاقات الانتخابية باستعداد القوى السياسية وحده، وإنما يتطلب أيضًا توافر شروط تضمن تعددية حقيقية وتكافؤًا في فرص المشاركة.
وبين ترحيب حزب العدل، وإشادة ضياء الدين داود بالمسار الدستوري، ومطالب حزب الدستور والحركة المدنية بتوسيع المجال العام، يبرز اختلاف في الأولويات أكثر من وجود موقف معارض موحد.
وفي النهاية، ستتحدد القيمة السياسية لتصريحات السيسي بقدر ما تفتح الباب أمام ممارسة سياسية أكثر انفتاحًا، وقدرة الأحزاب على استثمار السنوات المتبقية حتى 2030 في بناء بدائل حقيقية. فاحترام الدستور يمثل نقطة انطلاق مهمة، لكن تحويله إلى ممارسة تتيح التنافس وتداول السلطة يظل الاختبار الأهم للمرحلة المقبلة.
