في وقت تتصاعد فيه التوترات الأمنية في الشرق الأوسط، اتخذت الولايات المتحدة خطوات لتقليص وجود بعض موظفيها الدبلوماسيين في المنطقة، وأمرت موظفين غير أساسيين وأفراد أسرهم بمغادرة السعودية، وسط مخاوف من استمرار الهجمات الحوثية على أهداف داخل المملكة.

وتفتح هذه التحركات الباب أمام تساؤلات بشأن طبيعة الالتزامات الأمريكية تجاه حلفائها، خاصة أن واشنطن ترتبط بعدد من دول الخليج والأردن بشراكات أمنية وعسكرية واسعة، بينما تكشف إجراءاتها الأخيرة عن أولوية واضحة لحماية موظفيها ومصالحها المباشرة عندما تتزايد المخاطر.

ولا تعني هذه الخطوات أن الولايات المتحدة أنهت تحالفاتها أو قررت التخلي رسميًا عن شركائها، لكنها تطرح سؤالًا مهمًا: إلى أي مدى تستطيع الدول الحليفة الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية عندما تتحول المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة؟

تحذيرات أمنية ومغادرة دبلوماسيين.. واشنطن تقلص وجودها

وأصدرت السفارات الأمريكية في عدد من دول الشرق الأوسط تحذيرات أمنية لمواطنيها، شملت السعودية والإمارات وقطر والكويت والأردن ولبنان والبحرين والعراق وإسرائيل وسلطنة عمان واليمن، مع التنبيه إلى مخاطر التصعيد واحتمالات تعطل الرحلات الجوية وإغلاق المجالات الجوية.

وفي 21 أكتوبر 2026، أمرت وزارة الخارجية الأمريكية الموظفين الحكوميين غير الأساسيين وأفراد أسرهم في السعودية بالمغادرة، عقب تصاعد الهجمات الحوثية التي استهدفت مطارات مدنية ومنشآت حيوية داخل المملكة، وفقًا لتقرير لوكالة رويترز.

كما أفادت تقارير بأن بعثات أمريكية أخرى في المنطقة اتخذت إجراءات لتقليص أعداد العاملين أو تنظيم وجودهم وفقًا للظروف الأمنية، دون أن يعني ذلك صدور أوامر إجلاء شاملة من جميع الدول المعنية.

شراكات بمليارات الدولارات.. ماذا عن مسؤولية واشنطن تجاه حلفائها؟

ولا يمكن قراءة التحركات الأمريكية بمعزل عن طبيعة العلاقات العسكرية التي بنتها واشنطن مع دول المنطقة على مدى سنوات، خصوصًا السعودية والإمارات، اللتين اعتمدتا على التعاون الدفاعي الأمريكي في مجالات التسليح والتدريب والدعم العسكري.

وفي تقرير صدر في يونيو 2022، كشفت هيئة المحاسبة الحكومية الأمريكية أن الولايات المتحدة قدمت ما لا يقل عن 54.6 مليار دولار من الدعم العسكري للسعودية والإمارات خلال السنوات المالية من 2015 إلى 2021.

وأشار التقرير إلى وجود قصور في توثيق ومتابعة التحقيقات المتعلقة بحوادث يُحتمل فيها استخدام معدات أمريكية منقولة إلى البلدين بصورة غير مصرح بها، رغم ورود تقارير عن أضرار واسعة لحقت بالمدنيين خلال حرب اليمن.

وتكشف هذه النتائج عن جانب مهم من المسؤولية الأمريكية، يتعلق بضرورة إخضاع الدعم العسكري للرقابة والمحاسبة، وعدم الاكتفاء بتوفير السلاح والتعاون الأمني دون متابعة كافية لكيفية استخدام المعدات والآثار المترتبة عليها.

حماية الأمريكيين أولًا.. هل تكشف الأزمة حدود الالتزام الأمريكي؟ 

وتعكس أوامر المغادرة والتحذيرات الأمنية أن واشنطن تتعامل مع سلامة موظفيها باعتبارها أولوية مباشرة عندما ترتفع احتمالات تعرضهم للهجمات، وهو إجراء تتخذه حكومات عديدة لحماية مواطنيها وموظفيها في مناطق النزاع.

لكن الإشكالية السياسية تظهر عندما تقارن الدول الحليفة بين حجم اعتمادها على الدعم العسكري الأمريكي وبين حدود ما تستطيع واشنطن تقديمه عند تصاعد المواجهات.

فوجود اتفاقيات دفاعية وتعاون عسكري لا يعني بالضرورة أن الولايات المتحدة ستتدخل عسكريًا في كل أزمة، كما أن تقليص أعداد الدبلوماسيين لا يثبت وحده أن واشنطن ستتخلى عن شركائها. ومع ذلك، فإن تكرار إجراءات الانسحاب الاحترازي يفرض على الحكومات المعنية إعادة تقييم مدى اعتمادها على الحماية الخارجية، ومدى استعدادها للتعامل مع سيناريوهات تتراجع فيها المساندة الأمريكية.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بمغادرة موظفين أمريكيين، بل أيضًا بطبيعة التوقعات التي بنتها دول المنطقة على شراكاتها مع واشنطن، والفرق بين الوعود السياسية والتعاون العسكري من جهة، والالتزامات الفعلية في أوقات الأزمات من جهة أخرى.

اليمن يكشف كلفة السياسة الأمريكية

وتقدم الحرب في اليمن مثالًا واضحًا على تعقيدات الدور الأمريكي في المنطقة؛ فقد ارتبطت واشنطن بعلاقات عسكرية مع السعودية والإمارات، بينما أثارت تداعيات الحرب على المدنيين انتقادات دولية ومطالبات بتعزيز الرقابة على صادرات السلاح والمساءلة عن الانتهاكات المحتملة.

واليوم، مع تعرض السعودية لهجمات جديدة، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تحديين متزامنين: حماية موظفيها ومصالحها، والتعامل مع المخاطر التي تواجه شركاءها في الخليج.

ويعيد هذا المشهد طرح تساؤلات حول مدى فاعلية الاعتماد على الشراكات الخارجية وحدها في ضمان الأمن الإقليمي، خصوصًا عندما تتداخل المصالح العسكرية والسياسية والاقتصادية مع حسابات تجنب التصعيد.

الخلاصة.. الحلفاء أمام اختبار الثقة

وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة محتملة بين مستوى الشراكات الأمنية التي أقامتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وبين توقعات بعض حلفائها بشأن طبيعة الدعم الذي يمكن أن يحصلوا عليه في أوقات الخطر.

وبينما تظل حماية الموظفين الأمريكيين إجراءً مفهومًا من الناحية الأمنية، فإن استمرار التوترات يضع مصداقية الشراكات الأمريكية أمام اختبار سياسي، ويمنح دول المنطقة أسبابًا إضافية لمراجعة حساباتها الأمنية وتنويع خياراتها الدفاعية.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستترجم واشنطن شراكاتها العسكرية إلى دعم يتناسب مع المخاطر التي تواجه حلفاءها، أم ستظل حماية المصالح الأمريكية المباشرة هي العامل الحاسم في قراراتها خلال الأزمات المقبلة؟

استكمالاً للاحداث الجاري يمكنك متابعتنا على الرابط الاتي