مدينة اللقاحات المصرية تنطلق بقوة.. 140 مليون جرعة سنويًا و12 مليار جنيه استثمارات
في خطوة تعكس توجه مصر نحو توطين الصناعات الطبية وتقليل الاعتماد على استيراد المستحضرات الحيوية، افتتحت المرحلة الأولى من مدينة اللقاحات والتكنولوجيا بمحافظة الإسماعيلية، في مشروع يستهدف إحداث نقلة في قدرات البلاد على إنتاج اللقاحات البشرية والبيطرية، وفتح أسواق خارجية أمام المنتجات المصرية، وصولًا إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لصناعة اللقاحات وتصديرها.
ويأتي المشروع في وقت تتزايد فيه أهمية امتلاك الدول قدرات إنتاجية محلية تضمن توافر اللقاحات الأساسية، وتحد من التأثر باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل التحديات التي كشفتها الأزمات الصحية الدولية خلال السنوات الماضية.
وتكشف الأرقام المعلنة عن حجم الطموح الذي تستهدفه المدينة؛ إذ تصل الاستثمارات المخططة و التراكمية إلى 3.7 مليار جنيه بنهاية عام 2026، وترتفع إلى 5.7 مليار جنيه بنهاية 2027، قبل أن تصل إلى 12 مليار جنيه بحلول عام 2030، بالتوازي مع خطط لإنتاج ملايين الجرعات من اللقاحات البشرية ومليارات الجرعات من اللقاحات البيطرية سنويًا.
مدينة اللقاحات المصرية.. استثمارات تصل إلى 12 مليار جنيه
كشف حسام عبد الغفار، مساعد وزير الصحة المصري، في تصريحات خاصة لموقع «سكاي نيوز عربية»، أن مدينة اللقاحات والتكنولوجيا تعتمد على نموذج استثماري يجمع بين الدولة المصرية وشريك أجنبي من الجانب الأميركي، إلى جانب مستثمرين مصريين من القطاع الخاص.
ويستهدف هذا النموذج تعزيز التعاون في مجال الصناعات الطبية، والاستفادة من الخبرات الدولية في نقل تكنولوجيا تصنيع اللقاحات، بما يدعم بناء قاعدة إنتاجية محلية قادرة على التوسع ومواكبة احتياجات السوق المصرية والأسواق الخارجية.
وتعكس الاستثمارات المستهدفة أهمية المشروع ضمن خطط توطين صناعة الدواء في مصر، خاصة أن تصنيع اللقاحات لا يقتصر على توفير المنتجات الطبية فحسب، بل يرتبط أيضًا بامتلاك التكنولوجيا والخبرات الفنية ومعامل مراقبة الجودة، وهي عناصر أساسية لبناء صناعة قادرة على المنافسة.
ومن المنتظر أن تسهم المدينة في تعزيز قدرات مصر على تأمين احتياجاتها من اللقاحات، مع إتاحة فرص أكبر للتوسع في التصدير، وفقًا للخطط المعلنة للمشروع.
5 لقاحات جديدة ضمن خطة نقل التكنولوجيا
تتضمن خطة مدينة اللقاحات المصرية التعاون مع شركات متخصصة لنقل تكنولوجيا تصنيع خمسة لقاحات، هي لقاحات المكورات الرئوية، والروايات، والاسعار، والحصبة، والحصبة الألمانية.
ويأتي هذا التوجه في إطار السعي إلى توسيع نطاق الإنتاج المحلي للقاحات، والاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير عمليات التصنيع، بدلًا من الاعتماد الكامل على استيراد المنتجات الجاهزة.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة مع استهداف تصنيع لقاحات ترتبط بالوقاية من أمراض معدية، بما يدعم قدرات المنظومة الصحية على توفير احتياجاتها، ويمنح الصناعة المحلية فرصة لاكتساب خبرات إضافية في مجال التكنولوجيا الحيوية.
وتشير الخطط المعلنة إلى أن نقل التكنولوجيا يمثل أحد المحاور الرئيسية للمشروع، بما يتجاوز مجرد إنشاء مصانع جديدة إلى بناء قدرات إنتاجية وفنية يمكن تطويرها والتوسع فيها خلال السنوات المقبلة.
لقاح المكورات الرئوية.. بداية التصنيع المحلي
شهد وزير الصحة المصري خالد عبد الغفار تدشين الخطوات التنفيذية لنقل تكنولوجيا تصنيع لقاح المكورات الرئوية، ليصبح أول لقاح من نوعه يصنع محليا في مصر، وفقًا للمعلومات الواردة في التقرير، وذلك بالشراكة بين مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجي وشركة صينية.
كما شهد الوزير توقيع اتفاقية لإطلاق عملية نقل التكنولوجيا الخاصة باللقاح، مع استهداف تصديره إلى 19 دولة في إفريقيا والشرق الأوسط.
ويمثل هذا التطور إحدى أبرز الخطوات التنفيذية في المشروع، إذ يربط بين التصنيع المحلي والتوسع الخارجي، ويفتح المجال أمام بناء شراكات صناعية تسهم في نقل الخبرات وتطوير القدرات الإنتاجية المصرية.
وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن نجاح تصنيع اللقاح محليًا وتوفير متطلبات الجودة اللازمة يتيحان أساسا يمكن البناء عليه لتوسيع نطاق الإنتاج، وتعزيز فرص دخول اللقاحات المصرية إلى أسواق إقليمية جديدة.
140 مليون جرعة سنويًا من اللقاحات البشرية
تستهدف مدينة اللقاحات المصرية الوصول إلى طاقة إنتاجية تبلغ 140 مليون جرعة سنويًا من اللقاحات البشرية، وفقًا لما أعلنه مساعد وزير الصحة، وبموجب الطاقة المستهدفة الواردة في قرار الرخصة الذهبية.
ويُعد مصنع اللقاحات البشرية والتعبئة المركزية أحد المكونات الرئيسية للمدينة، إذ تبلغ مساحته الإنتاجية نحو 6 آلاف متر مربع، وصُمم لاستيعاب خمسة خطوط إنتاج متكاملة.
ومن المقرر أن تبدأ المرحلة الأولى بثلاثة خطوط إنتاج، تشمل إنتاج لقاح المكورات الرئوية ولقاح السعار، إلى جانب خط مخصص للسرنجات المعبأة مسبقًا، المستخدمة في تقديم اللقاحات الجاهزة للحقن.
وتتضمن هذه المنظومة تقنيات تستهدف تعزيز جودة الإنتاج ومستويات السلامة، بما يتناسب مع طبيعة اللقاحات باعتبارها منتجات حيوية تتطلب ضوابط دقيقة خلال مراحل التصنيع والتعبئة والتخزين.
ولا تتوقف الخطط عند اللقاحات القابلة للحقن، إذ تستهدف المدينة إضافة قدرات لإنتاج اللقاحات الفموية الأنفية بحلول عام 2030، بما يوسع نطاق المنتجات الممكن تصنيعها محليا.
5.5 مليار جرعة من اللقاحات البيطرية سنويًا
لا تقتصر أهمية مدينة اللقاحات والتكنولوجيا على القطاع الصحي البشري، بل تمتد إلى صناعة اللقاحات البيطرية، التي تستهدف المدينة إنتاج 5.5 مليار جرعة منها سنويًا عند الوصول إلى الطاقة الإنتاجية المخططة.
وتستهدف هذه القدرات خدمة قطاعات متعددة، تشمل الدواجن والخيول والأسماك والحيوانات المنزلية، بما يدعم احتياجات الأنشطة المرتبطة بالإنتاج الحيواني والثروة الداجنة والسمكية.
وتكتسب اللقاحات البيطرية أهمية تتجاوز حماية الحيوانات من الأمراض، إذ ترتبط مباشرة بحماية الصحة العامة والأمن الغذائي، فضلًا عن تقليل المخاطر الناجمة عن الأمراض المشتركة التي يمكن أن تنتقل من الحيوان إلى الإنسان.
وفي هذا السياق، أشار مساعد وزير الصحة إلى مفهوم «الصحة الواحدة»، الذي يقوم على التعامل مع صحة الإنسان والحيوان والبيئة باعتبارها منظومة مترابطة، تتطلب تنسيقًا مستمرًا في مجالات الوقاية والمراقبة والاستجابة للمخاطر الصحية.
ويبرز هذا الجانب أهمية التوسع في إنتاج اللقاحات البيطرية، خاصة في مواجهة أمراض مثل السعار وإنفلونزا الطيور، إلى جانب دعم جهود تحصين الدواجن والماشية وحماية صغار المربين.
6 مصانع و32 منشأة في مدينة اللقاحات بالإسماعيلية
تقع مدينة اللقاحات المصرية في محافظة الإسماعيلية، شرقي القاهرة، وتمتد على مساحة تبلغ 115 ألف متر مربع، وتضم 32 مبنى ومنشأة، صُممت لتوفير منظومة متكاملة للإنتاج والبحث والتطوير ومراقبة الجودة.
وتضم المدينة ستة مصانع، بواقع ثلاثة مصانع مخصصة للقاحات البشرية وثلاثة أخرى للقاحات البيطرية، على أن يبدأ التشغيل بمصنعين خلال المرحلة الأولى، إلى جانب مبنى مركزي للتعبئة والتغليف.
ولا يقتصر المشروع على التصنيع وحده، بل يشمل معامل لضمان الجودة ومراقبتها، ومعامل للاحتواء الحيوي، ومختبرات للبحث والتطوير، إضافة إلى بيوت مخصصة لحيوانات التجارب.
وتعكس هذه المكونات أهمية بناء منظومة إنتاج متكاملة، تتيح متابعة مراحل التصنيع المختلفة، وتدعم عمليات الاختبار والتطوير والتحقق من الجودة، وهي متطلبات ضرورية لتعزيز الثقة في المنتجات الطبية وتهيئتها للمنافسة في الأسواق.
كما يضع المشروع العنصر البشري والابتكار والاستدامة البيئية ضمن محاوره الرئيسية، بما يشير إلى أن نجاح المدينة يرتبط بقدرتها على الجمع بين البنية التحتية الصناعية والكفاءات الفنية والتطوير التكنولوجي.
مصر تستهدف تصدير اللقاحات إلى أكثر من 60 دولة
تضع مدينة اللقاحات المصرية التصدير ضمن أهدافها الرئيسية، إذ تستهدف مصر الوصول إلى أكثر من 60 دولة بحلول عام 2030، من خلال مجموعة من اللقاحات البشرية، تشمل لقاحات الالتهاب الكبدي «بي»، والإنفلونزا، والحصبة، والحصبة الألمانية، وشلل الأطفال، إلى جانب اللقاحات المركبة ولقاحات الملاريا والكوليرا.
ويعكس هذا الهدف توجهًا نحو توسيع حضور الصناعة الدوائية المصرية خارج الحدود، والاستفادة من القدرات الإنتاجية المخططة لخدمة أسواق إفريقيا والشرق الأوسط وغيرها من الأسواق المستهدفة.
لكن تحقيق هذه الطموحات يتطلب، إلى جانب توفير الطاقة الإنتاجية، الالتزام بالاشتراطات التنظيمية ومتطلبات الجودة والتسجيل المعمول بها في الدول المستوردة، فضلًا عن بناء شبكات توزيع وشراكات تجارية قادرة على ضمان وصول المنتجات إلى الأسواق المستهدفة.
وتشير المعلومات المعلنة إلى أن الشريك الأجنبي يتمتع بخبرات ممتدة في الصناعات الطبية البشرية والبيطرية، ويعمل في صناعة اللقاحات داخل مصر منذ أكثر من 16 عامًا، وله حضور في أكثر من 90 دولة، واستثمارات عالمية تصل إلى ملياري دولار، مع تخصيص 2.5% من إيراداته للبحث والتطوير.
وتمثل هذه الخبرات أحد العناصر التي تستند إليها الشراكة، في ظل أهمية نقل التكنولوجيا والاستفادة من المعرفة الصناعية المتراكمة في تطوير قدرات الإنتاج المحلية.
هل تصبح مصر مركزًا إقليميًا لصناعة اللقاحات؟
تستهدف مدينة اللقاحات والبيوتكنولوجي أن تتحول إلى مركز إفريقي يسهم في الحد من نقص اللقاحات الأساسية، ويدعم الجهود الرامية إلى زيادة الإنتاج المحلي داخل القارة.
ويتوافق هذا التوجه مع الهدف الذي أعلنه الاتحاد الإفريقي بشأن إنتاج 60% من احتياجات القارة من اللقاحات محليًا بحلول عام 2040، في مسعى لتقليل الاعتماد على الإمدادات القادمة من خارج إفريقيا وتعزيز الاستعداد للأزمات الصحية.
وتشير البيانات المعلنة عن المشروع إلى إمكانية توفير اللقاحات لمصر وإفريقيا والشرق الأوسط بأسعار مناسبة، بما يفتح المجال أمام دور أوسع للصناعة المصرية في تلبية الاحتياجات الإقليمية.
ومع ذلك، فإن التحول إلى مركز إقليمي لا يُقاس بحجم المصانع أو الطاقة الإنتاجية المخططة وحدهما، بل بقدرة المشروع على الوصول إلى التشغيل المستقر، وتحقيق معايير الجودة، وتوفير المنتجات بصورة منتظمة، وبناء شراكات تصديرية مستدامة.
توطين صناعة اللقاحات.. مكاسب صحية واقتصادية منتظرة
تكشف الأرقام المعلنة عن مدينة اللقاحات المصرية عن مشروع يتجاوز إنشاء مجمع صناعي جديد، ليطرح مسارًا لتطوير قطاع التكنولوجيا الحيوية، وتعزيز قدرات الإنتاج المحلي، وفتح فرص أوسع أمام تصدير المنتجات الطبية.
فالوصول إلى طاقة إنتاجية مستهدفة تبلغ 140 مليون جرعة سنويًا من اللقاحات البشرية، و5.5 مليار جرعة من اللقاحات البيطرية، بالتوازي مع استثمارات مخططة تصل إلى 12 مليار جنيه بحلول 2030، يضع المشروع أمام أهداف طموحة تتطلب تنفيذًا دقيقًا ومتابعة مستمرة.
وتتمثل القيمة الحقيقية للمدينة في قدرتها على تحويل هذه المستهدفات إلى إنتاج فعلي يلبي احتياجات السوق المحلية، ويعزز أمن مصر الدوائي، ويدعم الأمن الغذائي، ويمنح الصناعة الوطنية فرصًا أوسع للمنافسة في الأسواق الخارجية.
وبين توطين التكنولوجيا وتوسيع الإنتاج والتصدير، يبقى التحدي الأهم هو ضمان استدامة التشغيل ونقل الخبرات، بما يسمح لمصر بالاستفادة الكاملة من استثماراتها في صناعة ترتبط مباشرة بصحة المواطنين وقدرة الدول على مواجهة الأزمات الصحية.
