تترقب العواصم الأوروبية انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، المقرر إجراؤها في 3 نوفمبر الجاري، وسط اهتمام بتداعيات نتائجها المحتملة على العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، في ظل خلافات متزايدة بين الجانبين بشأن عدد من الملفات السياسية والعسكرية والاقتصادية، أبرزها الحرب في أوكرانيا، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي داخل القارة، والرسوم الجمركية، والتصعيد مع إيران وانعكاساته على أسواق الطاقة.

وتكتسب الانتخابات أهمية خاصة بالنسبة لأوروبا، في ظل احتمالات استعادة الحزب الديمقراطي السيطرة على مجلس النواب أو مجلس الشيوخ، بما قد يمنحه مساحة أكبر لمراقبة قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وممارسة ضغوط تشريعية وسياسية على إدارته في الملفات الخارجية، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول جذري وفوري في توجهات السياسة الأمريكية.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «إل بيريوديكو» الإسبانية، تتركز الحسابات الأوروبية بشأن نتائج الانتخابات في أربعة ملفات رئيسية، قد تتأثر طبيعة التعامل الأمريكي معها وفقًا لتوازن القوى داخل الكونجرس.

أوكرانيا.. مستقبل الدعم العسكري والاقتصادي لكييف

يأتي ملف الحرب الروسية الأوكرانية في مقدمة القضايا التي تتابعها أوروبا، نظرًا لارتباطه المباشر بأمن القارة ومستقبل المواجهة مع روسيا، إلى جانب المخاوف من تراجع مستوى الدعم الأمريكي المقدم لكييف.

ويرى التحليل أن تحقيق الديمقراطيين أغلبية جديدة داخل الكونجرس قد يفتح المجال أمام الدفع نحو إقرار مساعدات عسكرية واقتصادية إضافية لأوكرانيا، فضلًا عن تعزيز العقوبات المفروضة على روسيا، ومطالبة إدارة ترامب بتقديم توضيحات بشأن مسار المفاوضات مع موسكو.

كما يمكن للكونجرس توظيف صلاحياته المتعلقة بالموازنة والتمويل لممارسة ضغوط على الإدارة الأمريكية، والحد من إمكانية إجراء تخفيضات كبيرة في المساعدات المقدمة لكييف، وهو ما قد يخفف مخاوف الدول الأوروبية من تحمل الجزء الأكبر من أعباء الدعم.

ومع ذلك، يظل تمرير أي حزم تمويل جديدة مرتبطًا بالإجراءات التشريعية وموافقة المجلسين، فضلًا عن موقف الرئيس الأمريكي، أو تجاوز حق النقض الرئاسي وفقًا للإجراءات الدستورية.

الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا.. الكونجرس يراقب خطط الانسحاب

يمثل مستقبل القوات الأمريكية المنتشرة في أوروبا ملفًا آخر يحظى باهتمام واسع لدى الحكومات الأوروبية، خاصة في ظل القرارات والتحركات التي أعلنها ترامب بشأن إعادة توزيع القوات الأمريكية داخل القارة.

وأشار التحليل إلى إعلان ترامب سحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، وإلغاء نشر 4 آلاف عسكري في بولندا، وهي خطوات أثارت تساؤلات بشأن مستقبل الالتزام العسكري الأمريكي بأمن أوروبا، ودور واشنطن داخل حلف شمال الأطلسي «الناتو».

وفي المقابل، يتضمن قانون الدفاع الأمريكي لعام 2026 قيودًا على خفض عدد القوات الأمريكية في أوروبا إلى أقل من 76 ألف جندي، إلى جانب إلزام وزارة الدفاع بتقييم التداعيات المحتملة لأي انسحاب على الأمن القومي الأمريكي وأمن حلف الناتو، والتشاور مع الحلفاء.

ومن شأن تعزيز الرقابة الديمقراطية داخل الكونجرس أن يرفع مستوى التدقيق في تنفيذ قرارات تقليص الوجود العسكري الأمريكي، ويمنح العواصم الأوروبية مساحة أكبر لمتابعة مستقبل الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.

الرسوم الجمركية.. مخاوف أوروبية على الصادرات والصناعة

وتأتي الرسوم الجمركية الأمريكية ضمن أبرز الملفات الاقتصادية التي تثير قلق الدول الأوروبية، خاصة في القطاعات المرتبطة بالزراعة والصناعات الغذائية والسيارات والمنتجات الصناعية، في ظل تأثير الرسوم على حركة التجارة والتنافسية بين الجانبين.

ورغم امتلاك الرئيس الأمريكي صلاحيات واسعة في اتخاذ قرارات تجارية وفرض رسوم جمركية، فإن الكونجرس يحتفظ دستوريًا بسلطات تتعلق بتنظيم التجارة الخارجية.

ووفقًا للتحليل، قد يسعى الديمقراطيون، حال استعادة الأغلبية، إلى طرح تشريعات تستهدف إلغاء بعض الرسوم أو وضع قيود على فرض رسوم جديدة، وهو ما قد يخفف الضغوط على الصادرات الأوروبية، بما فيها الصادرات الإسبانية.

لكن تحويل هذه التوجهات إلى قرارات نافذة سيظل مرهونًا بقدرة الديمقراطيين على تمرير التشريعات المطلوبة، والتعامل مع العقبات السياسية والتشريعية، بما في ذلك احتمال استخدام الرئيس الأمريكي حق النقض.

إيران وأسواق الطاقة.. انعكاسات التصعيد على أوروبا

ويمثل الملف الإيراني محورًا مهمًا في الحسابات الأوروبية، في ظل المخاوف من اتساع نطاق التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، وما قد يترتب عليه من اضطرابات في إمدادات الطاقة وارتفاع تكاليف الوقود والغاز.

وبحسب التحليل، قد تدفع أغلبية ديمقراطية داخل الكونجرس نحو تعزيز الرقابة على العمليات العسكرية الأمريكية المرتبطة بإيران، أو السعي إلى فرض قيود على تمويلها، بما قد يؤثر في هامش تحرك إدارة ترامب تجاه التصعيد.

وتكتسب هذه التطورات أهمية اقتصادية مباشرة بالنسبة لأوروبا، إذ إن أي تراجع في حدة التوترات قد يخفف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة، ويحد من الضغوط على أسعار الغاز والوقود ومعدلات التضخم، بينما قد يؤدي استمرار التصعيد إلى زيادة حالة عدم اليقين في الأسواق.

سيناريوهات الانتخابات.. هل تتغير حسابات واشنطن تجاه أوروبا؟

تتعدد السيناريوهات المحتملة لنتائج انتخابات التجديد النصفي، بين استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، أو تحقيق أغلبية محدودة في أحدهما أو كليهما، أو الفوز بمجلس النواب دون مجلس الشيوخ.

وتختلف انعكاسات كل سيناريو وفقًا لطبيعة الأغلبية التي سيحصل عليها الديمقراطيون، ومدى قدرتهم على استخدام الأدوات التشريعية والرقابية لمراجعة قرارات الإدارة الأمريكية، خاصة في الملفات المرتبطة بالأمن الأوروبي والتجارة الدولية والسياسة الخارجية.

ورغم أن نتائج الانتخابات لن تعني بالضرورة تغييرًا فوريًا في سياسة ترامب تجاه أوروبا، فإنها قد تؤثر في مساحة تحرك إدارته، وتزيد من الضغوط السياسية والرقابية على قراراتها، وهو ما يجعل التصويت المرتقب محل متابعة أوروبية واسعة، بالنظر إلى ارتباط نتائجه بملفات تمس أمن القارة واقتصادها.