شهدت منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011 تحولات  حادة غيرت ملامح الجغرافيا السياسية التقليدية؛ حيث تآكلت سيادة بعض الدول الوطنية، وتصاعد نفوذ الفواعل من غير الدول  كالميليشيات المسلحة والتنظيمات العابرة للحدود  مما أنتج حالة من ((فراغ القوة )) الاستراتيجي في هذا المشهد الإقليمي المتشابك والمعقد، واجهت الدولة المصرية تحديات وجودية هددت أمنها القومي على كافة المحاور الاستراتيجية (الشرقية، الغربية، والجنوبية)، بالتزامن مع ملفات حيوية تمس مقدرات الشعب  المصري مباشرة مثل أمن الطاقة  وغاز  شرق المتوسط، والأمن المائي في حوض النيل، والملاحة في البحر الأحمر   من قلب هذه الأزمات، برزت رؤية القيادة المصرية متثلة في الرئيس عبد الفتاح السيسي  لإعادة صياغة أدوات القوة المصرية. لم تكن الفكرة مجرد ترميم للقدرات الدفاعية القديمة  بل الانتقال بالدولة نحو  هندسة استراتيجية شاملة.


ويتجسد هذا التحول في (( الأوكتاجون)) ( مقر القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية) الذي لا يمثل فحسب صرحاً معمارياً ضخماً  بل يعكس طفرة جديدة  في عقيدة إدارة الصراعات والأزمات محولاً العقيدة العسكرية من منطق الردع  وردود الأفعال  إلى منطق الهيمنة المعلوماتية والقيادة المتكاملة واحتواء الفوضي  الإقليمية
.

 

لماذا الاوكتاجون ؟؟؟

 

سؤال طرح  كثيرا منذ الاعلان عن افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية  المصرية في الايام   وبالرغم من  ان التحديات  التي وجهة الدولة  المصرية   في السنوات الماضية  والصراعات الاقليمية الحالية تجيب علي هذا  السؤال  لكن وجب التوضيح.

والحقيقة  أن  الأنظمة الدفاعية التقليدية تاريخياً مما يُعرف بـ جزر معلوماتية منعزلة، حيث تعمل أفرع القوات المسلحة وأجهزة الاستخبارات في غرف عمليات منفصلة، مما قد يطيل زمن الاستجابة للأزمات المركبة. جاء تصميم الأوكتاجون بأضلاعه المثمنة ليفكك هذا النموذج القديم. وفي العصر الحالي، لم تعد الحروب تقتصر على المواجهات البرية أو البحرية أو الجوية التقليدية  بل أصبحت  3حروباً هجينة   تتقاطع فيها الهجمات السيبرانية  مع التهديدات الحدودية  والضغط الاقتصادي  وحروب المعلومات  يجمع الأوكتاجون تحت سقف تكنولوجي واستخباراتي واحد:

القيادات الرئيسية للقوات المسلحة (برية، بحرية، جوية، ودفاع جوي)
مراكز البيانات الضخمة ومنظومات الحرب الإلكترونية والسيبرانية
.
مؤسسات التقييم الاستخباراتي وتحليل المؤشرات الأمنية والاقتصادية
.

 

كما إن وجود كل هذه الغرف والمؤسسات في مجمع موحد يتيح لصانع القرار قراءة الخريطة الاستراتيجية الإقليمية والدولية لحظياً. هذا الدمج الشامل يقلل من الدورة الزمنية لتدفق المعلومات ونقل الأوامر، مما يمنح القيادة القدرة على اتخاذ قرارات حاسمة في أجزاء من الثانية بناءً على رؤية بانورامية تشمل الأمن العسكري والغذائي والمائي وأمن الطاقة في آن واحد.

وتستند رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي في بناء الأوكتاجون وتطوير القوات المسلحة إلى فلسفة واضحة: "أن امتلاك القوة الشاملة هو الضمانة الوحيدة لحفظ السلام وحماية المقدرات، وليس للاعتداء". تجلت هذه العبقرية الاستراتيجية في عدة محاور أساسية أعادت صياغة مفهوم السيادة الوطنية:

 

·      كان التحدي الأكبر الذي واجه الأمن القومي العربي لقرون هو الاعتماد المفرط على المنظومات والتكنولوجيا الغربية في التنسيق والاتصالات العسكرية، مما يفتح ثغرات للاختراق أو الضغط السياسي الخارجي. ركزت رؤية الرئيس السيسي على أن يُدار هذا الصرح الاستراتيجي بعقول وتكنولوجيا مصرية مطورة وطنياً  مما يضمن استقلالية القرار الوطني المصري بنسبة 100% ويحصنه ضد أي إملاءات خارجية.

·      عقيدة "الردع العاقل" وصناعة الخطوط الحمراء أثبتت السنوات الماضية أن الإدارة الاستراتيجية المصرية تحت قيادة الرئيس السيسي لم تكن تهدف إلى الانجرار وراء المعارك الاستنزافية، بل اعتمدت على (( الردع العاقل والنشط ))

  • المحور الغربي (الأزمة الليبية) و عندما أعلن الرئيس السيسي عن خط (سرت - الجفرة) كخط أحمر، لم يكن الإعلان مجرد مناورة سياسية، بل كان مدعوماً بقدرة رصد وتعبئة عسكرية هائلة أدارتها غرف العمليات بكفاءة، مما أدى إلى حقن الدماء، ودفع الأطراف نحو المسار السياسي، والحفاظ على وحدة الدولة الليبية المجاورة.
  • المحور الجنوبي وأمن البحر الأحمر ومن خلال التقييم المستمر للتهديدات، نجحت مصر في تأمين مصالحها الحيوية في حوض النيل وحماية حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية، مما منع تحول هذه المناطق إلى ساحات نفوذ لقوى معادية.

 

لا ينبغي قراءة الأوكتاجون كمنشأة داخلية لحماية حدود مصر الجغرافية فحسب، بل هو بمثابة "مركز ثقل جيواستراتيجي" لحماية هندسة الأمن القومي العربي بأكمله، انطلاقاً من المبدأ الذي أرساه الرئيس السيسي بأن "أمن الخليج والأمة العربية هو امتداد لا يتجزأ من أمن مصر".

 

·      مواجهة الميليشيات وفوضى السلاح  و تقديم نموذج مؤسسي للدولة الوطنية القوية القادرة على ضبط الحدود وتجفيف منابع الإرهاب فكرياً وعسكرياً وعبر الحدود.

·      إدارة السيناريوهات المتعددة في آن واحد و القدرة على التعامل مع أزمات متزامنة (مثل تنسيق العمليات الإنسانية في السودان، وتأمين الاتجاه الاستراتيجي الشمالي الشرقي، ومتابعة أمن الطاقة في شرق المتوسط) دون اختلال في الأداء.

·      بناء تحالفات مرنة ومتوازنة و توفير قاعدة معلوماتية وعسكرية صلبة تتيح التنسيق رفيع المستوى مع الأشقاء العرب والشركاء الدوليين لصناعة الاستقرار بحكم القوة لا بحكم الوساطة المجردة.

تحولت مصر عبر هذه الرؤية الشاملة إلى "عمود الخيمة" في المنطقة؛ ففي الوقت الذي تهاوت فيه مؤسسات دول عديدة، كانت القيادة المصرية تبني مراكز ثقل استراتيجية تؤسس لمفهوم جديد وهو تجاوز "إدارة العشوائية" والأزمات إلى مرحلة "صناعة الاستقرار واستشراف المستقبل".

 

إن الأوكتاجون ليس مجرد مبنى للقيادة العسكرية، بل هو تجسيد مادي وعملي لرؤية سياسية واستراتيجية غير مسبوقة قادها الرئيس عبد الفتاح السيسي لنقل الدولة المصرية من مرحلة "استعادة التوازن الداخلي" عقب أحداث 2011 و2013، إلى مرحلة "القيادة الاستراتيجية الشاملة والتأثير الإقليمي".

يمثل هذا الصرح رسالة طمأنينة واضحة للشعب المصري وللأشقاء العرب بأن مقدرات هذه الأمة وأمنها القومي محميان بعقول وطنية، وعقيدة عسكرية متطورة، وبنية تحتية تكنولوجية استباقية. إنه إعلان عن دخول مصر عصر "السيادة المعلوماتية"، وضمانة أكيدة بأن الدولة المصرية أصبحت تمتلك الأدوات والقدرات التي تمكنها من صياغة مستقبل آمن ومستقر في منطقة مليئة بالاضطرابات، ليبقى الأمن القومي المصري دائماً خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه.