من منصة حماية الإبداع إلى قاعة القضاء.. كيف أصبحت حقيبة الثقافة أمام اختبار أخلاقي غير مسبوق؟

 

هل يجوز لوزيرة الثقافة أن تبقى على رأس الوزارة بعد حكم قضائي نهائي يثبت التعدي على حقوق الملكية الفكرية؟ وهل تصبح حامية الثقافة المصرية في موقف تتساءل فيه الأوساط الثقافية: كيف يمكن لمن تتولى مسؤولية الدفاع عن المبدعين أن تكون طرفًا في قضية تمس حقوق أحد أصحاب القلم؟

 

سؤال انفجر بقوة بعد أن أسدلت محكمة النقض الستار على واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في الوسط الثقافي، بعدما رفضت الطعون المقدمة من وزيرة الثقافة جيهان زكي، وأيدت الحكم الصادر من المحكمة الاقتصادية بإلزامها بدفع تعويض قدره 100 ألف جنيه لصالح الكاتبة سهير محمد عبد الحميد، مع سحب الكتاب محل النزاع من التداول.

 

لم يعد الأمر مجرد خلاف بين كاتبة وكتاب، أو معركة قانونية حول حدود الاقتباس، بل تحول إلى قضية رأي عام تمس صورة المؤسسة الثقافية نفسها، وتضع سؤال المسؤولية السياسية أمام الجميع: هل يكفي الحكم القضائي لإنهاء الأزمة؟ أم أن استمرار الوزيرة في منصبها أصبح محل تساؤل؟

 

حكم بات.. والقضية تصل إلى خط النهاية

 

محكمة النقض، وهي أعلى درجات التقاضي، حسمت النزاع بعدما أيدت حكم المحكمة الاقتصادية الصادر في يوليو 2025، والذي انتهى إلى ثبوت الاعتداء على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة سهير عبد الحميد.

 

وجاء الحكم بعد أن أكدت المحكمة سلامة تقرير اللجنة الثلاثية المتخصصة في الملكية الفكرية، والذي كشف وجود نقل حرفي واقتباسات مطولة وتشابهات جوهرية في الصياغة والبناء والترتيب، بما يتجاوز حدود الاقتباس المسموح به قانونًا.

 

وأكدت المحكمة أن مجرد ذكر المصادر والمراجع لا يمنح المشروعية لأي نقل يتجاوز الحدود القانونية، موضحة أن الاقتباس المشروع يجب أن يظل محدودًا ويحافظ على استقلالية العمل الجديد وأصالته.

 

وبذلك أصبح الحكم نهائيًا وباتًا بعد استنفاد جميع درجات التقاضي.

 

من "الاقتباس المشروع" إلى إدانة قضائية

 

خلال مراحل القضية، تمسك دفاع الوزيرة بأن الكتاب محل النزاع يمثل دراسة علمية وبحثًا أكاديميًا، وأن ما ورد فيه يدخل ضمن الاقتباس المسموح به قانونًا، خاصة مع وجود قائمة بالمراجع والمصادر.

 

كما دفع الدفاع بأن تقرير الخبراء بالغ في تقدير أوجه التشابه، وأن وجود تقاطع بين الأعمال البحثية لا يعني بالضرورة الاعتداء على حقوق المؤلف.

 

لكن المحكمة لم تأخذ بهذه الدفوع، وأكدت أن القضية لم تكن حول مجرد تشابه أفكار أو معلومات تاريخية، وإنما حول نقل وصياغات وترتيب وبناء فكري رأت المحكمة أنها تجاوزت الحدود القانونية للاقتباس.

 

السؤال الأصعب.. هل تستمر وزيرة الثقافة؟

 

هنا تبدأ المعركة الحقيقية، لكنها ليست داخل ساحات المحاكم، بل في أروقة السياسة والثقافة.

 

فمنصب وزير الثقافة ليس منصبًا إداريًا عاديًا، بل يرتبط بصورة الدولة في احترامها للإبداع وحماية حقوق أصحاب الفكر والكتاب. ولذلك يرى منتقدون أن وجود حكم نهائي في قضية تمس الملكية الفكرية يفرض سؤالًا حول مدى قدرة الوزيرة على الاستمرار في تمثيل هذه الرسالة.

 

هل يكون القرار بإقالتها حفاظًا على صورة الوزارة وهيبتها؟

أم تنتظر الحكومة تقييم الموقف وفقًا للمعايير السياسية والقانونية؟

وهل تبادر الوزيرة نفسها بتقديم استقالتها باعتبار أن المسؤولية السياسية أوسع من المسؤولية القضائية؟

 

أزمة ثقة بين الوزارة والمبدعين؟

 

القضية ألقت بظلالها على علاقة وزارة الثقافة بالمجتمع الإبداعي، فالمبدعون الذين طالما طالبوا بحماية حقوقهم الفكرية يجدون أنفسهم أمام مشهد شديد الحساسية: المسؤولة عن ملف الثقافة تواجه حكمًا نهائيًا يتعلق بأحد أهم حقوق المبدعين.

 

فالملكية الفكرية ليست مجرد نصوص قانونية، بل هي حماية لسنوات من البحث والكتابة والجهد الإنساني. وأي مساس بها، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية تتولى مسؤولية ثقافية رفيعة، يصبح محل اهتمام مضاعف.

 

بين حكم القضاء وحسابات السياسة

 

القضاء قال كلمته، وأصبح الحكم نهائيًا فيما يتعلق بالنزاع المدني الخاص بحقوق الملكية الفكرية. أما السؤال السياسي فيبقى مطروحًا: هل تتطلب المسؤولية الوزارية معايير مختلفة عن المسؤولية القانونية؟

 

في دول كثيرة، قد يدفع الجدل حول قضايا تمس الثقة العامة مسؤولين إلى اتخاذ قرارات سياسية حتى دون وجود إدانة جنائية، باعتبار أن المنصب العام يقوم على الثقة والرمزية قبل أي شيء آخر.

 

واليوم، بعد أن انتهت معركة المحاكم، تبدأ معركة أخرى في الرأي العام: هل تستطيع وزيرة الثقافة الاستمرار في قيادة ملف حماية الإبداع بعد حكم قضائي نهائي يتعلق بانتهاك حقوق مبدع؟ أم أن لحظة الحساب السياسي قد حانت؟

 

ويبقى السؤال الذي ينتظر الإجابة:

هل تقدم وزيرة الثقافة استقالتها احترامًا لهيبة المنصب، أم تنتظر قرارًا حكوميًا قد يضع نهاية فصل جديد من أكثر فصول الجدل الثقافي سخونة؟.