تحدثت من قبل عن أن المستقبل لن يكون للأكثر معرفة فقط، ولا للأكثر استخدامًا للذكاء الاصطناعي، بل لمن يعرف كيف يجمع بين قوة التكنولوجيا ورقي الإنسانية. وقلت إن المعرفة تصنع متخصصًا، بينما المهارات والقيم تصنع قائدًا.
واليوم، وبعد أن عاد اسم منتخب مصر ليتصدر أحاديث الناس، وجدت نفسي أفكر في سؤال مختلف: إذا كنا نتحدث كثيرًا عن المهارات الناعمة... فمن الذي يعلّمها لأبنائنا؟
قد تكون الإجابة أقرب إلينا مما نتخيل...قد تكون في ملعب كرة قدم.
ربما ينظر البعض إلى كرة القدم باعتبارها مجرد رياضة أو وسيلة للترفيه، لكن الحقيقة أنها أصبحت واحدة من أقوى أدوات التأثير في الأجيال الجديدة. فاليوم، هناك ملايين الأطفال والمراهقين في مصر يحفظون أسماء لاعبي المنتخب أكثر مما يحفظون أسماء كثير من الشخصيات العامة، ويتابعون تفاصيل حياتهم، ويقلدون تصرفاتهم، ويحلمون بأن يصبحوا مثلهم يومًا ما. وهنا تكمن قيمة القدوة.
فالطفل لا يرى لاعبًا يسجل هدفًا فقط، بل يرى نموذجًا يكوّن من خلاله مفهومه عن النجاح، والقيادة، والانضباط، وكيفية التعامل مع الضغوط. وعندما نتحدث عن هذه النماذج، لا يمكن أن نتجاهل محمد صلاح. بعيدًا عن عدد أهدافه، أو ألقابه، أو إنجازاته الفردية، فإن أكثر ما يلفت انتباهي هو العقلية التي يدير بها نجاحه. في زمن أصبحت فيه ردود الفعل السريعة هي السائدة، نراه في كثير من المواقف يختار الهدوء بدل الانفعال، والتركيز بدل التشتيت، والعمل بدل الجدل.
هذه ليست مجرد سمات شخصية...بل هي مهارات.
إنها إدارة للغضب، وذكاء عاطفي، وقدرة على القيادة تحت الضغط، وإحساس بالمسؤولية تجاه فريق ووطن ينتظران منه الكثير. وهنا أجد نفسي أعود مرة أخرى إلى الذكاء الاصطناعي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يحلل أداء اللاعبين بدقة مذهلة، ويقترح أفضل الخطط التكتيكية، بل ويمكنه أن يتوقع احتمالات الفوز والخسارة. لكنه لا يستطيع أن يزرع داخل إنسان الشجاعة بعد الإخفاق. ولا أن يعلّمه كيف يحتوي زميلًا فقد ثقته بنفسه. ولا أن يجعله يضع مصلحة الفريق فوق مجده الشخصي.
هذه مهارات لا تُبرمج...بل تُربى.
ولهذا أرى أن وجود قائد مصري عالمي مثل محمد صلاح ليس مجرد نجاح رياضي نفتخر به، بل فرصة تربوية يجب أن نستثمرها. فالطفل الذي يشاهده اليوم لا يحتاج فقط إلى أن يعرف كيف سجل الهدف، بل يحتاج إلى من يشرح له لماذا احترم منافسه، وكيف حافظ على هدوئه، ولماذا استمر في الاجتهاد رغم الصعوبات، وكيف أصبح قائدًا قبل أن يصبح نجمًا.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن. مسؤولية الأسرة التي تربط بين النجاح والأخلاق. ومسؤولية المدرسة التي تعلّم العمل الجماعي قبل الحفظ.ومسؤولية الجامعة التي تخرّج إنسانًا قادرًا على التفكير والتواصل والقيادة، لا مجرد حامل لشهادة، ومسؤولية الأندية الرياضية التي لا تكتفي بصناعة لاعب ماهر، بل تربي قائدًا يحترم زملاءه ومنافسيه، فإذا كان محمد صلاح يقدم الدرس داخل الملعب، فعلينا نحن أن نكمل شرحه خارجه.
ولعل هذا هو التحدي الحقيقي الذي يفرضه علينا عصر الذكاء الاصطناعي. فلسنا بحاجة فقط إلى جيل يعرف كيف يستخدم أحدث التطبيقات، بل إلى جيل يعرف كيف يقود فريقًا، ويحترم الاختلاف، ويتحكم في انفعالاته، ويتحمل المسؤولية، ويتمسك بحلمه مهما طال الطريق.
هذه هي المهارات التي لن تستطيع أي آلة أن تمنحها للإنسان، وربما لهذا السبب، كلما تطورت التكنولوجيا، ازدادت أهمية التربية. وكلما أصبح الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً، أصبحنا أكثر احتياجًا لبناء الإنسان.
وربما تكون أعظم بطولة يمكن أن تحققها أي دولة ليست بطولة رياضية فحسب، بل أن تنجح في إعداد جيل يؤمن بأن النجاح لا يصنعه الذكاء وحده، ولا الموهبة وحدها، وإنما تصنعه الأخلاق، والانضباط، والعمل، والقدرة على النهوض بعد كل تعثر، قد يكون محمد صلاح لاعبًا استثنائيًا...لكن ما نحتاج إليه حقًا هو أن نصنع آلاف الشباب الذين يحملون عقلية محمد صلاح.
"قد يتعلم أبناؤنا من التكنولوجيا كيف يفكرون بسرعة، لكنهم سيتعلمون من القدوة لماذا يفكرون، وكيف يقودون، ولأي هدف يعيشون. وبين الذكاء الاصطناعي والقدوة الصالحة... يُصنع مستقبل الأوطان.
