لا يوجد قانون في مصر يمس حياة الناس بشكل مباشر كقانون الأحوال الشخصية — فهو يتحكم في أدق تفاصيل الأسرة المصرية منذ لحظة الخطبة وحتى ما بعد الطلاق. ولأول مرة منذ عقود، تُقدم الحكومة المصرية على إعادة هيكلة هذا القانون من الألف للياء في مشروع شامل يضم 355 مادة — أُحيل بالفعل لمجلس النواب للمناقشة. فما الذي تغيّر فعلاً؟ وما الذي يعنيه هذا للزوج والزوجة والأطفال؟
أولاً: ما هو هذا القانون وما الجديد فيه؟
يتضمن مشروع قانون الأسرة الجديد 2026 عدد 355 مادة موضوعية موزعة على ثلاثة أقسام رئيسية، إلى جانب ست مواد إصدار ومادة للنشر، ويمثل إعادة هيكلة شاملة لقوانين الأسرة بدلاً من التعديلات المتفرقة التي استمرت لعقود.
خصص القسم الأول للولاية على النفس، ونظم القسم الثاني أحكام الولاية على المال، وجاء القسم الثالث لتنظيم إجراءات التقاضي أمام محاكم الأسرة.
الأهم من العدد هو المضمون — فهذا القانون يستحدث مواد لم تكن موجودة من قبل ويُعدّل أخرى كانت مصدر جدل ونزاع لسنوات طويلة. إليك أبرزها:
ثانياً: أبرز التعديلات التي تمس حياتك مباشرة
1. الطلاق: انتهى زمن الطلاق الشفهي
ذتم تقليص مدة توثيق الطلاق إلى 15 يوماً بدلاً من 30 يوماً، مع فرض عقوبات على عدم التوثيق، وعدم الاعتداد بالطلاق الشفهي غير الموثق.
هذا تغيير جوهري يُنهي ظاهرة الطلاق الشفهي الذي كان يتركز ضرره على المرأة التي كانت تجد نفسها مطلقة بكلمة لا يمكن إثباتها أمام القضاء. من الآن، الطلاق الذي لا يُوثَّق رسمياً في خلال 15 يوماً لا يُعتدّ به قانوناً.
كما نص المشروع على عدم وقوع طلاق السكران أو المُكره، واعتبار الطلاق المقترن بعدد يقع مرة واحدة فقط. أي أن "أنت طالق ثلاثاً" لا يُعدّ طلاقاً بائناً، بل طلقة واحدة فقط — وهو ما كان موضع خلاف فقهي وقانوني لسنوات.
2. الحضانة: الأب يتقدم في الترتيب
أعاد المشروع ترتيب مستحقي الحضانة بوضع الأب في المرتبة الثانية بعد الأم، مع الإبقاء على سن الحضانة حتى 15 عاماً، وإتاحة تخيير الطفل بعدها.
تضع التعديلات الأب في المرتبة الثانية بعد الأم في الحضانة بعدما كان بالمركز السادس عشر. هذا تغيير ضخم — كان الأب في القانون القديم يأتي بعد طابور طويل من الأقارب قبل أن تُمنح له الحضانة. الآن يصبح الخيار الثاني مباشرة بعد الأم، مما يعني أن الأطفال لن ينتقلوا للعمة أو الخالة قبل الأب في حالات وفاة الأم أو سقوط حضانتها.
3. نظام "الاستزارة": جديد كلياً
استحدث القانون نظام "الاستزارة" لأول مرة، الذي يتيح للطرف غير الحاضن استضافة الطفل لفترات محددة.
كما أفرد القانون فصلاً خاصاً بالرؤية لضبط حق غير الحاضن في التواصل مع الطفل، بما يحقق التوازن بين حقوق الأطراف ويحافظ على الاستقرار النفسي للمحضون، مع استحداث خيارات إلكترونية للرؤية وعقوبات لرفض التنفيذ.
الرؤية الإلكترونية مهمة بشكل خاص في حالات السفر أو الانفصال الجغرافي، وتمنح الطفل حق التواصل المستمر مع الوالد غير الحاضن.
4. النسب وتحليل الـ DNA
توسع المشروع في تنظيم دعاوى النسب من خلال 16 مادة، مع استحداث الاعتماد على تحليل الـ DNA في حالات إنكار النسب، بعد أن كان مقتصراً على إثباته فقط.
للمرة الأولى يدخل الـ DNA رسمياً في منظومة القانون المصري لقضايا النسب — وهو تطور علمي وقانوني كبير يُغلق باب الإنكار التعسفي للنسب.
5. الزواج: وثيقة تتضمن شروط الاتفاق
لأول مرة، تتضمن وثيقة الزواج شروط الاتفاق بين الزوجين. هذا يعني أن أي شروط يتفق عليها الطرفان قبل الزواج — كالعمل أو السكن أو غيرها — تُدرج رسمياً في العقد وتصبح ملزمة قانوناً، لا مجرد وعود شفهية.
كما يفرض القانون الجديد على المقبلين على الزواج إجراء تحاليل طبية ونفسية واجتماعية للتأكد من سلامة الطرفين، والتقليل من المخاطر الصحية أو الوراثية خاصة في حالات الزواج بين الأقارب.
6. الخطبة: حقوق وضوابط واضحة
نظّم القانون أحكام الخطبة في خمس مواد، عرّفت الخطبة بأنها وعد بالزواج لا يترتب عليه آثار عقد الزواج، ونظمت استرداد المهر عند العدول أو الوفاة، باعتبار الشبكة من المهر وفقاً للعرف أو الاتفاق، مع تنظيم حالات الجهاز والهدايا بين الطرفين.
7. حق الزوجة في فسخ العقد بعد 6 أشهر
من أبرز ما أثار الجدل: يُحدد القانون 6 أشهر لطلب فسخ عقد الزواج في حالات بعينها — وهو ما رآه بعض الفقهاء القانونيين أنه يحتاج مراجعة دقيقة لضمان التوازن بين حقوق الطرفين.
8. صندوق دعم الأسرة
يتضمن القانون إنشاء صندوق لدعم الأسرة يُقدم دعماً مالياً خلال فترة النزاعات أو تعثر النفقة. هذا يعني أن الأم لن تنتظر تنفيذ حكم النفقة شهوراً وهي بلا دخل — الصندوق يُغطي الفجوة الزمنية بينما تجري إجراءات التحصيل.
ثالثاً: ما الذي لم يتغير — وما أثار الجدل؟
الزواج الثاني: أكد رئيس لجنة إعداد القانون أن القانون لا يتضمن أي نص يلزم الزوج بالحصول على موافقة كتابية من الزوجة الأولى كشرط للزواج الثاني، مشدداً على أن التعدد حق شرعي. هذه النقطة أشعلت نقاشاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي.
سن الحضانة: أُبقي على سن 15 عاماً كحد للحضانة مع إتاحة تخيير الطفل بعدها — وهو ما رأى فيه بعض المنتقدين أنه لا يزال غير كافٍ للأطفال الأصغر سناً.
رابعاً: أين القانون الآن؟
وافقت الحكومة على مشروع القانون وأحالته إلى مجلس النواب الذي سيعقد جلسات لمناقشة مواده، ويمر بمراحل عدة تشمل التصويت على كل مادة على حدة ثم التصويت النهائي، قبل إحالته لرئيس الجمهورية الذي يملك حق التصديق أو إعادته للمجلس خلال 15 يوماً.
القانون إذن لم يصدر بعد — هو في مرحلة المناقشة البرلمانية، ومن المتوقع أن تشهد بعض مواده تعديلات قبل الإقرار النهائي.
خامساً: جدول سريع بأبرز التغييرات
الموضوع القانون القديم القانون الجديد
توثيق الطلاق 30 يوماً 15 يوماً مع عقوبات
الطلاق الشفهي مُعتدّ به غير مُعتدّ به
ترتيب الأب في الحضانة المرتبة 16 المرتبة الثانية بعد الأم استضافة الطفل غير منظم نظام "الاستزارة" الجديد
إثبات النسب الشهادة فقط DNA + الشهادة
شروط الزواج شفهية مُدرجة في وثيقة رسمية
النفقة المتأخرة انتظار التنفيذ صندوق دعم الأسرة
قانون الأحوال الشخصية الجديد ليس مجرد تحديث قانوني — إنه تحوّل في طريقة تنظيم الأسرة المصرية. بعض مواده تُقلص ضرراً حقيقياً طال المرأة والأطفال لعقود، وبعضها الآخر لا يزال يثير جدلاً مشروعاً. الحسم النهائي في يد البرلمان — لكن ما هو مؤكد أن هذا القانون يمس ملايين المصريين مباشرة، ومعرفة تفاصيله ليست رفاهية.
