تأتي زيارة المبعوث الأمريكي جاريد كوشنر إلى القاهرة في توقيت بالغ الحساسية، بينما تتواصل التحركات الدولية والإقليمية لمحاولة دفع تنفيذ خارطة الطريق الخاصة بقطاع غزة، وسط تعقيدات سياسية وميدانية، ورفض إسرائيلي معلن لبعض بنود الخطة.
وقد شهدت القاهرة خلال الساعات الماضية تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا، شمل لقاء كوشنر بالرئيس عبد الفتاح السيسي، إلى جانب لقاءات مع وفد حركة حماس والوسطاء، بهدف بحث سبل الانتقال إلى المرحلة التالية من اتفاق وقف إطلاق النار وتنفيذ الالتزامات المتعلقة بغزة.
لكن السؤال الذي يجب أن يطرح نفسه بوضوح هو:
هل المطلوب من مصر أن تكون مجرد محطة لتمرير خارطة طريق دولية، أم أن القاهرة شريك أساسي له رؤيته ومصالحه وثوابته الوطنية؟
الإجابة المصرية يجب أن تكون واضحة: مصر لا ترفض السلام، ولا ترفض أي جهد حقيقي لوقف الحرب وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، لكنها ترفض أن تتحول خارطة الطريق إلى أداة لفرض واقع سياسي جديد على المنطقة دون توافق فلسطيني وضمانات دولية حقيقية.
فالقضية الفلسطينية ليست مجرد ملف أمني أو ترتيبات لإدارة قطاع غزة، وإنما قضية شعب له حقوق مشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.
كما أن أي حديث عن إعادة إعمار غزة لا يمكن فصله عن ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار، وضمان دخول المساعدات الإنسانية، وانسحاب القوات الإسرائيلية، ووقف الاعتداءات، وتهيئة الظروف السياسية لعودة الحياة الطبيعية إلى القطاع.
ومن هنا فإن مصر مطالبة بأن تتمسك بموقفها الثابت: لا تهجير للفلسطينيين، ولا تصفية للقضية الفلسطينية، ولا تحويل قطاع غزة إلى منطقة منزوعة الإرادة السياسية تحت أي مسمى.
والأخطر من ذلك أن يتم التعامل مع نزع السلاح أو إعادة ترتيب الإدارة داخل غزة باعتبارها خطوات منفصلة عن الالتزامات الإسرائيلية. فالسلام الحقيقي لا يمكن أن يكون التزامًا من طرف واحد.
لقد أعلنت حركة حماس موافقتها على خارطة الطريق للمرحلة الثانية، مطالبة الوسطاء بإلزام إسرائيل بتنفيذ التزاماتها، بينما أعلنت إسرائيل اعتراضات على الخطة، وهو ما يكشف أن الأزمة الأساسية ليست فقط في الموقف الفلسطيني، وإنما في قدرة المجتمع الدولي على إلزام جميع الأطراف بتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
وهنا تظهر أهمية الدور المصري.
فالقاهرة ليست طرفًا عابرًا في الأزمة الفلسطينية؛ فهي الدولة العربية التي تحملت طوال سنوات مسؤولية الوساطة وفتح قنوات الاتصال بين الأطراف، وتدرك أن أي انفجار جديد في غزة ستكون له انعكاسات مباشرة على الأمن القومي المصري وعلى أمن المنطقة بأكملها.
لذلك فإن الرسالة المصرية يجب أن تكون واضحة للمبعوث الأمريكي ولجميع الأطراف:
مصر تدعم السلام، لكنها لا تقبل الإملاءات.
مصر تدعم إعادة إعمار غزة، لكنها ترفض تهجير أهلها.
مصر تدعم إقامة إدارة فلسطينية للقطاع، لكنها ترفض تحويل غزة إلى وصاية دولية دائمة.
ومصر تدعم وقف إطلاق النار، لكنها ترفض أن يصبح وقف النار غطاءً لاستمرار الاحتلال أو تغيير الواقع الديموغرافي والسياسي للأراضي الفلسطينية.
إن زيارة كوشنر إلى القاهرة يمكن أن تكون فرصة حقيقية إذا تعاملت الولايات المتحدة مع مصر باعتبارها شريكًا سياسيًا أساسيًا، وليس مجرد وسيط مطلوب منه إقناع هذا الطرف أو ذاك.
أما إذا كانت الزيارة تستهدف الضغط على القاهرة أو تحميلها مسؤولية تمرير ترتيبات لا تتفق مع ثوابتها الوطنية والعربية، فإن الموقف المصري يجب أن يكون حاسمًا.
فالسلام الذي لا يحفظ الحقوق لا يصنع استقرارًا، وخارطة الطريق التي لا يلتزم بها الجميع لن تكون سوى طريق جديد إلى أزمة أخرى.
إن مصر تستطيع أن تدعم أي مبادرة جادة تنهي الحرب وتعيد إعمار غزة وتحفظ دماء المدنيين، لكنها في الوقت نفسه لن تقبل أن تكون بوابة لتمرير مشروع ينتقص من حقوق الشعب الفلسطيني أو يمس الأمن القومي المصري.
وفي النهاية، فإن القاهرة لا تحتاج إلى أن يقال لها كيف تحمي أمنها القومي أو كيف تدير علاقاتها الإقليمية؛ فمصر، بتاريخها وثقلها السياسي والعسكري والدبلوماسي، تعرف جيدًا أن السلام الحقيقي لا يُبنى بالضغوط، وإنما بالتوازن والعدالة والالتزام المتبادل.
ومن القاهرة يجب أن تصل الرسالة واضحة:
نعم للسلام.. نعم لإعمار غزة.. نعم للدولة الفلسطينية..
لكن لا لفرض الأمر الواقع.. ولا للتهجير.. ولا لتصفية القضية الفلسطينية.
