تكتسب الجولة الآسيوية للرئيس عبد الفتاح السيسي، التي بدأت في السادس من أكتوبر وتشمل كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا، أهميتها من طبيعة الشركاء الذين تتجه إليهم مصر، و من توقيتها في عالم تتداخل فيه المنافسة على التكنولوجيا مع أمن الطاقة والممرات البحرية.
وفي تقديري، يمكن قراءة الجولة باعتبارها تحركًا لربط السياسة الخارجية المصرية باحتياجات بناء القوة الشاملة للدولة: قاعدة إنتاجية أوسع، ومعرفة تكنولوجية أعمق، وشبكة علاقات تمنح القرار الوطني خيارات متعددة، و قد أعلنت الرئاسة المصرية أن الجولة تتضمن مباحثات رئاسية ولقاءات مع مجتمع الأعمال الكوري، بما يعكس حضور البعد الاقتصادي في أهدافها.
ويتيح اختيار الدول الثلاث التعامل مع دوائر آسيوية متمايزة؛ فالشراكة مع كوريا توفر مدخلًا للتعاون الصناعي والتكنولوجي، بينما تفتح ماليزيا مسارًا للاستفادة من خبرات الاندماج في سلاسل الإنتاج، وتمنح العلاقة مع إندونيسيا مساحة لتوسيع التعاون السياسي والاقتصادي في جنوب شرق آسيا. وتكمن قيمة الجمع بينها في إمكانية بناء شراكات متكاملة تستجيب لأولويات مصرية محددة.
تنويع الشراكات وتعزيز استقلال القرار
يكتسب توسيع الشراكات معنى استراتيجيًا عندما يحد من تركّز مصادر التمويل والتكنولوجيا والأسواق. فكلما اعتمد الاقتصاد على عدد محدود من الموردين أو المستثمرين، أصبح أكثر تأثرًا بقراراتهم وأزماتهم. ومن ثم، يمكن للانفتاح على شركاء آسيويين متعددين أن يرفع قدرة مصر على التفاوض، ويتيح بدائل في مواجهة اضطراب الإمدادات.
غير أن تنويع أسماء الشركاء وحده لا يكفي؛ فقد تتعدد الدول التي نستورد منها، بينما تبقى التبعية الإنتاجية على حالها، الاستقلال النسبي يتحقق عندما تتحول العلاقات إلى مهارات محلية، وموردين مصريين، وقدرة على الصيانة والتطوير والتصدير. وهنا ينبغي قياس القيمة الاستراتيجية للجولة بمدى انتقال المعرفة والقدرة الإنتاجية إلى الداخل.
ومن هذا المنظور، تصبح السياسة الخارجية أداة في بناء الأمن الاقتصادي؛ إذ تُساهم الشراكات الجيدة في تخفيف مواطن الضعف، وتوسيع البدائل، وزيادة قدرة الدولة على تحمل الصدمات. لكن هذا الأثر يتطلب اختيار المشروعات وفق احتياجات الاقتصاد المصري، ووضع شروط تضمن استدامة عائدها.
كوريا الجنوبية: تحويل الزخم السياسي إلى قدرة صناعية
شهدت المحطة الكورية مشاركة الرئيس، في السابع من أكتوبر، في مائدة مستديرة ضمت ٢٣ من كبرى الشركات الكورية، بما أتاح مناقشة فرص التعاون والاستثمار مباشرة مع الجهات القادرة على تحويل التفاهمات السياسية إلى مشروعات.
كما أُعلن في الثامن من أكتوبر الارتقاء بالعلاقات إلى شراكة استراتيجية، وتوقيع مذكرات تفاهم في بناء السفن والطاقة النظيفة والبنية الأساسية للكهرباء والتكنولوجيا، مع تأكيد توسيع التعاون الدفاعي والإشارة إلى الإنتاج المشترك لمدافع "K9 - Reuters".
وتتمثل الدلالة الأهم لهذه المجالات في الجمع بين البنية الأساسية والقدرة الإنتاجية. فالتعاون
في بناء السفن، يمكن أن يفتح فرصًا لخدمات الإصلاح والصيانة وتصنيع المكونات وتأهيل العمالة الفنية. والتعاون في الكهرباء والطاقة النظيفة يمكن أن يدعم تنافسية الصناعة إذا ارتبط بإمدادات مستقرة وتكلفة مناسبة وخبرات تشغيل محلية.
لكن مذكرة التفاهم تحتاج إلى مسار تنفيذ واضح حتى تتحول إلى مشروع منتج. ولتحقيق مكسب اقتصادي مستدام، يُستحسن أن تتضمن المشروعات نسبًا متدرجة للمكون المحلي، وبرامج لتأهيل الموردين، والتزامات بالتدريب، وترتيبات محددة للصيانة والتطوير وفق طبيعة كل تعاقد.
فالمشروع الذي يستورد معظم مدخلاته ويكتفي بالتجميع يترك أثرًا مختلفًا عن مشروع يُنشئ حوله شبكة من الصناعات المصرية. وكلما توسعت هذه الشبكة، زادت القيمة المضافة، وتحسنت فرص العمل، وأصبح الاستثمار أكثر ارتباطًا بالاقتصاد الوطني.
أما التعاون الدفاعي، فتنبع قيمته التنموية من إمكانية بناء خبرات هندسية وصناعية قابلة للامتداد إلى قطاعات مدنية. ويظل معيار النجاح هو حجم القدرة التي تُكتسب محليًا واستدامة تشغيلها، مع إدراك أن نقل التقنيات الحساسة يخضع لقيود تفاوضية وقانونية تختلف بين المنتجات والشركاء.
ماليزيا: اكتساب موقع أفضل في سلاسل القيمة
تأتي محطة ماليزيا في سياق توجه سابق لتطوير العلاقات نحو الشراكة الاستراتيجية؛ فقد تناولت المباحثات المصرية الماليزية مجالات الاستثمار والسيارات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي والتبادل الثقافي، إلى جانب الدور التعليمي للأزهر الشريف.
وتبرز أهمية دراسة التجربة الماليزية في ضوء توجهها لتوسيع موقعها في صناعة أشباه الموصلات، عبر أنشطة التصميم والتصنيع والاختبار والتغليف، ضمن استراتيجيتها الوطنية لهذا القطاع.
ومن هذه الخلفية يمكن اقتراح مسار مصري واقعي يبدأ بحلقات محددة تستطيع الصناعة المحلية استيعابها، ثم يتدرج نحو أنشطة أعلى قيمة. فالدخول إلى الصناعات التكنولوجية قد يبدأ بخدمات هندسية، أو تصميمات متخصصة، أو تصنيع مكونات، أو اختبار منتجات، بشرط وجود جدوى اقتصادية وشريك ملتزم.
والدرس الذي يستحق الدراسة هو كيفية ربط الاستثمار الأجنبي بالتعليم الفني وتنمية الشركات المحلية. لذلك ينبغي أن يتزامن التعاون الصناعي المقترح مع شراكات بين الجامعات ومراكز التدريب والشركات، بحيث تُبنى المهارة بالتوازي مع إنشاء خطوط الإنتاج.
كما تتيح الروابط التعليمية والثقافية أساسًا للثقة المتبادلة يمكن البناء عليه في التعليم والسياحة والخدمات. إلا أن تحويل هذه الثقة إلى عائد اقتصادي يتطلب برامج محددة تستجيب لاحتياجات الطرفين. وهذه مسارات مقترحة للتعاون، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها اتفاقات أُنجزت خلال الجولة قبل إعلانها رسميًا.
إندونيسيا: تفعيل الشراكة وتوسيع التعاون بين دول الجنوب:
تستند محطة إندونيسيا إلى اتفاقية شراكة استراتيجية وُقعت في أبريل ٢٠٢٥. وقد ناقش الرئيسان، خلال لقائهما في سبتمبر ٢٠٢٦، العلاقات الثنائية وحرية الملاحة والتسوية الدبلوماسية للأزمات، وأكدا دعم حل الدولتين ورفض تهجير الفلسطينيين.
وتمنح هذه الخلفية الزيارة قاعدة سياسية يمكن البناء عليها، لكن اختبارها الاقتصادي سيكون
في تحديد مجالات ذات طلب حقيقي وفرص تنافسية. ومن المسارات التي تستحق دراسة الجدوى الصناعات الغذائية والأسمدة والدواء والخدمات اللوجستية، إلى جانب ترتيبات تشجع الشركات على التصنيع المشترك والتوزيع في أسواق الطرفين.
وتتيح العلاقة كذلك بحث مشروعات تعاون بين دول الجنوب تجمع القدرات المصرية والإندونيسية لخدمة أسواق أخرى. غير أن العلاقات السياسية الجيدة لا تلغي صعوبات النقل والمواصفات والتمويل؛ ولذلك يجب أن تقترن المبادرات بدراسات للسوق وتكاليف الشحن وآليات السداد.
والقيمة الأعمق لهذا التعاون تتمثل في إمكانية بناء علاقات إنتاجية تتبادل فيها الدول الخبرات والمنافع، وتشارك في تصميم المشروعات وفق احتياجاتها. وكلما زادت القدرة على صياغة مشروعات مشتركة قابلة للاستمرار تجاريًا، ازدادت متانة الشراكة السياسية.
الممرات البحرية: التقاء الجغرافيا بالتنمية
تربط الجولة بين شركاء يتأثرون بحركة التجارة البحرية وبين مصر التي يمثل موقعها عنصرًا مهمًا في هذه الحركة. ومن هنا تظهر مصلحة محتملة في تطوير التعاون اللوجستي وتحسين اتصال المواني، إلى جانب التشاور بشأن حرية الملاحة وتخفيف مخاطر الاضطرابات الإقليمية.
لكن تحويل الموقع إلى قيمة اقتصادية يستلزم خدمات وأنشطة تحيط بالممر: تصنيع وتخزين وصيانة وتموين وتوزيع. فكل نشاط إنتاجي يرتبط بالموانئ يمكن أن يوسع العائد المحلي
من التجارة، ويمنح المستثمر سببًا للاستقرار في مصر يتجاوز القرب الجغرافي.
ويتوقف تحقيق ذلك على كفاءة التشغيل، وسرعة الإفراج الجمركي، واستقرار الطاقة، وتنافسية التكلفة. فالجغرافيا تمنح فرصة، بينما تحدد الإدارة الاقتصادية مقدار الاستفادة منها.
وبذلك يتكامل أمن الملاحة مع التنمية الصناعية؛ استقرار الممرات يحمي تدفق التجارة، ووجود مصالح إنتاجية مشتركة يزيد اهتمام الشركاء باستقرار بيئتها. ويمكن لمصر أن توظف هذا الترابط في صياغة شراكات تجمع الاستثمار والتجارة والتشاور السياسي.
التنسيق السياسي وحدود تحويله إلى نفوذ
يسمح التقارب مع ماليزيا وإندونيسيا بتوسيع التشاور حول فلسطين والقضايا الإنسانية والتسويات السلمية. وتوضح المواقف المصرية الإندونيسية المعلنة وجود أرضية مشتركة يمكن البناء عليها في المحافل الدولية.
ومع ذلك، لا تعني المواقف المتقاربة تطابق الأولويات أو قيام تحالف تلقائي؛ فكل دولة تتحرك وفق مصالحها وحساباتها. وتزداد فاعلية الدبلوماسية المصرية عندما تحدد أهدافًا عملية للتنسيق، مثل دعم المساعدات، ورفض التهجير، وحماية الملاحة، مع احترام اختلاف حسابات الشركاء.
كما أن الشراكات الاقتصادية المستقرة يمكن أن تمنح التشاور السياسي قدرًا أكبر من الاستمرارية، لأنها تُنشئ مصالح مؤسسية تتجاوز اللقاءات والبيانات. ولهذا فإن الربط بين مسارات التعاون، مع مراعاة خصوصية كل ملف، يعزز متانة العلاقات على المدى الطويل.
اختبار النجاح يبدأ بعد الزيارات
الاختبار الحقيقي يبدأ عندما تُترجم التفاهمات إلى عقود وتمويل وتنفيذ. ومن المفيد إنشاء آلية متابعة للمشروعات ذات الأولوية، تتضمن جهة مسؤولة وجدولًا زمنيًا ومراحل قابلة للقياس، مع إشراك القطاع الخاص في تحديد الفرص والعوائق.
وينبغي تقييم النتائج من خلال القيمة المضافة المحلية، ونسبة المكون المصري، وفرص العمل الفنية، والصادرات الجديدة، وصافي الأثر على النقد الأجنبي. فقد يكون المشروع كبيرًا في حجم الاستثمار، بينما يظل أثره محدودًا إذا استورد معظم مدخلاته ولم يطور مهارات أو موردين محليين.
كذلك تتطلب الاستفادة معالجة عوائق التنفيذ، ومنها تداخل الإجراءات، وعدم وضوح التكلفة، وصعوبات اللوجستيات، والفجوة بين مهارات العمالة واحتياجات الصناعة. فالثقة التي تمنحها اللقاءات الرئاسية تحتاج إلى تجربة تشغيل يومية تؤكدها.
وفي تقديري، تمنح جولة السيسي الآسيوية مصر فرصة لتوسيع خياراتها وربط علاقاتها الخارجية بعملية بناء القدرة الوطنية. وتزداد قيمة هذه الفرصة عندما تتكامل التكنولوجيا الكورية مع خبرات ماليزيا الصناعية وإمكانات التعاون مع إندونيسيا ضمن أولويات مصرية واضحة.
أما النجاح المستدام، فسيتحدد بما يبقى داخل مصر من معرفة وإنتاج وفرص عمل وقدرة على المنافسة؛ عندها تتحول الشراكات الخارجية إلى رصيد يدعم التنمية ويعزز استقلال القرار.
